الكواشيون والكوليباليون بيننا….

الكواشيون والكوليباليون بيننا….

أنا شارلي…

أنا لست شارلي، أنا مسلم…

أنا طفل سوري يموت من البرد والجوع…

أنا مواطن من جنوب المغرب، منكوبة أرضه بفعل الفياضانات وهشاشة البنية التحتية…

أنا مواطن مصري اختطفت ثورته، أنا رابعة..

أنا مالي… أنا نيجيريا… أنا لبنان…

أنا لست شارلي… هؤلاء مسوا الرسول واعتدوا على كرامتي وهم يمسون الرسول بصورهم…

لنضع جانبا هذه الشعارات للحظة، ولنحاول فهم ما جرى أولا…

هناك شخصان أو ثلاثة أشخاص، مجاهدون في سبيل الله، أو مختلون عقليا، أو مستأجرون من طرف جهات ما… التوصيفات أعلاه لها علاقة بزاوية النظر التي تخندق وراءها الرأي العام العالمي، مسلمون وغير مسلمون…

هؤلاء الاشخاص، أطلقوا النار على طاقم تحرير جريدة ساخرة لحظة اجتماع هيئة تحريرها صباح يوم من أيام الأسبوع…. في حيثيات هذا الهجوم صرخة بأن الله أكبر، وبأن هناك انتقام لرسول الله….

الجريدة سبق لها أن نشرت رسومات كاريكاتورية للرسول، كما نشرت رسومات تسخر من المسيح ومن بوذا ومن الهندوس ومن الذين يعبدون البقر ومن ساركوزي ومن فرانسوا هولاند…

لا يمكن الادعاء بأن هؤلاء لم يغضبوا، بل بالعكس، تعتبر شارل ايبدو، على صغرها كجريدة، من أكثر الجرائد حضورا في المحاكم بسبب القضايا المرفوعة ضدها، وإيضا من أكثر الجرائد التي يحكم لصالحها في هذه القضايا، نظرا لانتصار القضاء الفرنسي لمفهوم حرية التعبير في عمقه الانساني والحقوقي….

الصور الكثيرة التي نشرت للرسول في هذه الجريدة لم تكن كلها مسيئة له، مع ضرورة تعريف ما معنى مسيئة هذه؟ بل في بعضها تحمل رسائل نابذة لفكر التطرف وجاعلة وجهة نظر الرسول، على اعتبار أن فهمه للدين هو الفهم الصحيح، وجهة نظر معتدلة وانسانية ورحيمة….

في فهم بعض المتخلفين، يعتبر رسم الرسول في حد ذاته اثما كبيرا وكفرا بواحا، والحقيقة أنه ما من شيئ في الدين يحرم هذا الرسم، بل لو اعتمدنا القياس على بعض ما جاء في الاثر، لوجدنا بعض الصحابة يصفون الرسول في نصوص عبر سرد تفاصيل دقيقة عن ملامحه الجسدية، وهو وصف لا يختلف عن الرسم والتصوير في شيئ ما….

في فهم الغرب للدين، يعتبر الرسول محمد صلى الله عليه وسلام، واليسوع عيسى عليه السلام، وكل الانبياء والرسل الموحدين، وبعض الرموز الدينية الاخرى، كبوذا وغيرهم، من الموروثاث الثقافية العالمية … وهي موروثاث مملوكة للمسلم والمسيحي واليهودي، والهندوسي والبوذي، قابلة للنقاش والنقد والسخرية والتعليق…. لكنها في نفس الوقت غير قابلة للتشنيع والاستهزاء والسب والشتم…

وهنا تبرز تلك الحدود شبه غير مرئية بين السخرية المسموح بها في اطار حرية التعبير والاعتداء بالسب والتقريع التي تدخل في اطار الجنح والممنوع قانونا….

الغريب أنه بالرجوع إلى ثراثنا، سنجد الكثير من الفقهاء والأئمة الذين سخروا من أحكام دينية وشعائر سننية صادرة على الرسول، وهي كتابات لو صدرت عن المحدثين لتم قتلهم بغباء وجبن شديدين…. لذا، فخارج نظرية المؤامرة التي لا تستقيم هنا، لا يمكن أن تكون عملية شارلي ايبدو سوى جريمة حمقاء، اقترفها متطرفون جاهلون وبايعاز من مجرمين في شكل فقهاء ينشرون التخلف باسم علم الدين…

ولأن المناسبة شرط، لا يمكن سوى أن أكون في هذه اللحظة شارلي… كما كنت سابقا في مآسي أخرى عرفتها بقاع مختلفة من العالم….

محاولة تعويم حملة التضامن هذه هي مشاركة في جريمة القتل هذه…. هو انتاج لمجرمين من أمثال الكواشي وكوليبالي…. ومؤسف أن تصادف في مواقع التواصل الاجتماعي كواشيين بالجملة وكوليباليين بالجملة أيضا….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.