المد الالحادي يصل إلى شواطئنا

لقد أحدث جوتنبرغ سنة 1447  ثورة ثقافية في التاريخ باختراعه الطباعة، وساهم في تحرير عقل الإنسان بانتقال أفكار المفكرين الملحدين والمشككين المخالفين للكنيسة  إلى عقول المثقفين والعامة ، 
وجاء مارك زوكربيرج، سنة 2004 ليحدث زلزال في الحاضر والمستقبل، بتأسيسه موقع التواصل الاجتماعي الفايسبوك، فبواسطته بدأت الأفكار والمفكرين من كل حدب ينسلون، بدأت أفكار الملاحدة والمؤلهون تزحف على عقول الشباب، العامة منهم والمثقفون، فبدأ الشاب العربي يحطم الأصنام واختراق كل أنواع التابو واخضاع كل شيئ للفحص والتدقيق والسؤال ومن ثم النقد، ولم يستثنى النص والتراث الإسلامي من هذا الاختراق، فمنهم من ازداد إيمانا ويقينا ومنهم من دخل في دوامة الشك والاادرية ومنهم من حسم أمره انفعاليا،أخلاقيا أو علميا من عدم وجود اله أو خالق، وان كان من منظور علمي لا يمكن لا على المؤمن المؤله أو الملحد النافي أن يثبت وجود أو عدم وجود اله، لأنه خارج سلطات العلم، لذلك يبقى مثلث برمودا :العلم -الدين -والفلسفة تحدي أمام البشرية لإيجاد وصفة تضعهم على نفس السكة والطريق.
ربما في العالم العربي بدأ الفكر الالحادي  بين المثقفين والشيوعيين بالخصوص، لكن في السنوات الاخيرة بدأ هذا الفكر يثير فضول العديد من المتدينين والشباب المثقف، وسيصطدم العامة والشيوخ الدراويش بعدد الملاحدة في العالم العربي، لأنه حسب الدراسات الحديثة يتزايدون بشكل رهيب في الآونة الأخيرة، فالالحاد أصبح الديانة الثالثة بعد المسيحية والإسلام حسب دراسة أجراها ”
Pew Forum للدين والحياة العامة ، مركز يهتم بالأديان والمعتقدات،  قام ببحث في أكثر من 230 دولة، سنة 2012 و ذكر أن أقل نسبة الملحدين توجد في أرض الأنبياء الشرق الأوسط ب 2٪ (2مليون و100الف)من مجموع مليار و100 مليون ملحد في العالم، 
اما معهد غالوب الذي أثار لغط كبير، شمل 50الف شخص بعنوان “مؤشر عام حول الدين والإلحاد “كشف أن 59٪ مؤمنون، 23٪ لا ادريين و13 ٪ ملحديين وأظهر البحث أن أعلى نسبة توجد في الصين، إلا أن المفاجأة كانت في احرص دولة على تطبيق شرع الله، السعودية 6٪، نسبة غير متوقعة نظرا لطبيعة المجتمع السعودي الذي يخضع لتطبيق صارم للشريعة الإسلامية من السلطات وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، 
وهي أكثر من بلجيكا، تونس وتركيا العلمانية، 
لذلك شعرت السعودية بالخطر وقامت بإدراج الإلحاد في قانون الارهاب، فالارهاب في المملكة يشمل الدعوة للفكر الملحد أو التشكيك في ثوابت الدين الإسلامي الذي يتماشى مع الفكر الوهابي السلفي.

ويرجع صعود المد الالحادي في العالم العربي لعدة أسباب :
— تزايد التطرف الديني والجرائم باسم الدين، مبررة بنصوص وأحاديث نبوية، مما صدر مفهوما مشوها للإسلام، ورسخت صورة وحشية دموية عن تاريخ رسول الله ، مما نفر عدد من الشباب من هذا الدين ودفعهم للإلحاد.
— غياب ثقافة علمية في المدارس العربية تربي التلميذ على النقد والانطلاق من شك للوصول إلى اليقين وليس العكس، اعتقادا منهم انهم يحمون الله والدين، وهم في الحقيقة لا يحمون إلا رزقهم وسلطتهم الدينية. 
— التربية الصارمة السلطوية التي يتلقاها الأبناء داخل الأسرة والمساجد. 
— التضخم في الدين، الكل أصبح يرجع للدين والفتاوى عبر الهاتف،والتلفاز والراديو على أبسط أمور دنيانا حلال، حرام، حرام ،حلال، وبالتالي يلعب المشايخ دور رجال الكنيسة الذين كانو يمنحون صكوك الغفران بمنحهم تصريحات وطرق شرعية لممارسة أمور دنيوية طبيعية بسيطة ، وهذا التضخم يولد ردود فعل عكسية  يدفع الشباب إلى الإلحاد عوض التدين .

— وجود بيئة لانتشار الأفكار بدون رقابة وتابوهات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بستاتوهات تدعو للشك والإلحاد، ومجموعات تضم ملاحدة ومشككون، 
–الخطاب العاطفي، الهش الضعيف لأغلبية المشايخ  لم يعد يقنع العقول المتفتحة المطلعة على الفكر الشرقي والغربي، الديني والا ديني، المقدس والمدنس ، المتعطشة للمعرفة وللحق والحقيقة
لم تعد تؤمن بالخرافات وتفسيرات تناقض العلم بشكل صريح، خطابات تتدخل في جميع الميادين العلمية والاجتماعية بنصوص وأحاديث، واخرهم الشيخ العلامة السعودي بندر الخيبر الذي مظهره يبدو بشري لكن لسانه وفهمه الاهي، وجد بنصوص صريحة حسب فهمه أن الأرض ثابتة ولا تدور حول الشمس بتجربة الطائرة والصين واضحك علينا العالمين (يا أمة ضحكت من جهلها الأمم) وهم هكذا يحملون الله جهالتهم وسخافتهم، 
رحم الله نجيب محفوظ حين قال :لو ضل التخلف في بلداننا سيأتي السياح للتفرج علينا بدل الآثار،

أعتقد أن مواجهة المد الالحادي بالاقصاء والسجون والقوانين الزجرية لن يأتي بنتيجة ولن يعالج المشكلة، لأن جل الملاحدة العرب لا يلحدون بالله الذي خلقنا،لا يلحدون بعد تفحيص وتدقيق علمي محض لكن يلحدون من منظور إنساني أخلاقي هم يلحدون بالاله الذي خلقناه وصورناه في عقولهم، إلاه يبرر القتل والحرق وقطع الرؤوس،اله يسمح بزواج القاصرات وإقصاء النساء من المجتمع ، لذلك يجب أولا أن تستفيق هذه الأمة من سباتها وعجرفتها، وتجدد خطابها الديني ليتفاعل مع الواقع المعاصر بعيدًا عن الخطابات الجياشة، العاطفية التي تخاطب القلوب قبل العقول، 
و يجب على المشايخ والدعاة أن ينزلوا من ابراجهم العاجية ويضعوا عينا على الدين وعينا أخرى على الواقع المعاش والتطورات المجتمعية والثقافية ، والتعمق في ميادين العلم والفلسفة لمواجهتهم بالفكر، 
وأن يقنعو الشباب أن كل شيئ قابل للنقاش والتفاعل وان التفاسير والموروث الفقهي يبقى اجتهادات وآراء بشرية معرضة للخطأ والصواب وتتغير بتغير الظروف والمجتمع،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.