المدونة الرقمية واستكمال مشروع “استرجاع هيبة الدولة”.

إن مشروع قانون المدونة الرقمية هو تجلٍ متخلف لاستراتيجية ما سُمّي ب “استرجاع هيبة الدولة” بعد هزة الحراك الشعبي الذي حرّر الفضاء العمومي من هيمنة المخزن وأدواته، وبعد خفوت جذوة هذا الحراك انبرى “المخزن” لتصفية حسابه مع النشطاء والمناضلين والانتقام منهم عبر طبخ ملفات تثير الشفقة والاستهجان وتكشف عن درجة الانحطاط الذي وصل إليه هذا النظام، فقد أضحى جل المعتقلون إما تجار مخدرات أو معتدون متهمون بالضرب والجرح، وعندما يقوم أي نظام بتصوير خصومه “حفنة حشاشين ومعتدين” فهو الدليل المباشر على مدة هوان وهشاشة هذا النظام.

ولاستكمال أركان “مشروع استرجاع هيبة الدولة” عمد النظام المغربي إلى محاولة اجتثاث كلّ الأصوات التي صرخت بمطالبها عالياً، كما حاول تجفيف كل المنابع التي تنبجس منها صرخات التنديد بالفساد والاستبداد، ورغم الاعتقالات الواسعة التي شملت ناشطي حركة 20 فبراير، إلاّ أن القوى الشبابية والمناضلة وكل القوى الحية استطاعت أن تخوض معركة العفو الملكي عن “البيدوفيل” الاسباني بزخم كبير دفع المؤسسة الملكية إلى إصدار أربع بلاغات في الموضوع، وهو ما شكّل إحراجاً كبيراً لهذه المؤسسة التي لم تضطر يوماً عبر تاريخها إلى أن تصدر بلاغات تجيب عن موضوع شغل الرأي العام الوطني، كما أن الاعتقال الانتقامي للصحفي علي أنوزلا لم يمر في صمت بل تداعت كلّ الاصوات الحرة من أجل الوقوف في وجه هذا الانتقام، وهو ما فرض على النظام البحث عن مخرج يحفظ ماء وجهه بعد الضربة التي تلقاها في معركة العفو عن “البدوفيل” الإسباني والتي لم تندمل بعد، ومرة أخرى كان للمواقع الاخبارية الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي دوراً مهما في حشد الدعم لملف علي أنوزلا، وهو ما يعني أن النظام المغربي شعر أن النشر الالكتروني ما زال يشكل عامل تهديد لمواصلة استبداده وتسلّطه، وحسبنا أن “مشروع قانون المدونة الرقمية” يأتي في هذا السياق، فمشروع المدونة يتضمن المادة (73) التي تعتبر بمثابة الفصل 19 من الدستور السابق ومتشبعة بروح ظهير “كل ما من شأنه..” السيء الصيت، فيمكن الانتقام من أي كان عبر تكييف سلوكياته ومواقفه مع بنود هذه المادة لتكون التهمة جاهزة والحكم مطبوخ، وبغض النظر عن صاحب المشروع أهو الوزير السابق الاسلامي عبد القادر عمارة أم هو الوزير الحالي المدعوم من المحيط الملكي في نسخة حكومة بنكيران الثانية؛ حفيظ العلمي، لأن العقلية المخزنية التي فكرت في وضع هذه القيود هي واحدة، ولا تهم الأدوات التي ستسهر على تنفيذه، وسواء كان عمارة أو العلمي فالأمر سيان: الهدف واحد.

ونحن في هذا المقال لا نقول أن مسودة المشروع صيغت بعد فضيحة العفو الملكي بل نقول أن تسريب هذه المدونة حالياً وإحالتها على الامانة العامة للحكومة، ثم إعلان الوزير حفيظ العلمي سحبه لهذه المدونة من أجل إعادة النظر فيها، جاء في هذا السياق، قد يكون أمر التسريب مجرّد جسّ للنبض، وقد يكون محاولة تطبيع الرأي الوطني لتقبل هذه القيود القروسطوية، لكن في كلّ الأحوال فإنها تكشف عن مدى تخلف العقلية المخزنية التي تتحكم في صناعة استراتيجيات هذا النظام. فبعد تزايد الاهتمام بالعوالم المرتبطة بالشبكة العنكبوتية وكذا اتساع رقعة المنخرطين فيها، وجد النظام نفسه أمام واقع أضحى التحكم فيه صعب جد، ولا بد من ايجاد مخرج أو مدخل لهذا الموضوع، ففكّر ودبّر وبحلق وحملق وبصبص.. وقال على طريقة “أرخميدس”:”أوريكا، أوريكا.. وجدتها، وجدتها” سأمنع الانترنيت عن البلد وإذا لزم الأمر سأمنع البلد عن البلد على نهج ديكتاتور محمود درويش.. لكن هيهات، ففرض القيود على الانترنيت والعوالم المرتبطة بها هو أشبه بمحاولة القبض على الماء، فكلما حسبت أنك أحكمت القبضة عليه حتى ينبجس من بين أصابعك لتظل يدك تمسك بالريح…

سنة 1644 وخلال مناقشة في مجلس العموم البريطاني حول قانون الصحافة، أثير نقاش بين من يرى ضرورة إعطاء كامل الحرية للصحافة لتنقل الأخبار وتتنقل الواقع كما هو بعيداً عن كل وصاية وحجر، ومن يدافع عن كبح جماح الصحافة لأنها تسيء الى البلد، خلال ذلك الاجتماع انبرى الشاعر الانجليزي المعروف؛ جون ميلتون صاحب قصيدة “الفردوس المفقود” المشهورة، وألقى كلمة من بين ما قال فيها :” اطلقوا رياح كل العقائد لتلعب علي وجه الأرض .. ولتكن الحقيقة بينها في المعركة، فإننا بحظرنا ومنعنا لغير الحقيقة نرتكب أكبر جريمة في حق الحقيقة بأن نشك في قوتها، لندع الحقيقة تتصارع مع الكذب .. فمن عرف يوماً أن الحقيقة خسرت في صراع حر مكشوف ؟”..إنه الاستثناء المغربي يفرض علينا أن نعود أربعة قرون إلى الوراء لنستعير كلمات تصف تقريبا نفس الوضع رغم الفاصل الزمني الرهيب… بعد 369 سنة…

إنهم في استبدادهم وانحطاطهم يعمهون..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.