المراة السورية بعد الحرب..

سهى عبود

المرأة العربية بشكل عام و الشرقية بشكل خاص تمتاز مقارنة بنساء دول العالم المتحضر ، بقدرة كبيرة على المهادنة و التأقلم، بل حتى سياسة “المساكنة” و التلون في المواقف، و اتباع كل الأساليب المتاحة للحصول على ما تريد ممن حولها!!!:  بدءا بالزوج و انتهاء بزملاء العمل ، مرورا بالجيران، ثم العائلة (وهذا هو مربض الفرس، باعتبارها هي المنتج الاساسي لمشروع. “المرأة المستقبلية” الحاضنة وحاملة مشعل “الأزلية” و الثكاتر الطبيعي..)..

المرأة الشرقية تمتاز بالجرأة و الذكاء و المكر والقوة.. إلى حد المجازفة و المغامرة لتحقيق ما تريد… نعم ، هذا صحيح نوعا ما، ولحد كبير.. مع أسئلة مصيرية ولافتة..

لكن السؤال هو : لماذا ؟ لماذا تلجأ المرأة في بلادنا إلى كل هذا الاستنفار لقدراتها و إمكانياتها للحصول على ما تريده ؟ و ما المقصود بعبارة ( تفعل ما تريده ) ؟ ما هو هذا الذي تريده ؟ و عندما نقول ( قوية ) ما هي هذه القوة التي توصف بها و لماذا تلجأ لاستخدامها أصلا ؟

المرأة محرومة تماما من حقوقها الدينية و المدنية في مجتمعاتنا ، التي لا زالت حقوق المرأة فيها حبرا على ورق، و هي بالتالي مضطرة إلى بذل كل ما هو ممكن و متاح لها دينيا و أخلاقيا ( و في حالات أخرى ما هو غير أخلاقي أيضا ) للحصول فقط على بعض من حقوقها ، التي كفلتها دول العالم الأخرى لنساءها بعد ثورات و حروب عدة.. احيانا، فاقت حد الاشباع:  المرأة في الدول المتقدمة، ليست مضطرة حتى للمطالبه بحقها الذي يأتيها رغما عنها و الذي يضمنه لها: القضاء و القانون و الدساتير ، و المواثيق و منظمات حقوق المرأة و الإنسان !!…

المجتمعات الشرقية هي مجتمعات ذكورية ؛ و كل مفاتيح السلطة هي بيد الرجل الذي يعمل على جعل المرأة تبقى دائما في الظل وتابعة له وتحت سلطته المطلقة… فتجده يستغل كل ما من شأنه أن يقوي هذه السلطة فتارة يستعمل الدين و يؤوله حسب حاجياته لأجل شل كل إشكال التحرر عند المرأة، لأنه يعلم أن التحرر الفكري هو مفتاح كل تفوق الذي قد يجعل المرأة منافسا له وهذا ما لا يقبله عقله الذكوري، ويكرس بأشكال شتى اولا في الحاضنة الاسرة، بدأ من الميز وسط الإخوة، و شراء لعب تشجع القوة لدى الولد (العاب العنف) على حساب البنت ( ألعاب المنزلية او الوديعة)…

المجتمع الذكوري هو المجتمع الذي تكون فيه الاولوية لرجل دون الاخذ بعين الاعتبار حقوق المرأة واحتياجاتها،  ويضع المرأة في المرتبة الثانية من بعد الرجل , لتكون بذلك كل الحقوق له، والعمل على اخفاء حقوق المرأة مقابل حقوقه، والذي ينظر للمرأة النظرة التقليدية،  ويحصر دورها في المجتمع على انها الزوجة والام فقط , دون النظر اليها كأنسانة مثله، ولها دورها الفعال في المجتمع، وعلى الرغم من وصول المرأة الى مراكز عليا وحصولها على بعض من حقوقها، ما زال الطابع الذكوري هو السائد في مجتمعنا، لأن ثقافة المجتمع تفرض ذلك..

كما وجب أيضا، الإشارة إلى تقيد المرأة بعادات و تقاليد وأعراف: الغرض منها طبعا جعل المرأة تحت رحمة المجتمع الذكوري ومحاصرتها في إطار يضمن وصاية الرجل عليها .

وهنا نتساءل لماذا الرجل الشرقي محتاج لان تكون المرأة ضعيفة كي يحس انه رجل ؟ ولماذا يخاف من المرأة القوية ألا يعتبر هذا عجزا  ضمنيا يعترف به، ولو على مضض..؟؟؟

المجتمع الشرقي يقحم الدين فى كل صغيرة وكبيرة، المرأة بالنسبة له تتلخص فى كلمة واحدة ألا وهى الشرف، لأن المرأة فى ثقافتهم هى مجرد عورة يجب الحفاظ عليها من أن يسمع أحداً صوتها أو ينكشف جزء من وجهها أو جسدها، إنها أشياء وفقاً للثقافة الجديدة التى هبت على المجتمعات العربية بعد الثورات الحديثة يجب إخفاءها حتى لا تنطبق السماء على الأرض وتثور البراكين والزلازل من تلك العورات العربية التى يخجل منها إله السماء وينال منه الغضب مقداراً كبيراً، وهو كلام رجال الأديان والسياسة الدينية والذى يصدقه البسطاء وما أكثرهم فى دنيانا..

يقال أن هناك تغييرات محدودة بعد الثورات التى قامت فى بعض الدول العربية، لكن الحقيقة أنها تغييرات كبيرة أنتقلت بعقلية البشر من الأرض إلى غياهب السماء.. تلك العقلية التى ينتظر الجميع ما ستفرزه وما ستقدمه لمجتمعات تعانى من الفقر وغارقة فى مشاكل إقتصادية لا نهاية لها وتحتاج إلى عقول تستخدم العلم الأرضى الذى تقدم به الإنسان وصنع حضارته وليس العلم السمائى الغيبى الذى يخدم فقط روحيات المؤمنين به لكنه يعجز عن ملئ جيوبهم وبطونهم بما يلزم من مستلزمات الحياة الإنسانية الضرورية.

العيش بكرامة وعدالة ليست قضية المرأة أو الرجل أو الطفل بل هى قضية الإنسان فى كل زمان ومكان، وإن لم تفهم المرأة ذلك فإنها تساهم فى الخنوع أكثر لإرهاب الرجل المستمر عبر القرون، ومن هنا على المرأة أن تعتز بدورها الحيوى فى المجتمع وتقاوم الصعاب والتحديات التى تقف أمام طموحاتها المشروعة بالنهوض بحقوقها في وجه رعاع الصحراء، أو أشباههم المرتدين قناع حداثة مزيفة كما يقع عندنا في مجتمعنا السوري كنموذج… وما وقوف المرأة السورية صامدة، تقدم قرابين فلذات اكبادها، و أزواجها، وإخوتها، و آبائها، في مسيرة  التحرير  الشاقة خير مثال..

لا فرق بين عقال وعمامة ومثقف بربطة عنق رجعي الأفكار، إن لم يعمل على قطيعة الموروث، اولا.. لينتج مجتمعا عادلا، تكون حرية المرأة على رأسها، وعلى جميع المستويات، وأن يحتكم للمواثيق الدولية، خاصة ونحن على عتبة إنشاء سوريا الجديدة الحاضنة لكل أولاها…

منظومة القيم الثقافية والإجتماعية الإنسانية تم اغتيالها بالدهاء السياسى واستغلال جهل المتخلفين وجهل المثقفين، وتم إحلال قيم القمع والتسلط والإستعباد، لتتعالى أصوات الذكور ولتصمت أصوات النساء العورة، فالحراك الشعبى مرتبط بصراخ القادة الذى يحدد لهم ماذا يأكلون وماذا يشربون وماذا يلبسون، القادة الأتقياء الصالحين الذين لا يؤمنون بالديموقراطية إلا لتأتى بهم إلى الحكم ثم يحكمون ويشرعون بما تقوله لهم الأديان.. وتكون المرأة ضحية تاريخ وشعارات رنانة…

نظرة الرجل المهينة للمرأة وإستسلام المرأة لتلك النظرة وتلك الممارسات التى تسلبها حريتها فى التصرف والتفكير والتحرك، هى ما تحتاج إلى التغيير الحقيقى فالثقافة المتخلفة مازال الرجل والمرأة يتلقاها منذ نعومة أظافره فى البيت والمنزل والمعبد والمسجد والكنيسة والشارع، ونقص الوعى أو لنقل تحديداً غياب الوعى بوجود مشاكل فى حياتهم هو ما يمنع التفكير فى علاجها، لأن المرأة تعتبر أن هذا دورها فى المجتمع وفى الحياة وعليها أن تسير وراء الرجل تنفذ رغباته وأوامره.

المرأة تحتاج الخروج من الخيمة الجاهلية المتوارثة، والدخول إلى عالم العلم والتقدم والحضارة الإنسانية والإتحاد فيما بين جميع أطياف المجتمع السوري، والتشجيع على الإستمرار فى التعليم والبحث عن المعرفة التى تقودها لمساعدة المحتاجات، وحتى تتمكن المرأة من فرض وجودها وهو شئ صعب فى هاته الغابة الذكورية التى لا ترحم…

المرأة السورية في هاته المرحلة الصعبة من الصراع والفوضى، من الواجب عليها أن تكون منفتحة الذهن قادرة على التعامل مع أخوة وأباء وأزواج.. نظرتهم وثقافتهم تؤكد لهم بأن المرأة أصل كل الشرور، وعليها لابد أن تكون المرأة مقتنعة داخلها بأنها قادرة على تغيير تلك النظرة وتلك الثقافة المتخلفة بثقافتها الجديدة التى تؤتى ثمارها فى الجيل الجديد لسوريا الغد…

الرجل الشرقي ينظر للمرأة بإعتبار جسدها للخدمة والمتعة، هى أساس الإنحدار الثقافى والأخلاقى الذى يعانى منه المجتمع السوري، حيث يعطى الأسرة، الحق فى سلب، الزوجة، الأخت، الإبنة، حقها فى الخروج بمفردها أو العمل… ولا توجد ثورة أو إنتفاضة لا من الرجال ولا من النساء على تلك الأوضاع المهينة لإنسانيتهم، لأن الدين يقيد أفكارهم وتصرفاتهم مما يعطل حريتهم ويعيق قدراتهم على التحرر من قيود الدين الغيبية.. و الحرب والصراع أكملت طوق الكماشة على ما تبقي، تحت ذريعة الخوف، مع أن أول ضحايا الصراع هي المرأة..!!!!..

 المرأة التى رضخت واستكانت بالسمع والطاعة لسيدها، حملت على عاتقها مسؤولية تبعيتها الأبدية للرجل الدكتاتور، إضافة إلى استمرار وراثة العادات والتقاليد البدوية والريفية والتى تسير جنباً إلى جنب مع التثقيف البدائى والتعليم  المتخلف عن ركب الحضارة، يعطى استمرارية أكبر لتقليل المرأة من قدر نفسها وتسليمها الطوعى للذكر بحقوقها والخضوع له طواعية، حيث أن الغالبية من النساء يعيشون فى جهل وتخلف كبير فرضه عليهم المجتمع الذكورى وتقبلته النساء بصدر رحب وتعايشوا معه بإعتباره واقع أرتضاه الله لهم…. لكن الحرب الدائرة اثبت بالملموس واقع زيف أكذوبة تتحرر  المرأة  السورية… عند كل أطراف النزاع…

ا لمرأة  إنسانة مثلها مثل الرجل، عليها واجبات ولها حقوق وعلى الجميع احترام واجبات وحقوق الآخر حتى ينمو المجتمع ويتقدم بكافة عناصره الإنسانية..

فى النهاية، يا معشر نساء سوريا، لا تفكروا فى مساعدة الرجال لأنهم مشغولون بالحلال والحرام ومحاربة المواقع الإباحية وملابس المرأة وتغطية شعرها وشرب المواد الكحولية، ويعتبرون تدريس العلوم والانفتاح على الخارج، مؤامرة خارجية لضرب اللغة العربية والثقافة العربية… في غياب تام، لتفعيل المواطنة (تحت ذرائع شتى: الخوف، الحرب،…) وتطبق ذلك على جميع أفراد المجتمع رجلاً كان أو أمرأة، ساعتها يمكننا إنتظار رؤية شعاع أمل في أن تقوم المرأة التى شاركت في الصراع، في إحداث التغيير الحقيقى بإدخال ثقافة ثورية حقيقية تنتزع المرأة من سجنها الذي وضعه التاريخ وطبقه الرجل.. بإتفاق ضمني معها….

حان وقت التغيير المنشود، بالرغم من الطحالب والعليق والأشواك تبقى المرأة هي التي تنشر عبيرها على هذا الكون…

طرطوس – سوريا

٠٢ حزيران

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.