المثقف الآلي أو “كلب الحراسة” من درجة أكاديمي

لطالما ردد المغاربة المثل الشعبي القائل “الفقيه لي نتسناو براكتو دخل للجامع ببلغتو” .. حين يتوسمون في شخص ما آمالا معينة، فإذا بهذا الشخص تَصدُر عنه سلوكات أو مواقف تتناقض جذريا مع تلكم الآمال والتطلعات المتوسمة فيه.

لقد أثارني من مدة كما أثار العديد من المتتبعين والناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي، وبالأساس المهتمين منهم بالشأن العام في المغرب، وما يعتمل في حلبة الصراع السياسي من قضايا شائكة، وامتدادات هذا الصراع داخل مختلف أوساط المجتمع وفئاته الاجتماعية، أن عددا من المثقفين والأكاديميين المغاربة ممن يُعدّون أسماءً لها صيت على الصعيد الوطني وحتى الإقليمي، والمعروفين بعمق إنتاجاتهم العلمية وخبراتهم المعرفية ودرجاتهم الأكاديمية، في تخصصات من طبيعتها أنها تخصصات مناكفة للمنطق السلطوي، الضبطي والتحكمي، سواء من جهة الدولة بأجهزتها القمعية والإيديولوجية بتعبير Louis Althusser أو من جهة المجتمع ببُناه الثقافية والاجتماعية التنشئوية، كالفلسفة والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، والعلوم القانونية والسياسية بدرجة أقل، هؤلاء “المثقفون” وبشكل يثير الدهشة والتفكير معاً، انخرطوا في بسط آرائهم ومواقفهم من مجمل القضايا والأحداث الاجتماعية والسياسية، التي ما فتئت تتناسل خلال الفترة الأخيرة، والغريب أن هذه المواقف في مجملها يربط بينها خيط ناظم، يجعلهم مندرجين بموجبها ضمن خانة المتموقفين في خندق السلطة وخطها العام، ووجهة نظرها الرسمية من هذه القضايا والأحداث، طبعا مواقف هذه الشريحة من المثقفين، لا تُصَرَّف ضمن خطاب واضح، صريح ومباشر، وهنا تكمن خطورتها، بل غالبا ما تُغلّف بالكثير من التضليل والتضبيب والمراوغة الفكرية، بصبغة أكاديمية منمقة باحترافية كبيرة، لكن المتأمل والمُدقّق في متون ما ينتجوه هؤلاء، لا يُخطئ إبصار توجههم المضاد لخط الجماهير والفئات الشعبية والقوى الوطنية، ومواقف هذه الأخيرة من تلك االقضايا المثارة داخل المشهد السياسي وفي ساحة النقاش المجتمعي والتداول الإعلامي.

إن الخبرة النظرية الأكاديمية مثلها مثل الاحصاءات والأرقام والمؤشرات، بحيث يمكن توظيفها بشكل ذكي في هذا الاتجاه أو الاتجاه الآخر، لخدمة هذا الطرف أو ذاك، إضافة إلى أن هؤلاء الأكاديميون متقوقعون ضمن الإطار التاريخي والنظري الذي احتضن سياقياً إنتاجاتهم العلمية والفكرية، والتي لا شك أن الواقع المتحرك والمتحول بشكل متسارع، تجاوز تلك الخلاصات الموظفة في تحليلاتهم، فلا مشروعية مطلقة ونهائية لأي تحليل أكاديمي للواقع، الشيء الذي ينزع الكثير من المصداقية والموضوعية عن طروحاتهم إزاء الواقع السياسي والمجتمعي. أما ما يزيد المشهد قتامة لدرجة لا تتصور ولا تستحمل، هو حين يمارس هؤلاء هذا التنظير الفوقي الاستعلائي، ممزوجا باحتقار واستصغار مقيت للمجتمع، بدعوى أنهم هم فقط من يتقن الفهم والتحليل، وهم فقط من ينالون أحقية تفسير الواقع والوقائع ويتنبؤون بمصائرها، أما باقي فئات الشعب فهم مجرد أتباع أغبياء، وغوغاء ودهماء، يسهل التلاعب بهم، ولا دراية لهم بهذه الأمور، ولا طاقة ولا قدرة لديهم على إنتاج مواقف صائبة مما يقع في وطنهم من أحداث وما يثار حول شأنهم العام من قضايا.

ليس الهدف من هذا المقال فقط محاولة للرد على هؤلاء المثقفين، ولا أدري إن كان هذا التوصيف لا يزال يليق بأمثالهم قياسا إلى تعريف المثقف والإطار التاريخي لظهور المفهوم، كما أرخ له Gérard Leclerc  في كتابه سوسيولوجيا المثقفين، حين ربطه بمدى الاستقلالية والبعد عن السلطة، بل إن الهدف من هذا التناول السجالي لما أسميته بـ “المثقف الآلي”، يتجاوز هذا الأمر إلى النبش في أغوار النفس البشرية وعلاقتها بمسألة الثقافة، ليس من المنظور الأنثروبولوجي للثقافة، بل من المنظور الأخلاقي للإنسان، بوصفه ذلك الكائن “المتعلم” و “المفكر” و”الحر” والعاقل” و”الفاعل وفق مشيئته” و”المنتصر لإنسانيته”، إنسان الفكر والضمير، إن الواقع يكذب بدرجة أو بأخرى مقولة المفكر الفلسطيني عدنان ابراهيم “إذا أردتَ أن تربي الضمير فثقف وعَلِّم العقل فإن الأول يتبع الثاني”، إن هؤلاء المثقفين ذوي العقول المتعلمة، لم يدفعهم ما راكموه من معرفة وفكر وعلوم من تحصين ضمائرهم من الموت .. لقد ماتت ضمائرهم، حين قرّروا بيع عقولهم وضمائرهم معها، وحين قدّموا بضاعتهم النظرية للمستبدين الجامعين بين المال والسلطة، وانقلبوا على مبادئهم، واستحالوا “بوقاً” للسلطة وسوطاً في يد الجلاد ومسحوق تجميل لبشاعة السياسة، وعلى كل تلك الأفكار النبيلة والبراقة التي دبجوها في نظرياتهم وكتبهم ومقالاتهم في السابق. صحيح أن هذا ليس بالأمر الجديد، فقد شهد التاريخ مجموعة من المثقفين الذين كانوا ينظرون للإستبداد وينتجون للمستبدين النظريات والاستراتيجيات الكفيلة بإحكام القبضة على الشعوب وإذلالها، أو على الأقل تبرير سياساتهم الشنيعة (ويمكن استدعاء مُنظر النازية Alfred Rosenberg كمثال صارخ لهذا النوع من المثقفين). ولقد تتبعنا مؤخرا كيف انقلبت مواقف العديد من المثقفين حتى على ما تناولوه من أفكار في مؤلفاتهم، مثال مصطفى حجازي صاحب مؤلفي “سيكولوجيا الانسان المقهور” و”سيكولوجيا الانسان المهدور” من فرعون مصر الجديد ونظامه، كما لاحظ عدد من المثقفين والكُتّاب الخط العام لحسين هيكل من نفس النظام في امتداده لما قبل ثورة 25 يناير وما بعدها وإلى حدود هذه اللحظة التي نخط فيها هذه الكلمات، وهو من هو في الفكر والثقافة، لقد شاعت في القرن الماضي بفرنسا تسمية “كلاب الحراسة” التي اصطلحها الفيلسوف الفرنسي Paul Nizan على الوجوه الإعلامية المطبّلة للسلطة والمدافعة عن خياراتها، وكناية على مثقفي المنظومة الرسمية، مزيني بشاعة السلطة، وفشل سياساتها التنموية والاجتماعية في فرنسا بدايات القرن المنصرم. إنهم “كلاب حراسة” من درجة أكاديمية.

إن هذه المحاولة في اجتراح تسمية “المثقف الآلي” جاءت كنوع من المقابلة بمعنى التضاد، مع المفهوم الشائع “المثقف العضوي” للمفكر الإيطالي Atonio Gramsci،كما تتناوله كتاباته الشارحة للمعاني الدلالية والمرتكزات الابستيمولوجية لمفهومه “المثقف العضوي”، وهو المفهوم الذي يحيل على نوعية خاصة ومرجوّة من المثقفين، الذين يغادرون أبراج العاج التنظيرية ويهجرون “المنطق الفوقي”، ليس هجرة قطيعة إنما هجرة مراوحة جدلية، بين سمو النظرية وإمكانيات التطبيق، بين ممارسة التنظير كأساس مرجعي ضروري، وبين معانقة الفعل الميداني كتجسيد لجدوائية الأفكار ومردوديتها في حياة الناس، إنه نفس الطرح تقريبا الذي دعى إليه عدد من المفكرين الآخرين، كعالم الاجتماع الفرنسي Pierre Bourdieu حين استعمل مفهوم “العالِم المناضل” le savant militant، بورديو الذي عاش وتفاعل مع تفاصيل ثورة الشباب في فرنسا في نهايات الستينات من القرن العشرين، وأيضا المفكر المغربي محمد عابد الجابري الذي تحدث عن مفهوم “المثقف الملتزم، وهو الذي ناضل في صفوف القوات الشعبية… بالفكرة والقول والعمل. وليس استدعاءً لثنائية الآلي والعضوي في المنظوري الدوركهايمي، نسبة إلى عالم الاجتماع الفرنسي Emil Durkheim وحديثه عن مجتمعات التضامن الآلي ومجتمعات التضامن العضوي كما هو معلوم في أدبياته التحليلية، بل استنادا إلى المعنى الدلالي لكل من مفهومي “العضوي والآلي”، الأول بما يحيل إلى الانصهار العضوي للمثقف في قضايا المجتمع وآماله وآلامه، والثاني بما يحيل إلى تحول المثقف إلى “رجل آلي” Robot يتم التحكم فيه عن بعد بجهاز “الريموت كونترول”، فيتحول من مثقف إلى مقدم خدمات للمستبدين والفاسدين من ذوي النفوذ والسلطة والمال، ويعرض خبرته الأكاديمية في سوق السياسة، ويوضفها ضد خيارات الفئات الشعبية المسحوقة ومعاركها المقدسة، وينتقي من ركامه النظري والمنهجي ما يخدم مصالح وتوجهات الأسياد، ويوظفها بحقارة ودناءة، ويستحيل آلة في يد من هم أقل منه ثقافة وعلما، وأكثر منه مالا وسلطة.

ياسين العشاري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.