المشعل الأولمبي وشهب نار من أجنحة البعوض

أن تقول لك حبيبتك في حديث وقد أخبرتها توا حول مدى شوقك لها واشتياقك إليها، بأنها نصف عارية ومستلقية على السرير وهي تفكر فيك، فربما يجعلك هذا تستطيع أن تقاوم تصويرها وحطها في تلك الصورة بالذات وهي مستسلمة، منتشية، سعيدة ووديعة..

أن تقول لك نفس الحبيبة في مكالمة من أرض بعيدة، أنها تستحم، فربما سيجعلك الأمر، رغما عن سلطة التخيل والإيحاء، تَقْدر أيضا على إبعاد صور نهديها وساقيها وهي تدلكهما برغبة متوهجة حمراء، بيديها المزينة برغوة ناعمة بيضاء..

لكن أن أكون انا المستلقي في سريري، أتربص بلحظة أنفلت من خلال فتحة فيها، توصل عالم الصحو بعوالم نائمة، وأسمع حينذاك في قمة السفر في عباب هذا الخدر بالنوم، صوت أجنحة بعوضة، فأبدا .. أبدا أستطيع مقاومة صورتها وهي تفتح في مسامات جلدي ثقب مص لنجيع أغلى ما جاد به جسمي في هذه الحياة..

يمكنك أن توقظني بكل فرح وفي عز نومي لأجل أشياء قليلة فقط، وسيكون البعوض واحدة منها لولا أنه يوقظني قبل أن تسنح الفرصة لك أنت لتفعل.

إني أكره البعوض كثيرا… ومن منا لا يكرهه؟ أسمع أصواتكم الداخلية تقول، تسأل أو تتساءل…

لكن لا بأس. ليس الأمر بهذه السهولة، فأنا حالة خاصة. لشدة كراهيتي للبعوض فإني أعرف كل شيء عنها. إنه من الضرورة أن تعرف كل شيء عنها كي لا تتركها تزعج لياليك كثيرا، وتجعلك ضحية تستسلم لقدرها هذا.

في صغري كنت لا أعرف سوى ما تعرفونه أنتم الآن، لكني كنت أكرهها أكثر بكثير مما قد تستطيعون أن تتصوروا فيه عُمْي وبربارية كراهيتكم لها. كنت مولع جدا، وجاد كثيرا في سحقها وملاحقتها وتدميرها في أوكارها..

في أواخر شهر غشت بالتحديد، وأنا أعرف هذا جيدا، لأن ذلك النوع من ثمرة التين المشتهات والشهية، تلك التي تكون على شاكلة حبات صغيرة جدا وتتشابه بحلمات ضرع بقرة، أو بحلمات امرأة تضخمت وانتصبت بفعل غريزة تسكن الأثداء المعطاءة، لتمنح عن طواعية نفسها وتستسلم لعملية إفراغ عبر الرضاعة، (هذا النوع من التين) ينضج فقط عند نهاية غشت.

أشجار التين الحاملة بهذه الثمرة الديليكاتيسين، تكون مرتعا لبعوض صغير يتعشعش ويستفحش في المحيط وفي الأعراص المائية المجاورة وكأننا أمام مشهد غريب ونتواجد أمام ظاهرة استوائية.

– هذا النوع من التين ينجب البعوض بكثرة..

– لا… إنما لأن هذا التين شهي جدا، فإنه يجذب إليه البعوض بكثرة.

– نعم… لقد أتيت إلى هنا قبل أسبوع أو أسبوعبن لأتفقد مراحل نضج الثمرة وأفوز ربما بباكورة منها، لكن التين لم يكن ناضجا بعد وكان البعوض.. البعوض. كان كما ترونه الآن أو أقل من هذا قليلا. فتحت آنذاك عدة ثمرات وكانت مغلقة بالإحكام. لم أجد في داخلها لا بعوضا ولا بيضه.

ربما تغيرت الآن وسط أطفال اليوم، أساليب الشرح والإستكشاف لأسباب هذه الظاهرة. لعلهم الآن يستحضرون عوامل الحرارة ووفرة الماء وتشكل الرطوبة، لكي يقتربوا من الحقيقة أكثر ويفهموا سر انتشاره بهذه الكثرة.

كنت في أواخر غشت عادة ما أزور مع سقوط العتمة أشجار تلك الفصيلة من التين، فآكل منها ما استطعت محاولا أن أُبقيّ طوال الوقت على شفاهي وهي مسدودة. أستنشق الهواء عبر أنفي فقط، فلا يجد البعوض طريقا حرا له الى حنجرتي.

حينما أشبع بطني بالتين وتكون عتمة آب قد استكملت سقوطها على مدرجات الجبل، استخرج من كيس مشعلا صنعته بيدي. أشد على مقبضته التي هي من قصب محلي، وأضرم النار في فتيله المزيت. فتنتشر ألسنة النار وترتفع متشضية متوهجة وهي تنتقل على أجنحة البعوض في عتمة الأعالي، من جناح إلى جناح.. من بعوض إلى بعوض ويتسع التوقد والإشتعال، وأنا أعدو في البراري كبطل إغريقي، حاملا المشعل الأولمبي، والشهب المتطايرة من بعوض يحترق في السماء، تزين الطريق خلفي..

لم أكن آنذاك كفء لأعترف بساديتي وبجريمة أقترفتها في حق البعوض النباتي، وفي شجر التين الذي يلقحه وكذا في التوازن الطبيعي.

في المدينة فقط عرفت أن بعوض الثمرة، يبقى على مسافة محترمة من الإنسان، وأن البعوض الذي أكرهه، لم تنل منه ألسنة مشعلي … فتتحطم الصورة التي كونتها عني كبطل إغريقي خارق.

أكره البعوض كثيرا.

ولكي تكون هذه الكراهية طبيعية وبعيدة عن سادية الطفولة فإني أتربص بالبعوض كل الوقت. قبل النوم استكشف الحيطان وصفائح الصوان وأغلفة النوافذ، فأدك ما أراه منها دكا بضربة من قماش قاتل. لقد تعلمت مع التجربة أنه يكفي تكسير أجنحتها للفتك بها دون ترك أثار دموية للجريمة التي اقترفها في حقها. وحينما أتأكد من أنني نجحت في تنظيف الغرفة منها وأذهب بعدها مستريح البال لأطفأ الضوء وأتوسد وسادتي، أكتشف:

لم أقتل غير الغبية منها، تلك بقدرات ذهنبة أقل من المتوسط. لأن الأذكى منها، إن فرت فلن تعثر عنها مهما فتشْت وبحثت. إنها تعرف كيف تتخبأ خلف الأمتعة وتحت السرير، وتعرف كيف تتحايل عن العين وتتلتجأ الى الأمكنة المعتمة الممتنعة لتختفي في الألوان القاتمة.

خصيصا هذه الفئة الفائقة الذكاء، ما جعلتني أطور مهاراتي القتالية. فأضع لها كمينا. أذهب الى النوم وأتصنع النوم وأنا لست نائما. أدثر كل أطراف جسدي العارية سوى تلك التي أضعها طعما لها لتكتمل صناعة الكمين. فأسند على يساري وأترك يدي اليمنى وهي الأسرع، في أهبة الإستعداد. أغلق عيناي وأركز على صوتها المزعج لأحدد مكانها ووجهتها وسرعتها. فأحدد رأسها من دبرها وهذا مهم جدا جدا. لأن الضربة السريعة إذا جاءت من الخلف فأكيد أن البعوضة ستنفلت ولن تقع، لأن الأسرع والأكثر مراوغة، إضافة إلى أن الضربة تمنح لها من الريح ما سيساعدها لتسرع في طيرانها. علبك إذن بتسديد الضربة الى الرأس حين هي لا تترقبها. ثمة حيز فرصة صغير للقبض عليها وإيقاعها وهي تحاول أن تستدير برأسها. إنها الفرصة الوحيدة والبعوضة ملازمة للطيران.

وهناك من البعوض الذكية جدا جدا ولا تنفع معها مثل هذه الضربة وأية حيلة أخرى سوى أن تتركهاتحط عليك، وتتركها تمتص من دمك الذي سيخدر يقضتها وانتباهها، وإن لم يفعل بها هذا، فلابد أنه سيثقلها وسيقل من سرعة طيرانها وحدة مناوشاتها ومراوغاتها..

هناك أكثر من شكل للصيد والإيقاع بالبعوض وبالضحية. فالحبيبة مثلا وهي تعرف هذه القصة، وتعرف ما وُضع في الطريق من قطاع صناعي، وكمائن … مصائد…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.