“الكفر”بالمؤسسات و”الايمان” بالفايسبوك

محمد المساوي

قبل أسابيع نشرت المجلة الفرنكوفونية “جون افريك” وجريدة “الاخبار” المغربية استنادا الى مصدر من الديوان الملكي، خبرا مفاده أن الملك غاضب من بنكيران بسبب تصريحاته الاخيرة. في البداية أُعتبر الخبر في خانة  التسريبات التي تقف وراءها جهات ما تروم توجيه رسائل الى بنكيران وليست غضبة ملكية صحيحة، لكن بعد خطاب العرش تبين للكل أن ما نقلته “جون أفريك” كان صحيحا، وأن الخبر خرج من اسوار القصر الملكي، وبدا ذلك بشكل واضح في خطاب العرش.

المستفاد من كل هذا أنه فعلا كانت هناك غضبة ملكية من بنكيران بسبب تصريحاته الاخيرة، خاصة الحوار الذي تحدث فيه عن وجود دولتين؛ دولة يترأس حكومتها هو وعلى رأسها الملك، ودولة اخرى لا يعرف من يسيّرها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا اختار القصر الملكي تمرير الغضبة الملكية عبر هذه القناة؛ نشر الخبر منسوبا الى مصدر في الديوان الملكي؟ والمفترض أن يتم تصريف هذه الغضبة عبر القنوات الرسمية، في المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك، او عبر تواصل مؤسسة القصر الملكي مع مؤسسة رئاسة الحكومة.
لماذا اختيار وسائل الاعلام لبث خبر هذه الغضبة؟ الا يعتبر هذا تجاوزا للمؤسسات وتكريسا لدولة الاشخاص لا دولة المؤسسات؟ الا يضرب هذا في الصميم مزاعم دولة الحق والقانون ودولة المؤسسات؟

في نفس السياق نشر وزير العدل والحريات السيد مصطفى الرميد تدوينة فايسبوكية صباح يومه الاحد 18 شتنبر، يعلن فيها اخلاء مسؤوليته في الاشراف عن الانتخابات بسبب عدم استشارته واشراكه من طرف وزارة الداخلية في الموضوع كما فعلت في الاشراف على الانتخابات الجماعية والجهوية. ومرة اخرى ينتصب سؤال جدوى المؤسسات مادام وزير العدل اختار الفايسبوك لبث شكواه واعلان ابراء ذمته من الاشراف على الانتخابات، أليس الاجدر به أن يلتجئ الى المؤسسات وليس الى الفايسبوك؟ يمكن ان يكون الفايسبوك وسيلة نشر موازية، نعم، لكنه من العبث ان يتم اللجوء اليه وحده مع الاستغناء عن اللجوء الى المؤسسات والدستور، في دولة يقول مسؤولوها وحكامها انها دولة المؤسسات ودولة الحق والقانون؟ أليس هذا تسفيه واضح لكل هذه الادعاءات؟

الامر لم يقتصر على وزير العدل فقط، بل إن حتى وزير الداخلية محمد حصاد اختار للرد على الرميد اللجوء الى جريدة الكترونية وليس إلى المؤسسات وما يضمنه الدستور، وهو ما يكرّس وضعا سورياليا ينضح بالعبث وتسفيه كل الادعاءات والمزاعم حول وجود دولة المؤسسات.

تُرى، ما الصورة التي ستتكرس عند المواطن وهو يتابع هذا الشنآن المبثوث عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر المواقع الالكترونية؟ بكل تأكيد فهذا الامر سيوحي للمواطن أن الصراع الحقيقي لا يُحسم داخل المؤسسات بل يتم حسمه عبر وسائل اخرى غير مضبوطة، وهو ما يجعله يفقد كل ثقة في المؤسسات ما دام هو يشاهد رئيس الدولة ووزراءه يحتقرون المؤسسات ويلتجئون الى قنوات اخرى لبث شكواهم والتعبير عن رفضهم او قبولهم بأمر ما.

ألا تدعو سلوكيات حكام هذا البلد المواطنين الى الكفر بالمؤسسات واللجوء الى قنوات اخرى لرفع تظلمهم والبحث عن انصافهم، أليس هذا اكبر تسفيه للاختيار الديموقراطي للبلد، وهي التهمة التي اصبحت مجرمة في القانون الجنائي كما تم تحينه؟ من يسفه الاختيار الديموقراطي للبلد؛ مثل هذه السلوكيات العبثية أم العمل الحقوقي الذي تقوم به بعض الجمعيات وبعض النشطاء؟

ان كان الامر كذلك فلنقلها صراحة، ايها المواطنين اعلنوا كفركم بالمؤسسات واعتصموا بحبل الفايسبوك، فلو كانت المؤسسات تُجدي، لعمل بها من هم على رأسها، والحال انهم يستعيضون عنها بالفايسبوك، فلنعلنها مدوية : عاش الفايسبوك ولتسقط المؤسسات المزعومة..

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.