المثقف المغربي بين الشغف الطفو لي … ووثوقية الشيخ الصوفي.

لعل صعوبات جمة تعترض الباحث والكاتب والمثقف والمفكر المغربي ،وهو يرصد صور الواقع المغربي ،في محاولة منه لسبر أغوار وطبقات مشاهده السياسية والاجتماعية والقيمية والاقتصادية والثقافية ،بدءا بأصولها المتعددة والمختلفة والمتشعبة ،مرورا براهنيتها وواقعيتها ،وصولا إلى مالاتها المنعرجة المناحي والمؤشرة عن مصائر غير واضحة المعالم في كل المجالات المجتمعية برمتها ، ،غارفا من كل المذاهب والدراسات والنظريات ما يمكنه من آليات وصفها وتحليلها ونقدها،وإيجاد ،بالتالي ،ما يفسر وضعها القائم ، وإلى أي مدى كانت الأسباب والعلل قائمة بذات الواقع المغربي ،وحتمت نتائجه وتجلياته ،حسب تصوراته ونظرته للأشياء ولكل عوالم الحياة المجتمعية ،سواء منها الفردية أو الجماعية / الطبقية / المذهبية / الحضارية ، طبعا مع اختلاف مستويات المشاعر لدى كل باحث ومثقف، والتي تتداخل بدورها في عملية النظر والتصور هاته ، لذا ما يمكن اعتباره أساسيا في نظر بعض الباحثين والمثقفين والمفكرين المغاربة ،لا يمكنه أن يكون كذلك عند آخرين منهم ، وما يعد عرضيا لدى بعضهم يعتبر جوهريا عند غيرهم ، وبذلك تختلف القراءات والتفسيرات والتأويلات والتخريجات والخلاصات النهائية والحاسمة في عملية الاقتران هاته بين الأسباب والنتائج ، مع استحضار ،وبقوة،ماهية المرتكزات وثوابت التصورات القائمة في ذات المثقف / الباحث / المفكر المغربي ،سواء منها الشعورية أو اللاشعورية .

    فبذلك نقف على تخوم محاولتين هامتين ،محاولة تلمس الخيوط الناظمة بين مكونات الدراسات والبحوث ،لأجل الوقوف على ماهية الحقائق القائمة في الواقع المغربي ،في مستواها الوصفي أو التحليلي أو النقدي ،من جهة ، ومحاولة استعراض مكونات الشيء المعطى أو المدروس ، والذي قيد الدراسة والبحث ،من جهة أخرى ،لذا اعتمدت مقاربات كثيرة ومتنوعة ومتعددة في مناهجها ووسائلها وأدواتها ، والتي تسلحت بها عقول الباحثين وعلى اختلاف مذاهبهم ومرجعياتهم ،لاستنتاج الخلاصات الشافية ،ومن ثمة إيجاد بدائل ممكنة لما هو سائد على جميع الأصعدة والمشاهد ، لنطرح التساؤلات التالية : هل استوفت كل الدراسات والبحوث المجراة على الواقع المغربي / الإنسان المغربي ،كل شروطها لتفي بالغرض المطلوب من وراءها ؟ إلى أي مدى تحققت معها الشروط العلمية لتجيب عن المتطلب المنشود ؟ وإلى أي حد كانت سليمة من العيوب المنهجية أو من النوايا المغرضة ( الأيديولوجية / السياسية ) أم أنها تداخلت فيها عوامل ثقافية غير ما هو معلن بين طياتها ،وبالتالي ، أتت مبتورة من أصلها أساسا للإجابة الصريحة ؟ .

    لقد اعتمد الدارسون والباحثون والمثقفون المغاربة على مناهج وطرق عديدة بصدد دراسة وبحث مشاهد واقعهم التاريخي والحضاري ،وبذلك تمسكوا بأدوات وآليات بعينها دون غيرها حسب كل باحث ومهتم ، في محاولاتهم البحثية هاته ، سواء كانت تأصيلية لمفاهيم وبراديجمات معينة ، أو توفيقية بين مناهج وأدوات نتاج معطى تصوري أخر وتطبيقها على الحالة المغربية ،أو محاولة خلق نوع من التقارب الممزوج بنوع من الحذر في علاقة الاشتغال المفاهيمي الدلالي بالوقائع المختلفة ،وخلق فسحة من التأمل بصدد اشتغال الفكر الإنساني على كل الظواهر الإنسانية بالرغم من الاختلافات في المواقع والمراكز الحضارية والثقافية والقيمية (عربية ،إسلامية ،هندوسية ،مسيحية …) لنطرح التساؤلين التاليين : في ماذا أسعفت هاته المحاولات الدراسية والبحثية في حل إشكالية الواقع المغربي بمحدداتها وتجلياتها معا ،لتحقيق الينبغيات وملامسة اليقينيات والمتطلبات لبديل مشروع مجتمعي حداثي ،عقلاني ، ديمقراطي ، كما ينادي به البعض ؟ وهل تحقق مع هذه المحاولات والاجتهادات الفكرية نوع من النجاح المطلوب والغرض المنشود ،أم باءت كلها بالفشل ، أم توزعت نتائجها وأهدافها بين نجاح نسبي وفشل نسبي في مجال ما دون غيره ، أم تبددت هاته الرهانات في غياهب التفكير التجريدي ، وبالتالي أصبحت حبيسة التراجيديات الفكرية في سماء الفكر الإنساني ؟ .

    هذه الأسئلة وغيرها ،وبصيغ مختلفة ،هي الشغل الشاغل للوعي الثقافي المغربي ،ولدى أغلب المثقفين المغاربة المهووسين بوعيهم الشقي ، والذي لا يزال يتألم بحرقة السؤال ،دون أن يكف عن معايشة شقائه العقلي والإدراكي في علاقته بزمنه الرديء ،حيث تكالبت متاهات الرداءة على جميع المستويات ، سياسيا ،اجتماعيا ، أخلاقيا ،قيميا ،ثقافيا … ليطرح السؤال الثقافي من جديد ،وبعودة سيزيفية ،من دون صدى يذكر، لما سبق ، في محاولة منه إعادة الكرة بنفس جديد وهكذا ،لم نعثر بعد على أية إشارة، مهما كانت وتيرتها ، تدل على إثارة قوية، بشكل ما ، يجعل معها الصدى يخترق المسامات الجدارية الإسمنتية منها أو الحديدية للواقع المغربي والمجسد في كل المعطيات على اختلاف مجالاتها،وبالتالي ،حدوث ما هو مرجو ومأمول فيه ،ومن ثم الحديث عن نشوة ثقافية علمية عقلانية حضارية لدى المثقف المغربي ولدى العقل /الوعي الفردي والجماعي والمؤسساتي للمغاربة عامة ، لما حصل من تفاعل قيمي فكري بين ما تم التفكير فيه من جانب واحد أو جماعي ،من جهة ، وبين المتلقي والمخاطب ، من جهة أخرى، الذي هو بالذات الكائن الوقائعي المغربي ،بدءا به ككائن شخصاني إلى مؤسساته المتعددة،بيد أن الواقع ينفي بالكاد هذه المعادلة المأمولة والصعبة التحقيق في هذا الوقائعي السائد والفج ، والمنتظرة بشغف طفولي وجنوني لحليب الأم ،مبعث الحياة والاستمرار في الوجود بل ليس بمفهوم ” الأم الأمية ” كما في كتاب أستاذنا عبدا لله العروي ” من ديوان السياسة ” ،وبحلم شبابي بحيوية ونشاط لما في هذه المرحلة العمرية من نزوع نحو الامتلاك القوي للأشياء ، وبنفس بطولي للدخول في خوض المعارك على جميع الجبهات بقوة وعزم ،والمتميزة بنزقية السؤال الإشكالي ، والطرح والجدال المولدين للحقائق ،والتأسيس والتكوين والتهذيب وغير ذلك ، إنها علة الفكر المتقد وقبس العقل النوراني وصهوة الوعي المتجدد ،وبروح الشيخ الصوفي الوثوقية للحلول في ذات مطلق الزمان الفيزيائي التاريخي والحضاري ،وامتلاكه كل أسرار التقدم والتطور نحو تطهير الذات والتاريخ من العوائق والشوائب على اختلاف علاتها ومظاهرها .

    يمكن أن نجزم ،ومن دون شك في جزمنا هذا ،أنه لم يتحقق في مرحلة تاريخية ما حدوث ما يصطلح عليه بالتفاعل الفعلي بين الفكر كإنتاج من جانب المثقف المغربي ،من جهة ،والواقع الجماهيري ،من جهة أخرى ،بل هناك فرق شاسع وبون بين ما تم التفكير فيه من طرف الأول ،وما يعيش عليه الطرف الثاني ،ليعود كل وقع صدى المفكر فيه بألغامه تفجر ذات المثقف من دون هوادة ولا رحمة ،في علاقته بمجتمعه المعاند والمشاكس واللامبالي بما هو فكري وثقافي ومعرفي وعقلي ،بأشكال لا تمت بما هو حضاري بصلة ،لما يعيشه ويتعايش معه أفراده وجماعاته من غبن وجبن وخوف وجهل وتجاهل ،ولامبالاة وبلادة ،وغباء وبلاهة ،وعنف وتعنيف مادي ورمزي ،اقتصادي ومادي ،اجتماعي وثقافي ،سياسي وأيديولوجي ، تفكيكي وانشطاري / انقسامي ،فئوي / طبقي ( قبائلي ،مخزني ،نسبي ،حسبي ،شريفي ، زاويتي …)،قهر وتسلط ،حزبي ولائي / سياسوي / مصلحي ، وغير ذلك من مظاهر أزمة مجتمعنا التاريخية والحضارية .

    إنه الشرخ القائم بين ذات المثقف المغربي المفكرة والعاقلة والمتأملة والمنظرة، والمتفلسفة والطارحة، والمتدبرة والمستنتجة،الحالمة والشغوفة ،القائلة لكلماتها الفصل، والباعثة على السير قدما وتحقيق الممكنات، السابرة لأغوار الحقائق والكاشفة عن المستورات والمتواريات،المتحملة لعناء وشقاء العقل والحاملة لهموم المجتمع ،التعيسة مع ذاتها والباحثة عن سعادة الآخرين، المتعرضة لكل أشكال التنكيل والصابرة عن تحمل الآلام والضربات والأضرار ،بأناة وأنفة وكبرياء ،وبين ما هو أن تكون محمولة عليه في ذوات وكينونات وحيوات واجتماعيات وتشكلات أنظمتها بشكل عام ،أي في ذات الكائن المغربي بشموليتها ومادياتها ورمزياتها وفي سلوكياتها وقيمها كافة ،حيث يجسد المفكر فيه في الواقع المغربي بشكل ملموس وملحوظ ،مما انبعث منها –أي ذات المثقف – من نورانيات عقلية ورؤيات منيرة لكل دروب العتمات والظلمات ،منقذ ة من الضلال والغي ،منهية لكل مسارات العبثية والغوغاء والفوضوية ،خالقة لكل فسحات الوجود والاستمرار بشكل أرحب ،منافحة ومدافعة عن خصوصيتها في ذاتها ،في تفاعل إيجابي ومتناغم مع غيرها ،معبرة عن كونيتها من داخل هذه الخصوصية ،خدومة لكل القيم الإنسانية :المساواة  والعدل ،الحقيقة والفضيلة ،الخير والسعادة ،الاحترام والتقدير ،الورع والإيمان ،الحب والنبل ،السلام والأمان ،الحرية والالتزام … مستنبطة كل القوانين والبينات العلمية والقيمية والحضارية من استقرائها للواقع والظواهر على اختلاف مستوياتها ،من واقعها المعاش وغيره ، وبسطها على بساط الفكر الإنساني للنهل منها متى شاء ومتى يشاء عبر العصور والأزمنة على غرار الآيات الكونية بلغة القرآن الكريم ، والتي هي آيات للمتوسمين ولأولي الألباب ،والعالمين والعقلاء والفضلاء ، وعلى شاكلة النظر والتبصر والتأمل والتيقن الموصى بها للناظرين ،واللصيقة بالذات العاقلة الإنسانية الناطقة وليس الحيوانية ،في جوهرها وجوا نيتها بغرائزها الفطرية والمكتسبة ،وعلى منوال أقانيم ومفاهيم الفكر الإنساني الإبداعي في كل الثقافات والحضارات .

    فطوبى لهاته الذات المتسمة بمنطقيتها وعقلانيتها في زحمة الرداءات لواقعنا البئيس ، وطوبى لعقلها المواجه لذوات وضعها الصماء، التي تريد سماع التفا هات وتنشد إليها أيما انشداد ،وتعرض عن سماع سيمفونيات جدليات التاريخ وصوفيات الحضارة ، فطوبى للمفكر والمثقف  والفيلسوف المغربي العاض بالنواجد على أبجديات وآليات الوعي والإدراك في وجه واقع اخرس وأبكم لا يتحدث إلا فيما لا يعنيه ،وكذا في الدونيات من القول واللغو في الترهات والصبيانيات ،وينأى بجانبه عن المعنى والكلمة ، ويدير ظهره للمثاليات والمقدسات ، والمقولات الجوهرية ، فطوبى لنا جميعا في حال واقع لا يرى بأم عينه ما يميز لون الأشياء وحجمها وطبيعتها ومقاصدها ودلالاتها وجمالياتها كذلك .

    فمهما بلغت مكانة المثقف المغربي في مجتمعنا هذا ، تبقى صورته غائبة عن كليشيهات البورتريهات في خريطة الواقع المغربي ، وإن بدت في لحظة ما   ( استضافة إعلامية حضور رمزي في بعض المنتديات والنوادي …) لا تتعدى صورة المعطى النشاز عن القاعدة العريضة التي تؤطر السلوك الاجتماعي والثقافي والسياسي والمتحكمة في مأسسته وتوجيهه من قبيل جهات ما متى شاءت وكيفما تشاء ، لذا يبقى في وضعية الغائب باستمرار في معاش الكائن المغربي ، وبقى معه شكله النمطي حبيس ذاته ،تاركا القافلة تسير منتظرا حكم التاريخ في حقه ، منصفا له من جانب الحضور الواعي بأفكاره وتأملاته وتوجيهاته ، إما بترجمته إلى لغات أخرى أو بالاحتفاء به قراءة ومثاقفة من قبل الغير ، مع التأكد من طبيعة النوايا الماورائية المصاحبة لهذا كله .

    ومهما كانت علميته في مناهجه ووسائله ،ورؤيا ته وتصوراته ،على ضوء الأسئلة المطروحة في هذه الورقة وغيرها مما يطرح ، فإننا نثمن مجهوداته ومساعيه الحميدة بإضافة جديدة أو تحقيق طفرة فكرية نوعية ،أو بقراءة ما على سبيل الاستئناس المعرفي الثقافي والعلمي ، من جهة أولى ، ونبتهل بدعواته لدرء ثقافة القطيع والرجعية والتخلف والإتباع … لانتزاع مكانتنا في خريطة التقدمية والحداثة والإبداع من جهة ثانية .

*كاتب مغربي مهتم بالقضايا الفكرية والثقافية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.