المخاوف الكبرى من الإسلاميين

تلهب اليوم تجربة تونس الأفئدة والعقول بعد أن تمكنت من اجتياز الاختبار بعد نجاح الخريطة السياسية، بما فيها الخطوة الأخيرة المتمثلة في الانتخابات الرئاسية، وهو الاستحقاق الدي لم يكن ليجري بتلك السلاسة  لولا النضج الكبير الدي ميز سلوك الطبقة السياسية بكل مكوناتها، بما فيها طبعا المكون الإسلامي ممثلا على وجه التحديد في حزب النهضة الإسلامي .

يفتح هذا التوافق إمكانية لتبديد المخاوف والارتياب التي تطبع سلوك مكونين أساسيين في نجاح العملية الديمقراطية في الساحة المسماة عربية، المكون الإسلامي والمكون العلماني .

كما عرفت وتعرف الساحة السياسية المغربية العديد من المبادرات التي تستهدف إطلاق حوار إسلامي علماني ، كان أخرها الحوار الدي نظمه مركز ابن رشد في بداية شهر أبريل من السنة الماضية، والدي استضاف مجموعة من الفعاليات بمشارب إسلامية وعلمانية ويسارية، واختار له من العناوين عنوانا مثيرا :” اليسار، الإسلاميون، الديمقراطية، هل التفاهم ممكن ؟ “. بل وتشهد الساحة مبادرات ذات طبيعة عملية جرى من خلالها إشراك إسلاميين إلى جانب علمانيين ويساريين فيها، هدا دون أن نغفل التحليلات والآراء والمواقف التي يجري التعبير عنها كتابة أو من خلال ندوات ولقاءات دراسية، والتي تدعو صراحة إلى ضرورة خلق هدا التقارب الإسلامي العلماني واليساري.

كل هذه المبادرات وكل هذه الدعاوي للحوار والتقارب بين هذين المكونين، الإسلامي من جهة واليساري والعلماني من جهة أخرى، لم تبدد  الارتياب بين المكونين لأسباب كثيرة قائمة، وهو ارتياب له جذور وتاريخ. كما أن تجربة تونس وإن حققت لحدود الساعة نجاحات حاسمة في مسار انتقال ديمقراطي صعب ومحفوف بالمخاطر، فإنها لم تنه تماما من التوجسات والارتياب القائم بين المكون الإسلامي، والمكون العلماني واليساري.

خوف مستبطن من المجهول 

كما هو معلوم الريبة المتأصلة لدى جمهور واسع من الديمقراطيين والديمقراطيات المغاربة، ولدى جمهور واسع من الفئات والطبقة الوسطى، من الحركات الدينية، ليس خاصية مرتبطة فقط وفقط بجماعة وحركة الإسلام السياسي، بل هي ريبة حدثت في التاريخ السياسي لأمم أخرى مع ظهور حركات سياسية ذات مرجعية وخلفية وجذور دينية، في الغرب مثلا ارتاب الكثير مع ظهور الديمقراطية المسيحية والمسيحية الكاثوليكية، كثيرون رأوا فيها خطر محدق بالديمقراطية ، وعودة مفتوحة لسيطرة وهيمنة الكنيسة على الحياة السياسية، بل هي مقدمة للانقلاب على الأنظمة والتنكر للديمقراطية متى تمكنت وبآليات الديمقراطية  من السلطة، لتتخلى بعدها عن الديمقراطية. هده المخاوف انتهت في الغرب ومند زمان، لقد فازت منظمات سياسية ديمقراطية مسيحية عبر الانتخابات، وتمكنت من السلطة في العديد من البلدان، لكنها واصلت احترام قواعد الديمقراطية ونظمت انتخابات في وقتها وقبلت الهزيمة فيها وتنحت عن السلطة، وقدمت البرهان العملي على احترام التداول عليها، والأهم أنها لم يكن في مقدورها التراجع قيد أنملة على العناوين المجتمعية الكبرى للديمقراطية .

 كثير من الإسلاميين يلجأون لهذا المثال إلا أنه مثال لا يصمد لأنه لم يُختبر بعد، بل إن كل تجارب الإسلام السياسي قبل 2011 باستثناء تركيا وفلسطين حماس إلى حد ما، صعد الإسلام السياسي بوسائل غير ديمقراطية إيران والسودان وطالبان ولم يحكموا نهائيا بطريقة ديمقراطية .

لن نتحدث عن التجارب التي أعقبت أو تزامنت مع ما سمي الربيع العربي، والتي تمكنت فيها الحركات الإسلامية من الحكم لكن بطريقة ثانوية، كما هو الحال بالنسبة لحزب العدالة والتنمية في المغرب .

لكن وبغض النظر عن تقييمنا للانقلاب الذي قاده الجيش بعد 30 من يونيو في مصر على جماعة الإخوان المسلمين، فإن هذا الفصيل ارتكب أخطاء إستراتيجية، ظنا منه أن الديمقراطية هي محض آليات انتخابية، وفقط أغلبية تفوز وبعدها تعمل ما تشأ، وهو ما انتبهت له سريعا حركة النهضة التونسية، وسعت بعده للبحث عن توافقات مع المكونات السياسية للمشهد السياسي التونسي، وفتح هذا التوافق مسارا سياسيا في عمومه واعدا، وقد يشكل نموذجا .

في المقابل، لقد رأينا كيف أن حماس وبالرغم من أنها لم تتمكن إلا من جزء ضئيل من السلطة نتيجة الاحتلال، قادت انقلابا قيميا مارست فيه ممارسة قصرية في نواحي عدة مست النساء ومست مناحي عديدة من أنماط الحياة والعيش  في غزة، ولقد رأينا كذلك، كيف أن الإخوان المسلمين في مصر اعتبروا أن صعودهم للسلطة يمنحهم قوة إقصاء الآخرين المختلفين معهم، إن الاتجاه العام في سجل الحركات الإسلامية يبقي على هدا التخوف منهم .

مواقف الإسلاميين التي تحتوي كثيرا من الالتباس

تحصر العديد من الدراسات التي تناولت الحركات الإسلامية ومواقفها من القضايا الجوهرية المتصلة بالديمقراطية كخيار مجتمعي في ستة قضايا : موقفهم من تطبيق الشريعة الإسلامية، موقفهم من العنف، موقفهم من التعددية السياسية وموقفهم من الحريات الفردية، موقفهم من الأقليات وأخيرا موقفهم من حقوق المرأة .

جل حركات الإسلام السياسي في المنطقة المسماة عربية،  تعتبر تطبيق  الشريعة حاجة قائمة، الاختلافات فقط في التوقيت وفي الزمن الدي يجب الشروع في تطبيقها ، فجماعات السلفية الجهادية الراديكالية ترى أن تطبيق الشريعة يجب أن يجري الآن ونموذجه جرى ويجري في بلدان من مثل أفغانستان مع طالبان ، ويجري الآن في الأجزاء الدي تحتلها داعش خاصة في العراق، كما يجري في حدود معينة ادعاء تطبيقها في كل من السودان وبعض المناطق الملتهبة، خاصة مع جبهة النصرة أو داعش  في سوريا، أما الأجنحة التي تقدم نفسها معتدلة، فهي تعتبر الشريعة مرجعية معيارية للأمة، وأنه سيجري تطبيقها تدريجيا وعلى مراحل، وأن الخلافة الراشدة تنبع من النظرية السياسية في الإسلام ومن مقومات نظرية الحكم فيه .

لا تقدم جماعات الإسلام السياسي نفسها أنها تقدم مفهوما بشريا للإسلام قابل أن يقبل أو يرفض ، دون أن يعني دلك ولو للحظة أن رفضه رفضا للإسلام ، ولكنه رفض لاجتهاد بشري في فهم وتأويل الإسلام ، إن هدا المعطى يكاد يكون بنيويا لدى جماعات الإسلام السياسي بالمعتدلين فيها أو الراديكاليين فيها  ، وهو ما يعني أنهم يحتكرون الحقيقة ويستندون في هدا الاحتكار لنصوص مقدسة وقطعية. هذا دون أن نغفل في جانب أخر استمرار تشبث جل جماعات الإسلام السياسي بالعمل بازدواجية العمل الدعاوي مع العمل السياسي، دون أن تكون لحد الساعة حاسمة في أن تقدم نفسها كتشكيلات سياسية، بعيدا عن ارتداء الرداء الديني وتمسك قوي بنموذج الخلافة الرشيدة، وتطبيق الشريعة.

أما في جانب العنف وعلى الرغم من تخلي كثير من الحركات الإسلامية عن العنف نظريا على الأقل ، فإن جلها وعلى صعيد المرجعية تؤمن أن الجهاد ” ذروة سنام الإسلام وهو فريضة محكمة “، ولم تقدم باستثناءات قليلة جل تنظيمات ومجموعات الحركة الإسلامية على ممارسة أي نقد لتجاربها ، خاصة تلك التي دعت أو مارست العنف في مراحل من مراحل الصراع الفكري والسياسي خاصة مع خصومها من العلمانيين واليساريين .

لا يتعلق الأمر ” بالتأكيد ” بالعنف المادي المباشر وحده ، فهناك أيضا العنف في تكفير وإباحة دم المختلفين مع الإسلاميين، وهناك العنف الدي يستهدف معاداة المجتمع لمن لا يشاطرون جماعة الإسلام السياسي قناعتهم .

أما موقفهم من التعددية السياسية، فيتأسس على اقتناعهم أنهم يمتلكون حلا بديلا مدعوما بقدسية النص وشرعية الله، وأن الإسلام  إسلامهم هو الحل لكل القضايا والمعضلات ، وبالرغم من أن التجربة الملموسة لهم في ميدان الحكم أبرزت عموما أنهم نيوليبراليين، وليس لهم تحفظات جوهرية على وصفات البنوك العالمية وعلى اشتراطاتها التي تمس في الصميم مصالح الفئات الضعيفة والفئات الوسطى، فإنهم يبدون نوعا من المقاومة الشرسة لكل تغيير يؤدي إلى إقرار حرية الاعتقاد، والحق في الاختلاف.

وتبقى نظرتهم للمرأة في عمومها قائمة على النظرة الدونية لها، وقائمة على رفض عدالة في الإرث وتشبث قوي بالنصوص، دون إرادة ما تذكر للاجتهاد واستمرار تلك المقولة المأثورة ” لا اجتهاد مع وجود النص “، بكل ما يعنيه ذلك من رفض أي اجتهاد يعيد النظر في تعدد الأزواج وزواج القاصرة وغيرها من القضايا المرتبطة بالمرأة وقضاياها .

لقد أدانت مجموعة من فصائل الإسلام السياسي الحادث الإرهابي الذي جرت فصوله في باريس، والذي ذهب ضحيته مجموعة من الصحفيين العاملين بأسبوعية شارلي إيبدو، قد تشكل هذه الإدانة مقدمة لمراجعة شاملة وعميقة لمجموع أطروحات هذا المكون السياسي في اتجاه، الاعتراف بالحريات الفردية وحرية المواطن الفرد في اختيار النمط الحياتي له، أيضا في حيوية فصل الدين عن السياسة لصالحهما معا، أيضا في اتجاه الإقرار بالمساواة بين الجنسين، إذ لا يعقل أن يستفيد المجتمع من كدح وجهد النساء دون أن يكون مستعدا لإعادة النظر في كل القوانين والتشريعات التي تحط من كرامة النساء، أيضا في ضرورة الإقرار أن الديمقراطية ليست محض آليات ومنطق الأغلبية والأقلية وإنما  رؤية وتصور متكاملين في اتجاه تنظيم الفضاء المشترك الجمعي .

فهل تدشن فصائل الإسلام السياسي المعتدل هذا المسار ؟ ذلك ما ستجيب عليه تحديات القادم .

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.