المشروع النقدي الأمازيغي لرشيد الحاحي منظرا ومبدعا

رشيد الحاحي باحث أمازيغي وفنان تشكيلي أغنى المشهد الثقافي المغربي بالعديد من الإصدارات الفكرية الرصينة، ونشر بالصحف والمجلات الوطنية والدولية العديد من الدراسات الفكرية والنقدية مند منتصف التسعينات من القرن الماضي، كما يساهم في إغناء النقاش العمومي الوطني بكتابات رأي متميزة بعدة منابر كبرى، وله مكانة بارزة في الحقل التشكيلي الوطني، كما له إسهام مؤثر في النضال الأمازيغي داخل الحركة الامازيغية لسنوات عديدة . فالحاحي قضى شبابه منذورا للمعرفة وقلق السؤال، ولج عالم البحث والكتابة النقدية بعد سبره لأغوار الفن ومجال التشكيل والصورة ومقوماته الجمالية والرمزية، وبعد تكوينه الفكري، أسس لمساره البحثي والنضالي بتبات كبير، وكرس دعوته إلى ضرورة إيقاظ روح الفن والجمال، وإعمال الفكر والنقد الرصين، لأنهما، أي الفن والفكر، الروح والعقل المحددان لفعالية وحيوية الشعوب الحرة.

فكتابات وإصدارات الحاحي الفنية والفكرية والنقدية المتعددة، والمتميزة بتناغم أثر الفن مع أثر الفكر، بلورت إشكاليات وأسئلة عميقة بصمها بمنظور ورؤية خاصة تعكس شخصيته الثقافية ورهاناته الكبرى، باعتباره ينتمي إلى جيل التغيير المتمكن من علوم عصره ومناهج الفكر الحديث والتواق إلى تجاوز كل المعضلات البنيوية المشكلة للوعي المغربي والكابحة لتطوره، لذلك فهو يملك مشروعا نقديا متميزا انبرى للاشتغال عليه مند دراساته ومقالاته الأولى الصادرة بالجرائد والمجلات مند منتصف التسعينات، ثم في كتابه النقدي الأول والمرتبط بالفن والإبداع والجمال الصادر سنة 2003 والمعنون ب”الفن والجسد والصورة” والذي يعد تقديما نظريا أعلن فيه الباحث عن الأساس الفلسفي والمنهجي لمشروعه النقدي، فالكتاب ينطلق من وعي المؤلف بكون ثالوث الفن والجسد والصورة، أو الجمال والثقافة والاقتصاد، هي دوائر عميقة في تنظيم العالم، ساهم به لتأكيد العلاقة الأنطولوجية بين الفن والفكر الساعية دوما إلى فهم الوجود وعلاقة الذات به، ساعيا إلى تفكير التشكيل كحقل إبداعي متوتر ومنفعل بشكل جدلي. فقد عاش الكاتب مند الوهلة الأولى، على ألم المخاض والقلق الحاد، بين المنتج فنيا وبصريا والمحلل نقديا، فاعتمد داخل دفتي كتابه الأول على منهج نقدي يروم استقصاء الذاكرة البصرية المغربية ومنتوجها التشكيلي أو ما اسماه جسدها الجريح القابع دوما داخل دائرة المكبوت والمحظور والمسكوت عنه ، والذي خصص فيه فصلا كبيرا للتراث التشكيلي الأمازيغي، فكان رهانه الأساس بعث الحياة في كل المقومات الرمزية والجمالية الثاوية بعمق البنية الفنية والثقافية المغربية .

وقد حاولنا يقول الحاحي :” العودة إلى هدا الجسد الذي ظل يحمل صوته وحساسيته وتاريخه مكتوبا على جلده وفي نسيجه وذلك للمساهمة في محاولة انتزاعه من بين وهم المطلق والتطابق والمصادرة والتنكر الإيديولوجي ، وإماطة اللثام عن بوحه وشهوته، وهكذا نحس أننا غطسنا في حقيقة ذاتنا وأننا استطعنا التنفس “. بهده الفقرة لخص الكاتب توقه الوجودي للتحرر والمقاومة والرغبة في حمل كيانه الثقافي العميق نحو الانبعاث والصمود ، موجزا تفاصيل مشروعه الفكري والنقدي ورهاناته النظرية الناظمة لأسئلته المتفجرة والمتتابعة في كتبه اللاحقة ، مستكشفا بشكل متوالي أدوات حفره. ويعد هدا الكتاب بحق إسهام نظري متميز كما يؤكد جل الباحثين والتشكيليين بالمغرب، لامس أهم قضايا عصره والمرتبطة بحقول الفن والصورة وأسئلة الجمال والحداثة والتكنولوجيا ومجتمع الاستهلاك ، معلنا رغبته في الإسهام في تأكيد وتناول سؤال حوار الفكر والفن وتفاعلهما الجدلي، ودوره في إدراك وجودنا واختلافنا الثقافي.

وتعميقا لأسئلة الوجود الفكري والثقافي المميز للكيان الثقافي الوطني صدر لرشيد الحاحي سنة 2006 كتاب مؤثر وعميق بعنوان “النار والأثر،بصدد الرمزي والمتخيل في الثقافة الأمازيغية”، هذا الكتاب الذي يعكس حضور الشخصية الثقافية للكاتب كمثقف بوعي جدلي مسكون بهاجس البحث عن المعنى وتجاوز الغموض وتبديد الوهم والاستدلال عن الحقيقة ، فاستمر في سعيه إلى ترسيخ منهجه النقدي من خلال استكشاف خبايا الذاكرة الفنية والإبداعية المغربية والحفر في الدلالة والأسناد الرمزية والجمالية للجسد المغربي ناحتا لأفق معرفي جديد ولامتداد منهجي مرتكز بالأساس على استحضار الشرط الإنسي في التحليل والمقاربة، مستدعيا ما استجد من مباحث العلوم الإنسانية والفكر المعاصر وتحديدا الأنثربولوجيا الرمزية والفينومينولوجيا وفكر الاختلاف والتحليل النفسي، وأضاء بها الكثير من العتمات والجوانب المهملة والمهمشة في حقل الدراسات الإنسية بالمغرب. وبذلك، ساهم في إبراز عمق الثقافة الأمازيغية وفي منحها معنى وقيمة جديدة، وبعث وجودها الدفين تحت أوهام التحريف والاختزال الإيديولوجي والتعتيم جراء سلطة العقل الدوغمائي المتعالي المهيمن باستعمال اللاهوت أو الخطاب القومي العربي من جهة، أو بفعل الإفراط في تدعيم سلطة العقل الغربي المتميز بنزعته الوضعية المتمركزة والتي تدعي الشمولية والامتلاء والصدقية . فالباحث خلال هدا الكتاب، اعتمد منهج فكري مختلف في المشهد الثقافي المغربي، يجد أسسه الأولى في بعض كتابات عبد الكبير الخطيبي، ويتميز بالإشتغال على لغة عابرة للأجناس، يندغم فيها الشعري بالفكري، نائية عن رتابة اللغة العلمية، بألقها وأناقتها، ومختلفة عن لغة الأدب بمفاهيمها ودلالاتها المحددة ، جعلت هذا الأثر الفكري منفلتا من كل قراءة نمطية تقليدية . فكتاب النار والأثر أنتج نسغ اختلافه في عناصر كتابته ذاتها .

وعلى مستوى موضوع الاشتغال في الكتاب، فقد منح رشيد الحاحي لتيمة المتخيل راهنية جديدة، فرؤيته النقدية بحمولتها الفكرية والأنثربولوجية وجهازها المفاهيمي ودينامية اشتغالها تستهدف بلورة مشروع ثقافي ونقدي اختلافي منفصل عن أنواع الخطابات والرؤى والإنتاجان النظرية السائدة والمهيمنة على الثقافة المغربية من خلال الإقرار بضرورة الاهتمام بكل الحيوية الإنسانية أو ما اسماه برغسون بالاندفاع الحيوي، وتجاوز ميتافيزيقا وثوابت العقل الصارم. يعني نقد ميتافيزيقا الحداثة التي أسس لها اللوغوس الغربي العاجز عن فهم واستيعاب كل امتدادات ومتغيرات هذه الحيوية، مواجها بذلك المناهج المهيمنة والمتحكمة في الأبحاث والكتابة حول الكيان الثقافي المغربي، قصد إعادة الحياة إلى مقوماته الإنسية والاجتماعية وكسر وضعية الصمت والطمس التي آل إليها وإبراز فعالية وجوده وصوت اختلافه ، مما يبرز توجها نظريا واضحا لمثقف عضوي، حاول الإسهام في إعادة الصياغة للمداخل والأسس المتحكمة في بناء الذات الأمازيغية والوطنية وكيانها الثقافي والاجتماعي لتفصح بشكل خلاق عن حقيقتها ونسغ وجودها وعن ممكناتها الثقافية والإبداعية والتنموية .

بعد كتاب “النار والأثر” الذي انغرس بقضاياه وأسئلته داخل مختلف الحوامل والأسناد الرمزية و الفنية والجمالية التي تعكس البنيات الأنثربولوجية للمتخيل الامازيغي، مراهنا على بناء الذات على أسس واعية بضرورة تجاوز حالة التمزق وتشظي الكيان الفكري والثقافي المغربي، فجرح الجسد المغربي المزمن، تعكسه حالة الانفصام الحادة والمفارقة التي يعيشها بين جسد مفهومي وجسد واقعي، بين الصورة والتصور. بعد هذا الكتاب صدر لرشيد الحاحي إسهام نظري نوعي آخر سنة 2009 عن منشورات وجهة نظر بعنوان مستفز وصادم “الأمازيغية والسلطة، نقد إستراتيجية الهيمنة”، ليحدد من خلاله وبعمق نظري ورصانة فكرية توقه المفصح عنه في كتابه الأول، التوق الجارف نحو التنفس وتجديد الحياة والتحرر من اسر مفعول السلطة وإستراتيجيتها المتعددة التي استطاعت إقصاء الأمازيغية والهيمنة عليها اجتماعيا وثقافيا، مبرزا طبيعة اشتغالها حيث اعتمدت خيار الهيمنة الثقافية والرمزية عبر أجهزتها الإيديولوجية والتحريفية وعبر نخبها ومؤسسات التنشئة والإنتاج الاجتماعيين. وبذلك حاول الباحث الإسهام في بلورة ممكنات فك قبضتها على الأمازيغية وتحرير الإمكان البشري المغربي والكيان الثقافي الأمازيغي وتبويئه المكانة العادلة التي يستحقها في فضاء مغرب المستقبل .

لقد ساهم هذا الكتاب، في تكريس رشيد الحاحي اسما ثقافيا بارزا، منهمكا في تطوير النقاش الأمازيغي نحو أفق يسمح بإنتاج فكر نقدي وتحليلي يستلهم السياق المغربي الجديد، المطبوع بقدر من الاعتراف بالتعدد، وبالكثير من التردد والتنكر. فرغبته في كشف وتجاوز المفعول الاستراتيجي للهيمنة التي تمارسها السلطة يفترض تدبيرا استراتيجيا أيضا لعلاقات السلطة، تتمكن من خلالها الهوامش من استعادة وضعها خارج قانون الموت والإقصاء، ويتمكن من خلالها الواقع الصارخ للمغاربة من امتلاك تعدده. كما يستهدف الكاتب كذلك، عبر هدا الأثر النظري الجاد والرصين، الانتقال إلى عتبة أخرى من النقاش المرتبط بوضع الأمازيغية لغة وثقافة وهوية، مراهنا على استمرارية تفاعلها، وإنعاش ديناميتها ، وإفحام خطابها بمقومات وآليات النقد الذاتي، بهدف ممارسة نوع من القطيعة مع ذاته، من خلال الانتقال به من سؤال البحث عن شرعية الوجود، الذي استهلك الكثير من المداد والزمن والفعل الأمازيغيين، إلى مرحلة امتلاك هدا الوجود واستثماره، من خلال الإسهام في نقد وبلورة رؤى وتصورات اختلافية، حول قضايا الإنتاج الاجتماعي والثقافي، وأسئلة تنظيم وممارسة السلطة، ومشاريع الديمقراطية والحداثة، وتستمد جسارتها من حقيقة الوجود الإنسي للمغاربة . ويؤشر هدا الكتاب في تقديري على ولوج مرحلة جديدة ومتقدمة من الوعي بالذات الأمازيغية في تاريخ البحث والنضال الأمازيغي، لكونه يدعو إلى ضرورة الارتقاء بالوعي الأمازيغي من مرحلة الوعي ذاته إلى مرحلة نقد الوعي، أو ما يطلق عليه بوعي الوعي، مما يبرز استلهام الحاحي لمنهج النقد المزدوج الذي دشنه الخطيبي، ويروم ترسيخ أبعاده .

ولعل كتابه “الامازيغية وأسئلة المستقبل” الصادر سنة 2010 ينفتح على هدا الأفق وينخرط في دعم الدينامية المتقدمة المرتبطة بالوعي بالذات، فهو يحيل إلى وعي متوتر منفتح على الذات والآخر، مدعوم بنفس اختلافي حاد، فالكتاب منخرط بشكل فاعل ومؤثر في لحظة التدوين الأمازيغي ، فهو يعد أول اصدرا فكري ونظري حول الأمازيغية ومكتوب بالامازيغية وبحرف تيفناغ ، تناول مختلف الأسئلة الراهنة المتصلة بالامازيغية لغة وثقافة وهوية وأشكال انخراطها وإسهامها في دواليب الحياة العامة وقضايا الشأن العام، وإسهامها في الارتقاء بالنقاش الامازيغي لدى مختلف الفاعلين والمهتمين. فمغامرة الكتابة بلغة أمازيغية عالمة وبحرف تيفيناغ حول مواضيع تندرج في صلب قضايا واهتمامات الخطاب الأمازيغي اليوم وغدا، وبدل الكثير من الجهد لنحت المصطلحات وتوظيف اللغة الممعيرة، تنسجم في دلالاتها وأبعادها مع الرؤية النقدية للحاحي ، التواقة إلى مواجهة التحوير الإيديولوجي المرتبط بقضايا الإنسان والأرض واللغة، وخلخلة اليقينيات الكاذبة والوثوقيات المتحكمة في المرجعيات المؤطرة للخطاب المعرفي العالم على امتداد سياق بأكمله في المغرب. فرهان الباحث يروم إعادة تصحيح الوضع اللغوي بالمغرب من خلال التأكيد على الجوانب الإنسية والحضارية للغة ودورها في تشكيل الوعي والتمثل الفردي والجماعي، ورد الاعتبار للهوامش ووضع الإنسان في صميم أسس وغايات التنشئة والتحديث والتنمية، كما يروم إبراز المقوم الاختلافي والتعددي للأمازيغية ولحرف تيفناغ ودلالات حضورها الرمزي والجمالي في الفضاء البصري وسوق الممتلكات الرمزية .

ويعتبر كتاب “الأمازيغية والمغرب المهدور” الصادر سنة 2013، بحق كتابا جذريا وحاسما في تيماته ومفاهيمه ورهاناته الكبرى، فهو يروم إحداث مفعول الصدمة في أعصاب الثقافة الراكدة، كما يراهن على إحداث القطيعة مع كل الاختيارات والتوجهات التحريفية التي لحقت بالكيان المغربي إعاقات وأعطاب ثقافية وهوياتية ووجودية صارخة، كبلت الإمكان البشري المغربي وأعاقت إسهامه الخلاق في بناء مستقبله بالشكل الذي ينسجم مع حقيقة ذاته ووجوده. مما أنتج واقع الهدر والإخفاق المجتمعيين وحالة التداعي العامة التي استعصت على كل محاولات الإصلاح المجربة مستقصيا بصرامة نقدية ومنهجية معظم العوائق البنيوية الممتدة والمشكلة للشخصية المغربية الفردية والجماعية، معتبرا أن السؤال الإنسي المغربي يستحق جدارته في مواجهة واقع الإخفاق والهدر والفداحة المتجلي على مستويات عدة من مناحي الحياة العامة وقضايا الديمقراطية والتنمية وتدبير الشأن العام المغربي، وذلك بسبب هيمنة أنموذج ثقافي تحكم لعقود كثيرة في الذهنية والسلوك والممارسة الثقافية والسياسية والحياة الاجتماعية، وهو أنموذج الترحال القائم على علاقة استغلال المجال وثرواته ونسيجه الاقتصادي واصطياد الطرائد وكل الفرص وإمكانات الهيمنة والاغتناء التي يوفرها فضاء المغرب المعاصر.

ويعتبر هذا الكتاب صادما ومؤثرا لأنه يشكل لحظة حد أقصى في الخطاب الثقافي الأمازيغي وعتبة أخرى من العتبات الأكثر تقدما في النقاش والتداول الأمازيغييين حول قضايا المغرب الحيوية المتصلة بحقيقة الإطار الهوياتي المركزي والكبير الجامع لكل المغاربة، وبحقيقة وجوده التاريخي وأعطاب التحول التي أصابت كيانه الثقافي. إضافة إلى إسهامه في تنوير المفاهيم وتبئيرها حول القضايا الجديدة المرتبطة بالعدالة المجالية والترابية ومآل الثروة المادية والغير المادية للمغرب، وما يرتبط بها من أسئلة التنمية والديمقراطية والمواطنة، معمقا وداعما للتحولات التي يشهدها النضال والفعل الحركي الأمازيغي الذي يروم الانتقال من المرحلة المحض ثقافوية إلى مرحلة التأسيس لخطاب جديد ولإطارات بديلة تعد اليوم رهانا أمازيغيا يتبلور داخل حمأة النقاش الفكري والإيديولوجي لمناضلي ونخب الحركة الأمازيغية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.