المرتضى إعمراشا: ضمير حراك الريف

لم أعرف المرتضى شخصيا. بل تابعت عمله النضالي وعلمت ما يعلم الجميع عن الرجل. أما ما أكتب ف”بورتريه” للرجل من متابع بعيد عنه وعن الحراك.

دفعني الفضول للتعرف على أخبار حراك الريف يوم كان قائما وفي بداياته. فكان المرتضى إعمراشا وصفحته على فيسبوك إحدى وسائل اطلاعي على الحراك كما يعيشه مشارك فيه. وتابعت ما كتب بشكل يومي من دفاع عن الحراك، وتوجيه له، وصد لموجات التخوين اللاحقة وتفاصيل أخرى.

   وكثيرا ما استغربت من حجم السباب والقدح الذي تعرض له الرجل، واستغربت كذلك من مضايقة بني جلدته له إثر اختلافه مع رؤى قادة الحراك، ولم أتبين إلى حد اليوم أسبابه، وللحق لا أريد أن أخوض في الأمر اليوم، لأن النهش من لحم المعتقل (كما احترفه البعض اليوم) ليس فضيلة ولا مزية.

  بدون كثير تأخير، إليكم المرتضى إعمراشا كما عرفته من خلال نضاله وتدوينه.

بجسد نحيل، وقامة معتدلة ولباس محتشم، ولحية سوداء كثة مع شوارب مقلمة، لن تخطأ عين الناظر إن رأت فيه معالم الكثير من الشباب السلفي الذين يجيدون التجارة وجمع الرزق مع اللسان اللهج أبدا بذكر الله وأفضاله الكثيرة على عباده. لكنه ليس كذلك، المرتضى ليس سلفيا ولا حداثيا حداثة اللحية والرأس المقلمة بعناية على الطريقة العسكرية. بل حداثي سلفي حقوقي وناشط مدني ومدون دؤوب الوفاء لأصدقائه ومتابعيه بما يراه نفعا عاما من نفائس الكتب ومقتطفات الاحتفال بالجمال وأخرى من ذوات الوقع السياسي الرصين ومتفرقات بها ما بها، وكل منشوراته تأتي دائما دون النيل من الغير أو قصد الأذى أو الشيطنة التي تعرفها أشكال الحراك الشجاعة في وجه التغول و”الحكرة” بكل اشكالها، والاستثناء في تدوينه تحظى به السخرية المرة (المضحكات المُبكيات) من أوضاع بلدنا مع كثرة تداولها بين رواد الانترنت.

   ولعل اختلاف المرتضى بسلفيته المتنورة الحداثية المدنية الحقوقية مع أثر سعة الاطلاع والفضول الحسن النية البادي من خلال تدوينه المستمر، أي ما يراه البعض جمعه لما لا يُجمع، هو ما جر عليه غضب الكثير من الرؤوس الصلدة التي لا تحب أن يفكر المرء، بل أن يقود فيقع أو يتبع فيخضع. فالحداثيون واليساريون ينظرون إليه فيرون سلفيا تفيض عن مظهره معاني “الظلام والرجعية”، وينظر إليه السلفيون فيرون في مظهره ما يستحب وفي قوله ما يُذم ويُنكر، فيستثنى من الجماعة، فهو، كما يرونه، يهوذا الجماعة الذي استحق سخطهم وسخط ربهم، وينظر إليه ليبراليّوا حانات الرباط والبيضاء فيرون فيه تجسيدا مقيتا للقرون الوسطى ولماض لا ينسلخون منه إلا بتلمظ قطرات البيرة على صوت الجاز في الخمارات الدامسة. وهكذا توزع رصيد المرتضى بين القبائل، فليس له من الألقاب بين قادة الحراك شيء، وليس له مع “المتنورين والثوار” نصيب، وليس له بين نوستالجيّي حياة الغزو والسلب شيء.

     تفيض آخر تدوينات المرتضى على صفحته بمعاني الضياع الذي فصلت فيه أعلاه. لم يجد سلوى في أحد، بل عاد إلى كتبه ليخرج منها بمأثرة الماغوط من عمله شرق عدن غرب الله (2005)، وكتب في آخر تدويناته:

“الهوية الالكترونية

الاسم: محمد أو عيسى أو موسى حسب الظروف في المنطقة أو العالم.

الطول: حسب الجهة التي أقف أمامها في تلك اللحظة.

الجنس: حسب فراسة المختار وأمين السجل المدني.

الهواية: التثاؤب.

الحالة الاجتماعية: متزوج ومتأهل من القضية.

التابعية: جمهورية أفلاطون الشعبية الديمقراطية العربية الافريقية العلمانية المحافظة المتحدة العظمى أو جمهورية فرحات ليوسف ادريس.

مكان الإقامة: أي رصيف أو حاوية عليه.

السن: محير.

البلاد التي زرتها: سجن المزة، القلعة، الشيخ حسن، تدمر،الرمل، المية ومية

تزمامارت، أبو زعبل، أبو غريب.

عدد العيون والآذان والأسنان: حسب مراكز التحقيق وللدولة، عددها واحد وخمسون بالمئة من عددها كأسهم الشركات الرسمية.

الطعام المفضّل: الأحلام.

العنوان الكتروني: شرق عدن غرب الآلهة.”

    يرصد مقتطف الماغوط هنا وضعا إنسانيا للفرد العربي.فهو محمد وعيسى وموسى، وهذه تترجم لوحدها وضع التسامح الديني الذي اقتنع به الرجل. فهو مسلم ومسيحي ويهودي حسب مكان تواجده. لكن ببقية المقتطف ما يكشف الكثير من خبايا وضع الإنسان العربي السياسي. وضع السجون والتعذيب والتوتاليتارية البعثية وتلك التي شهدها الإنسان العربي والأمازيغي والكردي في الفترة التي تلت الاستعمار. فرغم بوليس الحدود وجوازات السفر والحجر السلطوي إلا أن به أمل الانتماء إلى البشرية كلها. فلا من هنا ولا هو من هناك، لكنهحاله كحال من قال فيه مهدي عامل: “لست مهزوما ما دمت تقاوم”.

المرتضى الإنسان      

دافع المرتضى عن الحوار: آمن بالإنسان، ذلك الكائن القادر على الاجتماع حول النفع العام عبر فضيلة الحوار السلمي، واجه قادة الحراك حين شعر بإمكانية انحراف الاحتجاج عن طابعه المدني تحت تأثير ما يطلق عليه أهل الريف “جمهورية اللايف”. تقبل اختلاف رفاقه في درب النضال معه، واستمر بالتدوين والنشاط النضالي رغم تأليب بعض الغُفّل عليه الذي وصل حد مضايقته في أنشطة الحراك الطيبة الذكر.

آمن المرتضى بالحب: كثيرا ما ذكرنا المرتضى، نحن المتابعين من بعيد، بفضيلة الحب. دأب على نشر صور وليدته الصغيرة، وكتب احتفالا بقدومها للحياة كثيرا، ولم ينس سؤال ربه، وهو المؤمن، أن تجد ابنته الريف (بالتعريف) المناضل الأبي مزدهرا آمنا حرا سعيدا، وليس ريفا مهانا محروما فقيرا عنيفا. كتب قليلا، وهو المكلوم بوفاة أبيه، عن الحادث. ورأينا فيه المؤمن المحتسب عند المصاب. قاد الصلاة ودعاء القبر وتجرع مرارة فقد الأب بصبر وأناة.

آمن المرتضى بالحرية: اختار ما رآه صوابا ودافع عنه، كما دافع عن حق الكل في الاختلاف. لكنه نبذ العنف والإرهاب والحجْر باسم الدين. رأى في الكهنوت الديني تلك القوة السحرية الغامضة التي أسرت وتأسر الكثيرين، فكتب في حق الجميع في التنوير والتحرر من هذه السلطة. ففي مقال نشره في نونبر 2017 على موقع هسبريس بعنوان “دولة الخلافة الإسلامية: الحلم الراشد”يقول بأن إحدى بلايا العالم الإسلامي هو مشايخه وكهنوت السلطة الدينية فيه التي تبيع وهم الخلاص لتابعيها بناء على أوهام سماها “تركة المقدسات الدينية”. وكأي مؤرخ مادي تتبع أصول هذه الأساطير إلى مقبعها المفضل في “بطون كتب الفتاوى”، حسب تعبيره، وفي كهنوت الإعلام الجديد الذي يعبث بمشاعر ملايين المسلمين. وفصل في شأن أصول التطرف الذي تعرفه دول الشرق الأوسط، لأن بذرة التطرف كما رآها “توجد في تركتنا المقدسة (الكتب)، التي يمتلأ بها كل بيت مسلم، وأصبح كل فرد منا، إلا من رحم الله، مشروع إرهابي مع وقف التنفيذ، وذلك كله لأننا ننظر إلى تركتنا الدينية، من أحاديث، وكتب فقه، وتفسير، بعين الإجلال، وما إن يجرأ فرد على انتقادها، حتى يتهم ويحارب، وتستمطر عليه اللعنات.”

آمن المرتضى بفضل الكتاب: وهذه نقيصة العصر فعلا. فلم يعد للعقل ولفضل الكتاب والفكر النقدي الحر المختلف حق في الوجود. عندما اشتد أوار الحراك أحس المرتضى بأن الحماس لا يكفي، وكان يدري بأن قيادة الجماعة عبء ثقيل، فرأيناه يضع اختلافه مع قادة الحراك جانباوينصح ويوجه ويواجه محترفي التخوين ويجمع شتات المختلفين حول الأهداف المدنية للحراك. وكان يقتطف من أعمال غوستاف لوبون حول سيكولوجية الجماعات وديناميات حركتها وإمكانية توجيه حنقها الدفين توجيها سلميا هادفا نحو غاياتها المدنية وبعيدا عن تجذيف المجذفين ومحترفي الركمجة على أمواج النضال ومآسي المعذبين في الأرض.

المرتضى المثقف

    ليس المثقف المعاصر من يهلل للسلطة. وليس المثقف المعاصر من ينأى بنفسه عن قول الحق للسلطة لأن في ذلك عمقا ومجدا. بل المثقف كما علمنا إدوارد سعيد هو من يتخذ من معارك البسطاء في وجه القهر والسلب قضية له. فليس فضل المثقف في جمع العلوم والتبجح بامتلاك ناصيتها، بل همه الأول هو شحذ أدواته النقدية وممارسة النقد “الهاوي” كما سماه سعيد. ويقصد به الرجل نأي المثقف بنفسه عن الاحتراف والاقتصار في المعرفة على المجال الواحد. لذلك رأيناه وهو الناقد الأدبي، يرمي بنفسه إلى مستنقع العنصرية الاستشراقية التي صحبت السلطة الاستعمارية ويفكك أوصالها في عمل رج بنيان المجال وهدم آخر صروحه.

ورأينا في تدوين المرتضى جميعا صورة المثقف كما صوره سعيد. لم يتوان يوما عن التنديد بأشكال القهر التي عهدنا في بلدنا الجميل. فمن حياته كفقيه تقليدي يؤم بالناس إلى مثقف مناضل عصامي، استغل رصيد الثقة الذي بناه بين بني جلدته للدفع بقضاياهم وقضايا المستضعفين في البلد إلى اهتمام الصحافة والضمير الشعبي. فمن حراك الريف إلى حادث تدافع الصويرة في نونبر 2017 إلى قضايا أخرى كان، مع علمه بمخاطر ما يفعل، كثيرا ما يسارع إلى تحميل المسؤولية للمسؤولين الحقيقيين عما يحدث ويدين ويشجب. لقد تعلم المرتضى من عصاميته الكثير. تعلم كيف يمكن الجمع بين القناعة الفكرية، وبين الانفتاح المستمر، والصبر على عوادي القهر البشري والقضاء الإلهي، وبين الحياد والاستقلال الفكري دون الاتكال على أي جماعة كيفما كانت. فالماغوط، محبوب المرتضى يقول: “بدأت وحيدا، وانتهيت وحيدا كتبت كإنسان جريح ولست كصاحب تيار أو مدرسة”.

إن المثقف بالمعنى الذي ذكرنا أعلاه هو ضمير البشرية. فليس له عرق أو قومية أو دين أو إيديولوجية. بل هو المسلح بالفكر، الكثير الفضول، المحب للغير مهما اختلف. لقد علمنا المرتضى التروي والاطلاع والنأي بالنفس عن الحكم على الغير وعلى سلوكه. ببساطة، لقد كان المرتضى ضميرا للحراك.

عبد الباسط منادي إدريسي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.