اللّهُمّ إِنّا نسْألك الأمن كله في وطننا…

إن الحديث عن قيمة نعمة الأمن وعظمها أمر لا جدال فيه، هذا الأمن الذي اعتدنا عن قصْد أو عن غير قصْد اختزاله في جزء ضيق لا يرقى إلى شمولية المفهوم، لتظل بذلك نظرتنا إليه نظرة اختزالية يشوبها الكثير من القصور. إن استمرار الشعوب ورقيها يبقيان رهينين بمدى نجاحها في استتباب الأمن ودفع كل ما من شأنه زعزعة استقرارها وتهديد أمنها، لذلك فإن موضوعة الأمن تستحق منا وقفة في ظل استئثار هذه القضية بالنقاش العمومي داخل الوطن وخارجه.

كما أسلفنا، يبقى فهم العامة لموضوع الأمن مختزلا في السلامة من فوضى التقتيل واللااستقرار السياسي والمناوشات القبلية والتهديدات الإرهابية والتصفيات الجسدية ورائحة الدماء وغيرها، وإذا كان كل ما ذُكر جزء من موضوعة اللاأمن، فإن ذلك لا ينفي وجود مظاهر وتجليات أخرى لا تقل خطورة عن “اللاأمن السياسي” هذا، بل تبقى أخطر وأبشع، بالنظر إلى حربها القذرة التي توظف أسلحة كاتمة للصوت، ومن ذلك “اللاأمن الهوياتي”، “اللاأمن اللغوي”، اللاأمن الثقافي”، اللاأمن التربوي”، “اللاأمن القضائي”، “اللاأمن الروحي”، اللاأمن الصحي” و”اللاأمن التنموي”…

  • “اللاأمن الهوياتي”:

إننا في وطننا نعيش “لاأمنا هوياتيا” قاتلا، فتأمين الشعوب في هوياتها الحقيقية بعيدا عن التزوير و”العدمية الهوياتية” يظل سلوكا أخلاقيا ومتحضرا، وما نعيشه اليوم من مسخ هويتنا وجعلها تتطاير مع وهم الوطن المزعوم والأمة المفترى عليها، ومحاولات الالتفاف على حقيقة هوية المغاربة بالركوب على المعطى الروحي تارة، ثم المعطى اللساني تارة أخرى، مظهر جلي من مظاهر الاختزال الممنهج للأمن، ولقد آن الأوان أن نعود إلى جادة الصواب ونصالح أنفسنا وكينونتنا ونفتخر بانتمائنا الهوياتي الذي يشهد التاريخ على عظمته وتجذره، بدل التمسك بشرقنة كاذبة وتغريب مغلوط. إنها أول خطوة يجب التفكير فيها لتحقيق الأمن الحقيقي الذي نصبو إليه جميعا.

  • “اللاأمن اللغوي”:

رغم كل الخطوات الشكلية التي عرفها المغرب بداية الألفية الثالثة فيما يخص سياسته اللغوية، تظل اللغة الأمازيغية تعاني من حصار رسمي بيّن داخل مؤسسات الدولة المغربية، فرغم دسترتها لغة رسمية في الدستور المغربي، لا تزال هذه اللغة في السر أحيانا وفي العلن حينا “مرفوضة” في دواليب الدولة، فهي مرسّمة مع وقف التنفيذ، بل إن هناك مساع لتقزيمها وتشويهها خصوصا بعد تناولها الكاريكاتوري في المنظومة التربوية والمشهد الإعلامي. إن فئة عريضة من المغاربة غير مؤمّنين في لغتهم التي تعدم يوميا بطلقات مسدس كاتم للصوت، ضدا على الأعراف والقوانين الدولية رغم صخب الشعارات الرنانة للدولة وحرصها على تلميع الواجهة بمساحيق منتهية الصلاحية، ولعل من الحكمة امتلاك الشجاعة وتصحيح الوضع عبر إدماج فعلي للغة الأمازيغية في الحياة اليومية للمواطن المغربي بعيدا عن كل مزايدة سياسية، إحقاقا للحق واستتبابا للأمن في وطننا.

  • “اللاأمن الثقافي”:

إن الحديث عن ثقافة “وطنية” وأخرى “شعبية” مظهر من مظاهر التمييز غير المبرر، وسياسة ممنهجة لمحو ثقافة متجذرة وجعلها مجرد “فلكلور” للاستهلاك السياحي، في مقابل تثمين ثقافة أخرى وجعلها رمز المغرب في المحافل الدولية ضدا على حقائق التاريخ، إنها صورة أخرى لـ”لاأمن ثقافي” يعانيه المغاربة، فالتراث الثقافي المغربي غني ومتنوع ، ويتعين التعامل معه بعين الفخر وبدون مفاضلة، فالمفروض أن نفتخر ونثمن رأسمالنا اللامادي في كل تجلياته وأشكاله، وسيقى إنصاف الثقافة الأمازيغية في وطنها حقا وضرورة ملحة إن كنا فعلا نريد وطنا آمنا للجميع.

  • “اللاأمن القضائي”:

يعتبر قطاع العدالة من القطاعات التي تجعل المواطن يحس بـ”اللاأمن”، ذلك أن إفلاس المؤسسة القضائية وتفشي الفساد والزبونية فيها يولد الإحباط لدى المواطن الذي يفضل عدم اللجوء إليه لاسترداد حقوقه التي تهضم من الغير، ليلجأ في بعض الأحيان إلى الانتقام من واقع يظل عاجزا عن تصحيحه عبر تهديده لأمن غيره. إن عدم استقلالية القضاء وتردي الأوضاع في المؤسسات العقابية المغربية وعجز المؤسسات الإصلاحية عن علاج الحالات المرضية التي تلجها، كلها حالات تهدد الأمن الذي نتغنى به، وبالتالي فإن إصلاح منظومة العدالة بشكل يضمن إحقاق حق المظلومين وزجر الظالمين من الشروط الموضوعية لتحقيق الأمن واستتبابه بشكل سليم.

  • “اللاأمن التربوي”:

من جهة أخرى يظل فشل منظومتنا التعليمية وغياب فلسفة تربوية مواطِنة تنتصر للوطن ولا ترتهن إلى الشرق أو الغرب، فلسفة تضمن الحق في تعليم جيد للمغاربة وبلغاتهم، يظل مظهرا جليا لـ”لاأمن تربوي” ينخر الجسد المغربي، فكل المؤشرات تؤكد سوداوية الوضع وقتامته، والمواطن المغربي الذي ينال منه اليأس مهدد بالتخلف عن الركب الحضاري، وما نسجله اليوم من محاولات للدولة من التملص من هذه الخدمة العمومية عبر الإجهاز على التعليم العمومي وتشجيع التعليم الخاص واحتقار الذات المغربية يظل تهديدا مباشرا لمستقبل المواطن المغربي الذي يجد نفسه أمام تسليع غير مبرر للمعرفة، وبذلك فالإسراع بإعادة ترتيب أوراق هذا القطاع أمرا لا محيد عنه، إن نحن أردنا تحقيق الأمن الحقيقي على أرض المغرب.

  • “اللاأمن الروحي”:

لا يقل الأمن الروحي عن سابقيه في شيء، فالجانب الروحي بشكل عام ركن أساسي لتستقيم حياة الفرد ويكون سويا داخل جماعته، صحيح أننا ولحدود اليوم لم نواجه في المغرب “كتائب جهادية”، إلا أن ما نلحظه من “خرجات موسمية” و”صراعات وديعة ” مع أطياف الإسلام السياسي المغربية من حين إلى حين يستدعي منا الحزم في الأمر وتأمين المغاربة، كل المغاربة في معتقداتهم، من خلال جعل الدين اختيارا شخصيا يسمو عن المزايدات والتوظيفات السياسوية، لا يدخل في حق المواطنة التي يجب أن يتمتع بها الجميع حفظا للأمن واستتبابا له.

  • “اللاأمن الصحي”:

إن مشهد المؤسسات الاستشفائية ومستوى الخدمات بها يعكس واقع “اللاأمن الصحي” التي تعيشه الأسرة المغربية، واقع تدمع له العين ويحزن له القلب، كثيرون هم من يعانون في صمت يقابله عديمو الضمير بالتجاهل والفساد، إنه تملص رهيب من واجب أخلاقي وخدمة عمومية يفترض أن يوفرها الوطن لأبنائه في زمن أضحت فيه المتاجرة بالآلام وإجهاض للآمال عملة رائجة، وضعية تجعل المواطن يحس فعلا أن الأمن يتجاوز مفهومه “الشعبي”، وأن وطنا لا يهدّئ ألم أبنائه ويداوي جروحهم لا يحق له أن يتبجح بالأمن. إن توفير الأمن الصحي للمغاربة وإعانتهم على السلامة من الأمراض والأوبئة مسألة أكثر من مُلِحّة لوطن يريد أن يتحقق له الأمن.

  • “اللاأمن التنموي”:

إن الحديث عن “اللاأمن التنموي” يعني التهميش والعزلة التي يعيشها المواطن المغربي هنا وهناك، وضع يستلزم إحقاق عدالة مجالية وتقسيما عادلا للثروات تجعلان المواطن المغربي يستفيد من خيرات وثروات وطنه بشكل يضمن تحقيق تنمية توازي غنى هذه الثروات، تنمية توفر بنية تحتية محترمة وخدمات عمومية لائقة، تنمية تقطع مع كل أساليب الريع الاقتصادي والسياسي وتربط المسؤولية بالمحاسبة وتجعل المغرب مِلكا لجميع المغاربة، بشكل يجعل هؤلاء يذودون عنه ويجتهدون في تحقيق الأمن له.

في الختام، إن “العدمية الهوياتية” وغياب العدالة في العروض (Offres) الثقافية والتربوية واللغوية والصحية والتنموية مؤشر على عجز الدولة المغربية على إنصاف مفهوم المواطنة عبر ثنائية الحق والواجب، وجعلها بديلا عن عسكرة الفضاء العام وتغليط المواطنين واختزال القضايا الكبرى في جزئيات يمكن التحكم فيها لو تمت فعلا مأسسة المواطنة الحقة بشكل بنيوي وموضوعي.  فكل من يقدِم على تهديد “الأمن السياسي” إنما يعاني من بعض أو كل أطياف “اللاأمن” التي عرضناها باقتضاب، ولو حفظت كرامة المواطن لتذوق طعم الحياة الكريمة ولأقلع عن كل الأفكار التخريبية التي تغزو تفكيره لحظة الضغط.

فاللهم أمنّا في أوطاننا أمنا شموليا وحقَّق لنا نعمة الأمان…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.