المال السايب كيعلم السرقة يا بنكيران!

خالد أوباعمر

خلال الأشهر الأخيرة من كل سنة تتبخر ملايين الدراهم من المال العام بعدة قطاعات حكومية بشكل رهيب وكأن هذه البلاد خالية من وجود آليات مراقبة صرف هذا المال، سواء تعلق الأمر بالآليات الرسمية للدولة، أو بالآليات المدنية والشعبية، وهذا ما يدفعني شخصيا إلى التساؤل: عن دور كل هذه الآليات في وقف نزيف تبديد المال العام من قبل الآمرين بالصرف الذين أصبحوا على مستوى عدد من القطاعات يتصرفون في المال العام كما لو أنه مال سائب لا يخضع لرقابة أي جهاز؟.

أين تختفي  الجمعيات والشبكات والمراصد الوطنية لحماية المال العام في المغرب؟ أين هي رقابة المفتشية العامة لوزارة المالية التي تتمتع بصلاحيات واسعة في مجال مراقبة تدبير المالية العمومية؟ أين نحن من رقابة المجلس الأعلى للحسابات كمؤسسة دستورية بوأها دستور فاتح يوليوز 2011 مكانة متميزة بحكم الأدوار المهمة التي يمكن لهذا المجلس أن يقوم بها في مجال حماية المال العام؟ أين هي رقابة البرلمان بغرفتيه؟ لماذا تحولت النقابات إلى حليف استراتيجي لشرعنة عبث الآمرين بالصرف بالمال العام في عدد من القطاعات الحكومية؟ أين هي المفتشيات العامة للوزارات التي تحولت إلى جزء من المشكلة بدل أن تكون جزءا من الحل بسبب تواطؤها في جريمة هدر المال العام من طرف الآمرين بالصرف؟

استمرار مظاهر تبديد المال العام سنويا في عدد من القطاعات الحكومية، في ظل حكومة يقودها حزب سياسي تبنى شعار “محاربة الفساد والاستبداد” الذي رفع إبان الحراك العشريني، أمر مؤلم جدا، لا سيما، وأن هذه الحكومة اتخذت قرارات مؤلمة ولا زالت تفكر في اتخاذ قرارات أخرى أكثر إيلاما تحت مبرر أن المصلحة العليا للوطن تقتضي ذلك، دون أن تتخذ أي قرار لوقف هذا النزيف  !!!

ما الذي يعنيه استمرار أسلوب “وزيعة” ما يتبقى من ميزانية التسيير في عدد من القطاعات الحكومية عند متم كل سنة مالية؟ ولماذا تتكرر هذه الجريمة سنويا وبعبث أكبر في ظل لا مبالاة الآليات الرقابية المعنية بحماية المال العام سواء تعلق الأمر بالآليات الرقابية المدنية أو المالية أو القضائية أو السياسية؟

الخطير في الأمر، أن عدد من القطاعات التي يتم فيها تبديد المال العام بطرق احتيالية، تستفيد في القانون المالي للسنة الموالية من اعتمادات مالية إضافية في الميزانية المخصصة للأعوان والموظفين، وكذا في الميزانية المخصصة للمعدات والنفقات المختلفة بملايين الدراهم، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الحكومة تقول للآمرين بالصرف في تلك القطاعات هنيئا لكم بتبديدكم للمال العام، الذي كان يتوجب عليهم لزاما إعادته إلى الخزينة العامة للملكة بدل توزيعه بطرق تدليسية على الكتائب الإدارية الموضوعة رهن إشارة اللوبيات الإدارية، التي احترفت سرقة المال العام من خلال إشاعة أجواء الترهيب لتوفير الظروف الملائمة لاقتسام الوليمة السنوية  !!!!

الحكومة من خلال الزيادة بموجب قانون المالية في الاعتمادات المالية المخصصة لتلك القطاعات،  تقول للآمرين بالصرف فيها، إذا افترستم هذه السنة 300 مليون سنتيم أو 400 مليون سنتيم، فيمكن لكم في السنة المقبلة افتراس 500 مليون أو 600 مليون، وهنا يحق لنا أن نتساءل: أي مصلحة للدولة  أوللحكومة التي تظل لها مسؤولية كبرى في حماية المال العام من التبديد في التغاضي على هذه الفضيحة التي تتكرر سنويا؟ لماذا لا يتم إجبار الآمرين بالصرف بإرجاع الأموال المتبقية من ميزانية التسيير التي يتم افتراسها بطرق تدليسية إلى الخزينة العامة للملكة مادام أنها أموال عامة؟ إلى متى سيستمر التطبيع مع هذه الجريمة التي تسمم الأجواء بين الموظفين داخل الإدارة المغربية وتخلق حالة من الفتنة الإدارية نعل الله موقظها؟

من المفارقات الغريبة على سبيل المثال لا الحصر، أنه في الوقت الذي تنزع فيه حقوق مكتسبة لفئات عريضة داخل المجتمع بحجة التقشف أو الأزمة، هاهي الحكومة تترك سنويا الفرصة للآمرين بالصرف في عدد من القطاعات الحكومية لكي يعبثوا في المال العام للشعب بطرق تدليسية، كما لو أنه مال سائب؟

الطرق الاحتيالية التي يتم بواسطتها استنزاف الأموال المتبقية من ميزانية التسيير عند متم كل سنة مالية في عدد من القطاعات الحكومية غالبا ما يتم اللجوء إليها لتفادي خفض ميزانية هذه القطاعات في القوانين المالية المقبلة في حالة إرجاعهم لتلك الأموال إلى الخزينة العامة للملكة، وهذا مظهر من مظاهر العبث في تدبير المالية العمومية للدولة من قبل الآمرين بالصرف والمسؤولين الذين يأتمرون بأوامرهم !!

منطق دولة الحق والقانون، يقتضي إعادة الأموال المتبقية من ميزانية التسيير إلى الخزينة العامة للملكة بدل سرقتها بطرق تدليسية، لأن ميزانية 300 مليون أو 400 مليون أو 500 مليون، التي تتبقى من ميزانية التسيير في عدد من القطاعات يحتاج إليها ألاف التلاميذ لا يتوفرون على مقررات دراسية، وآلاف النساء لا يجدن سيارات إسعاف تنقلهن إلى المستشفيات للوضع في ظروف إنسانية، وآلاف الأطفال الذين يتسكعون في الشوارع ولا يجدون مآوي ودور يحتمون فيها من التشرد والاغتصاب، وآلاف العجزة الذين لا يجدون بنيات استقبال اجتماعية تحضنهم .

في بلد مثل المغرب، هناك ما يكفي من مظاهر الفقر والهشاشة والبؤس الاجتماعي التي يمكن لملايين الدراهم من المال العام التي يتم سرقتها بشكل ناعم، الاستفادة منها في التقليص أو الحد من تلك المظاهر. و في الوقت الذي توزع فيه الأموال المتبقية من ميزانية التسسير في عدة إدارات على المنعم عليهم من الموظفين بطرق تدليسية مثل استعمال السيارة الشخصية لمصلحة الإدارة في الوقت الذي يعرف فيه العادي والبادي داخل الإدارة أن الموظف المنعم عليه يستفيد من وسائل نقل الوزارة ولم يخسر لتر بنزين واحد على الدولة بل هناك من ليست له سيارة من الأساس !!

 هناك مواطنون ينتمون إلى المغرب العميق من جغرافية هذا الوطن يموتون بالجوع ولا يجدون ما يأكلونه، ومنهم من يعاني من شدة البرد بسبب عدم توفرهم على الحد الأدنى من ضرورات العيش الكريم في بيئة ثلجية مؤامة، وهناك من لم يجد حتى حداء يضعه في رجله !!!

ما يقع في عدد من الوزارات من هدر وتبديد للمال العام بطرق تدليسية، يطرح إشكالية الحكامة في تدبير المالية العمومية للدولة، كما يطرح السؤال عن مدى نجاعة آليات مراقبة المال العام في المغرب، سواء تعلق الأمر بالمفتشية العامة لوزارة المالية، أو بالمجلس الأعلى للحسابات، أو البرلمان بغرفتيه؟

على الرغم من تعزيز دور المفتشيات العامة للوزارت  بموجب المرسوم الصادر في الجريدة الرسمية بتاريخ 14 يوليو 2011، فإن الواقع يثبت أنها جزء من الأزمة بسبب خضوعها المباشر لسلطة الوزراء الذين تشتغل تحت إمرتهم وإشرافهم، وهو ما يعني أن الرهان على هذه المفتشيات في مراقبة تدبير المالية العمومية رهان فاشل، لاسيما، وأن الوقائع المادية الملموسة تثبت أن عمل هذا الجهاز في مجال السهر على حسن تدبير الأموال العمومية داخل القطاعات الحكومية تبقى نجاعته مرهونة بيد المسؤول الأول على القطاع الذي يفوض مهام الآمر بالصرف لغيره من المسؤولين المركزيين  !!!

على ضوء الخطاب الملكي الأخير الذي توقف فيه الملك محمد السادس عند أعطاب الإدارة المغربية التي تسيء لصورة الإدارة المغربية وتسبب ضررا جسيما للاقتصاد الوطني يتعين على الحكومة بما تملكه من صلاحيات دستورية وعلى مؤسسات الحكامة التي تختص بمراقبة صرف الأموال العامة وضع حد لنزيف تبديد المال العام للشعب المغربي في الشهور الأخيرة من كل سنة. كما يتعين على مصالح وزارة المالية مراقبة مدى مشروعية قرارات تحويل الأموال المتبقية من الناحية القانونية ولا سيما تلك الأموال التي يتم تحويلها لدعم العمل الاجتماعي بموجب قرارات يمكن أن تكون مشوبة بعيب قانوني !!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.