الكلب الذي ذكر في خطبة الجمعة

لجارتي الهولندية كلب مرح واجتماعي جدا. حينما كان جروا صغيرا كنا نفتح له باب شقتنا ونتركه يدخل منزلنا فيتجول في رحابه متنقلا من غرفة الى غرفة ومن شخص الى شخص وهو يشم كل ما تصادفه أنفه أو يراه. كنا نلامسه ونداعبه ونحمله بين أيدينا لنضمه الى صدرنا أو لنضعه في رحب أحضاننا. كنا مولعين به الى حد أننا كنا نفتقده إن مر وقت دون أن نراه فيه. لكن حينما بدأ يكبر، بدأت الاسئلة وتراجعت حدة الارتباط به، بالوضوء الذي ينقضه والصلاة التي يبطلها والشيطان الذي يرافقه، والملائكة التي تفر وتهرب من المنزل ما إن يدخلها، والله الذي خلقه وسواه ليفرقه على الانسان الذي استأنسه وآنسه.

شرحت لجارتي كل هذا حين أحست ببرودة مشاعرنا تجاهه وشعرت بحزن وتعاسة كلبها الذي كلما تسلق الدرجات ومر ببابنا إلا وحرص على اسماعنا نباحه، تعبيرا على أنه لا يوافقنا رأينا وقرارنا.

حتى جارتنا لم توافق:

– “بولشّيت” تقول، وتضيف: هراء، كلام فارغ. تستعملون الله والصلاة عذرا فقط. أعرف السبب الحقيقي والدين برئء منه. إنه أيره الذي لا يستطيع كالانسان أن يخبأه. ما مشكلة دينكم مع الأيور؟ لماذا هذا الهوس بها الى هذا الحد؟

قطعنا كل العلاقات مع الجارة التي برهنت لنا حقدها على ديننا السمح وأكثر من ذلك، انها أظهرت حقيقتها: كفرها.

*****

في أيام طفولتي كان الدين مختلفا ولا تشوب صورته مشكلة الايور.

ففي تلك القرية النائية على ظهر ذلك الجبل الشامخ الذي يزينه سد محمد عبد الكريم الخطابي وكأنه إسوار على معصم قدمه وقد صنع من الماء. كان لدينا كلب. أتذكره جيدا. كلب ريفي كما الكثير من الكلاب. كان أسود اللون وتتخلله خطوط وبقع بيضاء على مستوى الوجه والعنق والذيل والقدمين.

إنه من أحب الكلاب التي امتلكناها. كان هو من نوع الكلاب التي ما ان تصادفها او تراها إلا وينشرح لها قلبك وصدرك. كلب متميز جدا وفريد من نوعه رغم أنه ابن الخمسة والستين يوما تماما كما نوعنا نحن، أبناء وبنات التسعة أشهر.

فطن وقوي وأمين ومخلص وكان اسمه بولو، ملفوظة بالباء العجمية. الباء التي كنا نميزها بثلاث نقاط تحت.

كان ما إن يسمع صفيرا أو اسمه إلا ويهرول اليك . كان أكثر من هذا كله ذكي جدا ومحبوب عند الكل في القرية. الكل يفتح له أبواب منزله ولا أحد ينهره. محبوب عند النساء ومحبوب عند الصيادين. حتى عند الكلبات كان يحظى بولو بتقديرهن وبمحبتهن وكانت تتنافس وتتصارع على الظفر به وكأنه نجم سينيمائي في مسرح من مسارح الريف. فما إن تحس كلبة بقدوم دورتها الحرارية حتى تزور منزلنا وتبقى عن بعد تنتظر مجيء حرارتها ليظفر بولو بها، وكأن الكلبة تحس بقوة جنياته وتريدها أن تورثها لصغارها. حتى وإن اجتمعت كل الكلاب حولها فلا تسمع ولو كلبا واحدا ينبح أو يسبب في شجار في حضور حضرته. كلب ذو وظائف عديدة كالمعلم الذي نعرفه قديم الزمان. حامي المنزل وحافظه، صديق وصياد. حاسة شمه كانت قوية وحتى إن لم يكن بالأسرع من كلاب القرية فكثرما هو الذي يقبض على الارنبة البرية أو يأتي بحجلة مقنصة. لكن من كل مهاراته تعلو برأسها مهارته مع الذئاب. لا يوجد ذئب افلت من انيابه وكان الصيادون يتنافسون لهذا السبب عليه في اصطحابه، فيحجزونه مسبقا، اسابيعا من قبل لكثرة الطلبات التي تأتينا.

كنا نسكن بمحاذاة غابتين وكان الذئب قد استولى عليهما وهجَّر كل الارانب منها، حتى أنه لم يبق للصيادين ما يصطادونه غيره. مرة ذهب بولو الى الغابة وأكل من لحم مسموم وضعه فلاح للحد من زحف الذئاب على ضيعاته وماشيته، فكان أن لقي حتفه.

بولو كان فريدا من نوعه. حتى موته كانت من نوع لم تشهدها القرية والقرى المجاورة من قبل. تلقينا كأطفال التعازي من أطفال القرية وأعمامي من رجالها. حتى فقيه المسجد لم يستطع أن يتخطاه وذكره في أحد خطبه.

*****

في قريتنا يوجد شرخ بعيد عن المنازل وكان معروف عنه أن سكان القرية يستعملونه لإلقاء الجيف وجثث الحيوانات من حمير وبغال وكلاب فيها كي لا يشم تعفنها.

بولو كان قويا جدا فبعد أن تسمم، جاء منهكا الى المنزل.

رغم اشتداد المرض والسم به، أبى إلا أن يقترب من كل الاطفال ويبحث عنا واحدا واحدا. إنه الكلب الوحيد الذي رأيته يودعنا قبل أن يشرع في رحلته الاخيرة. عندما رأى الكل، غادر المنزل واتجه الى الشرخ. هناك لفظ آخر أنفاسه تحت عيون الرجال والأطفال والنساء الذين ذهبوا ليشهدوا عن المعجزة. عن بولو الذي لم يرض بأن يحملوه أهله أو يجره وهو ميت الى شرخ الجيفة والعفن.

بولو، صياد الذئاب الذي قتله سم فلاح رأى في الذئب عدوه الاول.

بولو.. أربعون سنة تقريبا وهو لا يزال حي يسكن الذاكرة ولم يصبه سم النسيان.

فكرت أن أحكي هذه القصة لجارتي ‘الكافرة’، لكني بعد أن ألقيت عليها السلام، تراجعت لأني لا أريد خوض نقاش حول الهوس بالأيور. وربما يكون الحق معها وأكون أنا من يتقمص قميص الكافر وحارس النسيان والنكران.

تعليق 1
  1. نارسيس يقول

    نصك يمدح الكلاب وخصالها ويبرز إختلاف إيديولوجيات الناس، لكن أهم إختلاف يتمثل في كوننا نستخدم الكلاب بينما هم يخدمونهم.نحن نستخدم الكلاب لمواجهة الغير ، وهم يجعلهم غياب الغير يستأنسون بالكلاب والقطط وما شاكل…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.