الماسونية: من الأسطورة إلى التاريخ

مقدمة لا بد منها

دلفت إلى صالون الحلاقة. حييت الحلاق المنشغل برأس زبونه. تبادلنا السؤال عن الأحول، ثم أخذت مكاني على الكنبة الجلدية الوثيرة التي تزين عادة صالات الحلاقة. على جانبي جلس شاب أنيق حليق الرأس مع لحية مقلمة وبأطرافها شعر ناتئ لم يتجاوز على آخر تقليم له أسبوع على الأكثر، لكنه انتظر دوره بيننا. فالشباب اليوم يحبذون «اللوك» المثالي، ولا يرضون بشيء أقل منه.

ولأن للحلاقين مشكل مؤرق مع الصمت، وخبرة مهمة في المحادثات المحشوة بكثير من الحمدلة وفساد الأخلاق وعلامات قرب يوم القيامة… أشعل الحلاق تلفاز صالونه بالريموت نكاية في الصمت، فأوردت قناة إخبارية عليه أخبارا من سوريا مع صور الدمار والدم…، ثم تأملنا في المرآة قائلا وأنامله ترتب شعر زبونه: «سوريا مشات اخاي، انتهت.» عندما تأكدت من أن الرجل لا يقصدني بكلامه، غمغمت موافقا: «واييه» لعل ردي يُثني الحلاق عن حصة تعذيب وشيكة.

وكأن الشاب بجانبي لم يرق له ردي المقتضب فانبرى لشرح الوضع بنبرة الواثق: «سوريا ليست سوى نموذجا لحقد الكفار على الإسلام وعلى أهله. إن الماسونية هي أصل كل الشر في العالم، فالغرب والماسونية والصهيونية يعرفون التهديد الذي يشكله الإسلام عليهم، إن شغل الماسونية الشاغل هو تدمير الإسلام وقتل أهله، ومسْحنة (من مسيحية) لاجئيه…هل تظنون أن ألمانيا تستقبل السوريين رأفة بهم؟ …لا و”هادي حاجة باينة”، إنهم يأخذون أطفالهم إلى الكنائس ويعلمونهم المسيحية… لقد دمروا الإسلام في العراق وأتى الدور اليوم على سوريا…» لم يقبل الشاب مقاطعة أي منا وشرع يستشهد بشذرات آيات محرفة من القرآن وبأحاديث مبتورة وكله حماس متّقد، وهمه الأخير قهر شرارة إمكانية اختلافنا معه، والكل اليوم يعرف كيف يفعل ذلك: «إنه “المُكتاب”، وقضاء الله، وامتحان المؤمن، وعقاب الله لنا على ترك الصلاة، وعُري النساء،وإتيان المنكرات والمفاسد…».

لم أجادل الرجل، بل بحثت عن حرب العراق على الإنترنت، فلم أجد ذكرا للماسونية. بل طالعني سؤال مهم على كل باحث عن الحقيقة التاريخية طرحه للوصول إلى فهم أفضل للتاريخ البشري. والسؤال هو: من المستفيد من إعلان الحرب وشنّها؟ قادني بحثي إلى أسئلة أخرى على صلة بالموضوع، وأهمها: ما الحرب؟ هل هي القتال والدم والدمار الذي نرى على الشاشات؟ أم أن الحرب المعاصرة أمر مختلف جذريا؟ قبل أن أجيب على ما توصلت إليه من أسئلتي، سأتحدث باقتضاب على عاداتنا الجدلية أو هي الجدالية، وطرقنا في إقناع من يختلفون مع ما نعتقد.

إلى جانب المتلفظات الدينية التي تُحشد عند الحاجة وعند غير الحاجة في أحاديثنا اليومية للفوز بأي خلاف فكري أو تأويلي، نعثر كثيرا على تفسير مكرر لوضعنا كحضارة منهزمة لم تلملم بعد شتات خيباتها، ولازال بطش «الكفار» بنا وصمود حضاراتهم مع «ضلالها» و «ضلال» أهلها في وجه «هدْينا» لغزا محيرا. هذا لأننا حضارة إيمان، والإيمان ليس معتقدا فقط، بل مخزنٌ للأجوبة، ولا يحبذ أبدا ألا يجد المؤمن لأسئلته المؤرقة جوابا.

         إن الجواب عن قلقنا الدائم من بطش «الكفار» بنا واحد لا يقبل الأخذ والرد. إنه الماسونية. سأقدم فيما يلي تعريفا بسيطا بالماسونية، وسأتخذ من حرب العراق مثالا وبراديغما لفهم التاريخ المعاصر بعيدا عنها وعن نظريات المؤامرة وأثر منطق الاعتقاد فيها.

الماسونية    

إلى جانب الماسونية يورد كاتب أمريكي مهتم بالمجال والحاصل على جوائز أدبية مهمة أليكس غريسيان (Alex Grecian) يوردُ عددا مهما من الجماعات السرية في الغرب، لكن تهمنا هنا الماسونية أساسا. مقال غريسيان ورد على صفحات الفرع الإنجليزي على النّت لصحيفة الهافينغتون بوست بعنوان: «المجتمعات السرية السبع الأكثر حصرية في التاريخ»[1]، ويهمنا هنا الماسونيون وبعض من ممارساتهم، أو هي بالأحرى شائعات حول ممارساتهم:

الماسونيون الأحرار أو البناؤون الأحرار (Freemasons): تشكل البناؤون الأحرار من مجموعة من الجماعات السرية، وأسسوا أول مقر لهم سنة 1717 في لندن. ويُعتقدُ أن للبنائين الأحرار أشكال تواصل وممارسات سرية وتراتبية خاصة ومعقدة تفرض الخضوع التام على أعضائها، وتقدم بالمقابل وعود المكانة الاجتماعية والرفاه والعلاقات الكفيلة بمحو أي عثرة أو عرقلة مقصودة لأعضائها ولرفاههم كيفما كانت. وللماسونيين الأحرار، يقول غريسيان، طرق تعارف وتواصل خاصة جدا، ومنها على سبيل المثال ضغط المتصافحين بأصابعهم على أماكن من المعصم حسب رتبة المتصافح في التنظيم، ويتميزون أيضا بالممارسات الجنسية المثلية والجماعية، وكذلك قتل أطفال بأوصاف معينة وشرب دمهم. والأرجح أن هذه الممارسات أتت نتيجة إشاعات تُتداول بين الناس، والمبالغة أمر وارد في المتداول. ولعل هذه الشائعات هي السبب وراء خروج الماسونيين إلى العمل العلني لأنها حسب تقرير الجزيرة عن آخر نشاطاتهم في اليونان صيف سنة 2008، ارتأت أن «السرية المبالغ فيها تضر بأعضائها أكثر مما تنفع»، وأكد تقرير الجزيرة أيضا أن انشغالات أعضائها، وهم ثلة مهمة من رجال الأعمال العالميين، تهم مواضيع دنيوية على صلة بالمشاكل المعاصرة كالتغيرات المناخية والهجرة وعلمنة المناهج الدراسية…، وليس التآمر على أديان منافسة.

قليل من التاريخ لتوضيح بعض من أسباب الاعتقاد في نظريات المؤامرة

أعتقد بأن حادث صالون الحلاقة أعلاه مناسبة طيبة لطرح بضع أسئلة على علاقة بنمط تفكير منتشر، وأؤكد بأن انتشاره وتداوله ليسا دليلين على صحته ولا على عقلانيته. بل يُظهر الحادث أمرا ذا طابع أنثروبولوجي تاريخي محض، ويخص جمود العقل المسلم واستكانته إلى الذاكرة.

أعتقد أن فكرة تآمر المسيحيين على الإسلام على صلة بحدثين تاريخيين أساسيين شكلا نموذجا لسلوكنا التأويلي تجاه أحداث اليوم. الأول يهم الحملات الصليبية، والثاني يهم انهيار الحضارة الإسلامية بالأندلس:

  • الحملات الصليبية[2]: وهي سلسلة حملات عسكرية قادها ملوك وأمراء أوروبيون بمباركة باباوات الكنيسة اللاتينية، وامتدت من أواخر القرن الحادي عشر حتى القرن الثالث عشر. وبعد الكثير من الأخذ والرد بين المؤلفين المسلمين الذين رأوا فيها بداية التآمر المسيحي على الإسلام، يُعتبر اليوم عمل المؤرخ الماركسي الفرنسي كلود كاهين علامة فارقة بين التفسير المقتنع بنظرية المؤامرة لحدث تاريخي مهم، وبين بحث أرشيفي سوسيو-تاريخي أبان فيه عن الأسباب التي أقنعت أمراء وملوك أوروبا بالمشاركة في الحملة على القدس المسلمة بمباركة بابوية. ويسوق كاهين في مقاله المأثور «مدخل إلى الحملة الصليبية الأولى» (1954)، يسوق الأسباب الدنيوية التي جعلت من حكم المسلمين للقدس فرصة لأمراء أوروبا ل«خلق عدو» مثالي لشعوبها المتدينة. فرغبة من البابا في ضم الأقاليم البيزنطية إلى الكنيسة اللاتينية، إضافة إلى الغنيمة الموعودة من الحملة لقادتها النّهمين، قام بدمغ مخيلات الجيوشالمسيحية بوعود الخلاص الأخروي، والتي سيتضح هوانها على نفسه وعلى الملوك المشاركين في الحملة بعدما استولوا على أراض بتركيا ومناطق أخرى ورفضوا إعادتها إلى الامبراطور البيزنطي، وهو ما حدا بالبابا إلى طردهم من الكنيسة.

أعتقد أن أصل فكرة تآمر الغرب على الإسلام وجد أولى لبناته في الحملات الصليبية، ففي ظل شروط التواصل التي نعرف اليوم والمنعدمة آنذاك، كان التفسير الوحيد للهجوم المسيحي على الإسلام هو التآمر على الدين الجديد. أما اليوم وأمام البحث الأكاديمي الرصين شرقا وغربا، فلم يعد في العقل مكان لتفسير التهافت الكولونيالي الجديد على الموارد والمواقع الاستراتيجية عسكريا بمنطق التآمر على الدين.

  • أما أصل التفكير بمنطق المؤامرة الثاني فأعتقد بأنه يهم هزيمة الحضارة الإسلامية في الأندلس التي كانت سببا إضافيا لتغذية هذا المنزع المنافي للتفكير السليم اليوم. فمنذ سقوط غرناطة سنة 1490م تعرض مسلمو الأندلس للتقتيل والتهجير القسري والتضييق على أبسط أشكال تميّزهم الثقافي من اللباس والمظهر إلى السلوك والتعبّد واللغة والاغتصاب وسلب للممتلكاتوحرق للمكتبات. ولعل عمل طارق علي الأدبي الألمعيثلاثية الإسلام[3]من أكثر الأعمال الأدبية تصويرا دراميا مؤلما لمعاناة الأندلسيين على يد محاكم التفتيش. فعمله الأدبي تصوير درامي قائم على أحداث تاريخية حقيقية. ويهم عائلة أندلسية مسلمة من أصل دمشقي أجبرت على تجرع آلام التقتيل والسلب والحرق والقتل الرمزي المتمثل في حرق مكتبات غرناطة. فإمكانية الهزيمة على يد المسلمين دفعت فعلا بالكنيسة والملكة إيزابيلا إلى التآمر على المسلمين ونكث وعودهما الموثقة للأندلسيين بالحق في التعبد والإقامة والممتلكات.

إن جشع الكنيسة والملكة هما الدافع في صيغته الاقتصادية للسلب الذي تعرض له الأندلسيون وللقمع والتضييق الذي لحقهممن تخلف منهم عن التهجير الجماعي وفضل التحول إلى المسيحية. لكن المباركة الدينية في الحدثين التاريخيين معا، أقصد الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش، أذكت جذوة الحماس لعملهما. فجشع السادة يُسخر من أجله الدين، وتخدمه بساطة المعذبين في الأرض الباحثين عن الخلاص. إن تضافر الجشع الاقتصادي بالمعتقد المتشدد ينتج العنف والإرهاب كما عرفه المسلمون على يد محاكم التفتيش في الأندلس، وكما يعرفه العالم اليوم في صيغة التحالف بين النهم النيوليبرالي والقاعدة الشعبية للإنجيليين الجددفي الولايات المتحدة.

         من السذاجة اليوم اعتبار التهافت النيوليبرالي على السلطة والثروة تآمرا ضد دين الإسلام وأهله. لا أعتقد اليوم بأن فكرة التآمر دون طرح أسئلة معينة تخص الوجه الاقتصادي لهذا التهافت تقدم تفسيرا مقنعا. فنظرة بسيطة إلى الأمور بأسلوب مغاير تُبدي للناظر ما خفي من حدث على قدر مهم كغزو العراق.

بعيدا عن الأسطورة، قريبا من العقل والتاريخ: غزو العراق نموذجا

تهم الباحث عن الحقيقة كما قلت بضعة أسئلة، والتي أجد أنها كافية متكاملة.  قد يكون الغرب العلماني مثقلا بأثر المسيحية على سلوكه، لكن هذا المنزع ليس كافيا بالبات والمطلق ولا يقدم جوابا واضحا عن أحداث تاريخية تهم أمما وشعوب ومصائرهما. وأول الأسئلة هو: ما العائد المادي للأمم الغازية من الغزو؟ وحتى نكون أكثر دقة، من المستفيد من إعلان حرب من مستوى الحروب المعاصرة بكلفتها الهائلة على جميع الأصعدة؟

         ولتسهيل الجواب عن هذا السؤال يجب الإقرار بحقائق بديهية عن المجتمعات الغازية وأشكال عمل السلطة فيها. لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر حالة غزو العراق الأخير. تقدم الصحفية الكندية في عملها التحقيقي الضخم الموسوم ب مبدأ الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث(2007) قراءة موثقة للحرب وكلفتها وشلة المستفيدين منها من صقور واشنطن. تقول كلاين بأن الحرب المعاصرة لا تعمل بمنطق كلفة الحرب والفائز فيها بالنسبة لمن يعلنونها على الأقل.

إن الجيوش النظامية لا تخوض الحرب المعاصرة، بل تخوضها الشركات العسكرية الخاصة التي تستولي على عقود الحرب، والتي تدفع رسومها الحكومة الأمريكية من أموال دافعيالضرائب الأمريكيين.حتى اليد العاملة في الشركات التي استفادت من تفويت شركات القطاع العام إلى الخواص في العراق جلبت قوى عاملة أجنبية. فمثلا جلبت شركة Halliburtonالتابعة لديك تشيني 15،000 ألف عامل، بينما تقر كلاين بأن موظفي الحكومة الأمريكية المكلفين بإعادة الإعمار تحت إشراف بول بريمر لم يتجاوزا 1500 موظف.فهاليبورتون تكفلت بكل شيء داخل المنطقة الخضراء من أمن وطرق وتشييد للقواعد العسكرية وصيانتها إلى العلب الليلية وأمن الشخصيات العراقية والأمريكية.

تجني الشركات الخاصة فوائد الحرب. إن هذه الشركاتهي التي تتكلف بإعادة الإعمار. تقدر كلاين ميزانية إعادة الإعمار الأولى ب 73 مليون دولار.«تكلف الكونغرس الأمريكي ب 38 بليون دولار منها، بينما قدمت دول أخرى ما مقداره 15 بليون دولار، ودفعت شركة النفط الوطنية العراقية 20 بليون دولار»[4](346). لقد دفع المبلغ الضخم بالمسؤولين الأمريكيين إلى مقارنته بمشروع مارشال.

لكن المبلغ لم يُصرف على إعادة الإعمار وخلق الوظائف، بل مُنح للشركات المتعاقدة لإنجاز أغراض الحرب كشركة Halliburton التابعة لنائب الرئيس جورج بوش الإبن ديك تشيني. شركة تشيني المذكورة جنت لوحدها من إعادة الإعمار 39،5 بليون دولار[5].

منحت الإدارة الأمريكية ميزانية إعادة الإعمار للشركات الخاصة التي تكلفت بكل شيء بدءا بعروض المناقصة مرورا بتنفيذ المشاريع وصولا إلى مراقبة تنفيذها. فعلى سبيل المثال، كُلفت شركة BearingPoint بتصميم نظام اقتصادي قائم على السوق الحرة للعراق بمبلغ 240 مليون دولار، بينما مُنِحت شركة خاصة أمريكية اسمها Creative Associates، كُلفت بتصميم المنهاج الدراسي لعراق ما بعد صدام حسين، مبلغ 100 مليون دولار. أما تصميم ديمقراطية محلية على مقاس العراق ففازت بمناقصته شركة أمريكية أيضا تُدعى Research Triangle Institute بمبلغ 466 مليون دولار. وحصلت شركة Parsons على مبلغ 186 مليون دولار لبناء 142 مستشفى لم يُبن منها سوى ستة، أما الباقي فتمت سرقته.

والذي حدث هو أن الشركات الأمريكية التي كلفت بمهام إعادة الإعمار أعادت بيع المشاريع بكلفة أقل إلى شركات من دول التحالف، والتي أعادت بدورها بيع المشاريع بكلفة أقل إلى شركات صغيرة. أدخلت تعقيدات تداول التفويت الشركات المكلفة بمراقبة التنفيذ في متاهات قانونية جمة، بحيث تمت سرقة الميزانية المذكورة بشروط قانونية كوربوراتية مع إفلات مُقترفيها التام من العقاب أمام عجز إدارة بوش والقضاء الأمريكي.

إذا بإمكاننا أن نحمل وزر معاناة العراقيين للماسونية فندُقّ رأس كل من يختلف مع معتقدنا الكسول العازف عن البحث المُضني عن الحقيقة التاريخية، أو أن نتحمل “آلام” البحث الجاد عنها فنجد ضالتنا في التحقيقات الصحفية والعمل الصحفي الإنساني الجاد.

مشروع الدولة النيوليبرالي الأجوف: الدولة جهاز قمعي فقط

إن الحرب وإعادة الإعمار المعاصرة لا تخضع للعواطف الدينية الجياشة التي تحكم علاقاتنا نحن البسطاء، بل هي عملية مربحة تنهب باسمها الشركات الضخمة أموال الدول المنكوبة وتوزعها حصصا على الشركات الخاصة على قدر التكليف في عمليتي الحرب وإعادة الإعمار. إن ما نعرفه اليوم بالإدارة الأمريكية والدول التي سقطت فريسة الجشع النيوليبرالي ليس سوى جهاز الدولة الذي تخلى عن مسؤولياته تجاه ناخبيه من خدمات عمومية واقتصاد قومي يؤمن للشعب مكتسباته العمالية من أمان اجتماعي وتأمين صحي وفوائد مهنية وحقوق نقابية وسياسية ومسؤولية أمام الناخب.

لقد أصبحت الدولة جهازا قمعيا يجمع الضرائب من المواطنين ليمنحها بسخاء للشركات الخاصة التي يملكها صقور واشنطن في انتظار الفريسة التالية. كانت أولى خطوات إعادة الإعمار بعد انهيار النظام السياسي العراقي هي خوصصة الشركات التي تملكها الدولة. فمن أصل 200 شركة تملكها الدولة العراقية، تقول كلاين، والتي كانت مكلفة بتوفير كل شيء «من النفط المكرر إلى الورق والصابون وزيت الطبخ»، قام بول بريمر بتفويتها للشركات الأمريكية الخاصة بأثمنة بخسة.

سأستعمل تحليل الماركسي الفرنسي لوي ألتوسير لتوضيح فكرة الدولة الجوفاء التي أتحدث عنها. يميزألتوسير بين دورين أساسيين للدولة الحديثة، فأحد هذه الأدوار يتكلف به ‘الجهاز الإيديولوجي للدولة’: ويهم دور إعلام الدولة ومثقفيها وخبراء دعايتها وفقهاء القانون وأنظمتها التعليمية ونمط التدين وعمل رجال الدين والفنون والثقافة اللذين يحظيان برعاية الدولة. أما الدور الثاني فيتكلف بأدائه ‘الجهاز القمعي للدولة’:ويهم دور كل قوات السلطة من الدفاع إلى الداخلية إلى المخابرات. إن الطموح النيوليبرالي هو تقوية الجهاز القمعي للدولة، وحصر دورها في جمع الضرائب وقمع كل أشكال المعارضة والتضييق عليها وعلى الرأي السياسي المناوئ.

الأفضل أن تعرف عدوك

يقدم محرك البحث Google أكثر من 986،000 مدخل عند البحث عن كلمة “الماسونية” بالعربية، بينما يقدم Youtubeمئات الآلاف من الفيديوهات معظمها من هواة يدبجونصورا لفنانين ورجال أعمال يقولون بأنهم يشتركون في الانتماء إلى الماسونية. إن جوابي ليس أن التآمر لا يوجد، بل أقول وأكتب ما أكتب اليوم دفاعا عن منطق الوعي الصائب بالتاريخ وحركته ومآلاته. نعم يتآمر الغرب كما تتآمر سلطاتنا على الناشطين وتضيق عليهم وتسجنهم. لكن الأمر، في نظري على الأقل، لا يهم القضاء على الإسلام والمسلمين. وأبسط أشكال التفكير بالحس المشترك ستفنّد هذا الطرح: فإن كان الغرب المسيحي يتآمر على الإسلام فالأولى به أن يستخدم ترسانته النووية الهائلة لمسح آثار الإسلام والمسلمين من تاريخ الأرض.

إن التآمر أمر معاش لا شك فيه. لكنه يهم الصراع على الموارد والعائدات المادية للسياسيين اليوم وحلفائهم من شركات الأسلحة والأدوية والبنوك الكبرى واحتلال المواقع الاستراتيجية. فإن شئت الحقيقة عن حرب العراق فاسأل عن ديك تشيني وبول بريمر وشركات إعادة الإعمار والإعلام الأمريكي الرسمي والرؤساء التنفيذيين لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتلامذة منظر النيوليبرالية ميلتون فريدمان ومافيا الحزب الجمهوري. إن البحث الجاد عن الحقيقة التاريخية وعي بالتاريخ ومساراته، ووعي سياسي بإمكانات حركة التاريخ المعاش، وليست ترفا ثقافيا هامشيا. فالفرق بين أن نلوم الماسونية على ويلاتنا وويلات شعوب العالم ونأخذ موقع الرابح في النقاش، وبين بحث بسيط هادف جاد عن الحقائق التاريخية فرق بين الكسل والخمول الذي يستكين إلى التفسير الجاهز وإلى الموروث التاريخي البعيد، وبين النشاط الفكري الفضولي المتجدد الذي يعي أهمية الماضي لكنه لا يعيش في ذاكرة ميتة.

[1]Grecian, Alex. « the 7 most Exclusive Secret Societies in History. » Huffington Post Eng. 28-05-2014.

[2]-استقيت المعلومات الواردة هنا من عمل كلود كاهين، انظر

كلود كاهين، ترجمة منادي إدريسي عبد الباسط. “مدخل إلى الحملة الصليبية الأولى”، مؤمنون يلاحدود على الإنترنت.

[3]Ali, Tariq. Islam Quintet. London : Verso. 1992-2005.

[4] Naomi, Kelin. ShockDoctrine.New York : Random House of Canada.2007.

[5] Young, Angelo. « Cheney’sHalliburton $39,5 Billion on Iraq War. » International Business Times. 20 March, 2013.

منادي إدريسي عبد الباسط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.