اللغة والسياسة أي علاقة؟

اللغة هي لسان السياسة والوسيلة التي تنقل وتحمل أفكارها وتحقق أهدافها المنشودة ولذلك نجد أن العلاقة قوة وطيدة بين اللغة و السياسة. فاللغة بمنزلة سلطة قوية يستخدمها أصحاب القرار من (زعماء _ وقادة_وسياسيون)، وذلك من اجل بسط نفوذهم السياسي، فمن خلال اللغة تحدث التعبئة لأحداث التغيير في الأوضاع السياسية ولاقتصادية والاجتماعية والثقافية ….الخ.
يقول محمود عكاشة “توجد علاقة قوية بين اللغة و السياسة، فاللغة لسان السياسة والقناة التي تحمل أفكارها وتحقق مقاصدها ف الشعب ، وهي من أهم وسائل التأثير الجماهيري ، فاللغة بمنزلة سلطة أخرى يستخدمها أصحاب القرار ف قمع الوجدان الجماهيري و الهيمنة عليه ….”1
نستشف من كلام الدكتور محمود عكاشة بان السياسة عبارة عن { لعبة الكلمات } فالزعماء والسياسيون يتقلدون السلطة من خلال تلاعبهم بالكلمات ومن خلال قدرتهم على الإقناع واستمالة العواطف ، فهم يوظفون بذكاء الرمز اللفظية في نشاطهم التواصلي .
واللغة السياسية بهذا المفهوم لا تتحقق بألفاظها، بل بالمعلومات التي تنقلها وبالسياق الذي تتحقق فيه عملية التواصل . فالمسؤول السياسي مثلا يصدر خطابه بكلمات رومانسية يدغدغ بها مشاعر الأخر ويقنعه ، ولهذا الغرض فانه يحتاج دائما إلى التلاعب بالكلمات .
إن اللغة السياسية هي وسيلة لتحقيق أهداف نبيلة أو شريرة ، ويكمن أن تقول الصدق ا وان تقول الكذب ، فهي قناة ضرورية تحقق من خلالها الحكومات والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام غاياتهم الإستراتيجية فبفضل “سيطرتهم على الخطاب السياسي يتحكمون في الناس ، ولا يحتاجون إلى (العنف الجسدي ) لتحقيق هذا التحكم ، بل اللغة السياسية ” 2 .
واللغة حسب د. عبد السلام المسدي “سلطة في ذاتها والسياسة هي السلطة بذاتها ولذاتها ، فبواسطة اللغة يمارس الفاعل السياسي تأثيره في الناس وهو واع بسلطة لغته ” 3
إن اللغة أداة حاسمة في الخطاب السياسي ، من خلال ألفاظها القوية المستعملة يتم استمالة الجماهير بطريقة مقنعة ، حيث تدفعهم اللغة السياسية بالشعور بالانتماء إلى فكر معين وتبني إيديولوجية معينة والتصويت على حزب دون آخر ، فمثلا بعض المرشحين وأمناء وتبني إيديولوجية معينة والتصويت على حزب دون آخر ، فمثلا بعض المرشحين وأمناء الأحزاب يظهر في كلامهم وخطاباتهم كلمات تدغدغ مشاعر المواطنين ، حيث يوظفون كلمات رومانسية الهدف منها كسب ثقة الناس ، غير أن ما يمكن تسجياه في لغة هؤلاء أنها لغة مخادعة تخفي الكثير من الحقائق وتزيفها أنها ” لغة ملتبسة غامضة ، مبهمة ، ليست باللغة الصريحة ، وهي حافلة بالمعاني المتعددة والتفسيرات الهادفة إلى استثارة النفوس لخدمة السياسة”4 .
هكذا تبين حجم الارتباط بين اللغة والسياسة أو بين استعمال اللغة والسياسة ، فسلطة اللغة في الخطاب السياسي تؤسس وتشكل سلطة السياسة دون اعتمادها على السمات والمبادئ التي تؤسس السياسة .
ومن سمات اللغة في الخطاب السياسي :
• أنها لغة آمرة في طبيعتها وتميل أساسا إلى التذكير بالايجابيات .
• أنها تعتمد أساسا على البلاغة يشكل كبير ، لان تأثيرها العاطفي يعود إلى أهميتها الثقافية على مر التاريخ الإنساني الطويل .
• إنها لغة تتميز بالطول عموما وبتكرار الكلمات والجمل ، لحمل التلقي على التركيز على فكرة بعينها ومن ثم سيطرة أسلوب الإطناب ، وغلبة الخبر على الإنشاء والوثوقية والتقرير على الحكم بنسبية الأمور .
• قلة ورود ضميري المتكلم والمخاطب وكثرة الأفعال الناقضة .
• هذه اللغة كذلك تتميز بقلة الأفعال الدالة على الحكم على الكلام ، وقلة الصيغ التركيبية التي تنطوي على العلاقة الجدلية بين المتكلم والمخاطب ( الاستفهام مثلا ) ، كما تتميز بقلة العلامات الدالة على المكان والزمان .
وختاما لا يمكننا إلا أن نقول : إن الخطاب السياسي ليس كالخطابات الأخرى ، الدينية ، الثقافية ، الأدبية
( …)فلغته لغة تواصلية ، وهو يخلو من اللغة الإبداعية ، ولكن هذا لا يعني أن اللغة سلسة ولا تحتاج إلى تأمل أو فك الشفرة ، بل الخطاب السياسي يكتنفه الغموض والإبهام ، ولعل طبيعة النص السياسي تشبه إلى حد كبير طبيعة بعض الخطابات ، فهي تحتاج إلى فهم وتأويل ، كما تحتاج إلى متلق بارع ، من خلال الاستدلال المنطقي كما أننا لا ندرك ما يرمي إليه المخاطب تماما .

1-محمود عكاشة (2005 ) خطاب السلطة الإعلامي ، ص 33 .
2-عيسى عودة برهومة : تمثلات اللغة في الخطاب السياسي ، ضمن سلسلة عالم الفكر ، عدد 1 ، المجلد 36 ، 2007 ،ص 132.
3-عبد السلام المسدي (2007) : السياسة وسلطة اللغة ، ص 7.
4-عيسى عودة برهومة: اللغة في الخطاب السياسي ، ضمن سلسلة عالم الفكر ، المجلد 36 ، 2007 ،ص 135 .

(*) أستاذ باحث في تحليل الخطاب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.