القفص وشريك الحياة

“في بالي أغنية” وأتذكر قصيدة حول الخبز والحنين. منذ أن وصلت سن الثامنة عشرة وأنا أسكن لوحدي. منذ هذا السن وأنا لم أذق في الصباح قهوة أمي. أرى أمي وأزورها بانتظام وتعد دائما القهوة، لكني لا أشرب قهوة المساء. أفضل عليها شايا أخضر بالنعناع. أبي هو الوحيد الذي يشاركني مشروبي، لكن رغم هذا فإن علاقتي بأمي أقوى من تلك التي تجمعني به. أتجاوز الآن سن الثلاثين بكثير و أمي تجاوزت الستين وأكثر. لقد حققت في حياتها الكثير، إلا واحدة من أمنياتها الكبيرة: أن أتزوج بامرأة صالحة وتنجب لها حفيدا. أول مرشحة لتلبية طلب أمي كانت فتاة جميلة ورائعة. التقيتها وأخذني (يد) سحرها ووضعني على جناح ما قد نسميه : السعادة. بعد أن رسمنا معا شكل مستقبلنا، قدمتها لأمي كي نبدأ بعد الرسم، مرحلة التلوين. فرحت أمي كثيرا حتى أنها أشعلت موسيقى راقصة مستغلة خروجي من المنزل، ورقصت مع فتاتي. كنت أظن أنني وجدت في آخر المطاف شريكة حياتي التي أحبها وسترضى بها أمي. لم أكن أعرف أن أمي كانت تختبرها فقط. بعد الزيارة أخذت أمي بيدي وانفردت بي:

– إنها من أجمل ما رأيت في حياتي، لكن أثناء الرقص اكتشفت أن مؤخرتها تتحرك بشكل لا يرضيني. إنها ليست صالحة لك، أكثر من هذا فعيناها ترقصان. لم أفهم قصدها، لكن حين أصررت على شرح المقصود قالت:

– إنها ذات تجربة كبيرة. اكتفت بهذه الجملة القصيرة والتزمت بعدها الصمت وقد فهمت أنها تقصد “التجربة مع الرجال” . كنت أحب هذه الفتاة وكنت مستعدا للزواج منها. هذه الشابة التي كانت في أوقات انفرادنا تحرم على يداي عانتها ولا تسمح لي بملامستها . كانت حريصة على أن تحافظ على عذريتها حتى تتخطى عتبة الزواج. كنت كلّيا غير مرغوب فيه في مثلث أنوثتها. وإن واصلت الإلحاح كثيرا بفعل شهوة الحب المجنونة، تدير لي وللنشوة المجوسية مؤخرتها. مرة التقيت صديقا لي بالصدفة وأنا معها. كان الحديث قصيرا، وانتبهت إلى أنه يعرفها. في موعد آخر معه حكى لي عن حبيبتي وروى بالتفصيل كم هي مولوعة بالجنس وتفضل مثنى الرجال أو أكثر حتى تمتلئ وترتوي. تأكدت من الأمر لاحقا فافترقت عنها.

المرشحة الثانية لأن تكون تلك الأم التي ستنجب حفيدا لأمي، كانت جميلة أيضا. لم ترقص أمي معها هذه المرة، لكنها انفردت بي عند نهاية اللقاء وقالت:

– إنها جميلة جدا، إن أردت أن تتزوجها فسأبارك زواجكما، لكن ليس قبل أن أقول لك أن عليك أن تتزوج بها فقط إن كنت لا تفضل الاستقرار والراحة، وتبحث -في المقابل- عن المعاناة والعناء.

حين طلبت منها توضيحا قالت:

– إنها شابة صغيرة وتعبق بالأنوثة، لكن أرأيت التجاعيد التي تتشكل على جبينها حين تنظر اليك بجدية؟ إنها ليست تجاعيد العمر، بل تدل على أنها ليست امرأة سهلة. ستصعب صرامتها وتشددها وجديتها تحقيق الهناء والراحة اللتين يبحث عنهما كل الرجال في الزواج.

لم أكن أعرف أن في ما لفظت به أمي تكمن حكمة. باركتنا وتزوجت بها. عانيت كثيرا واستعصى علي أن أواصل حياتي مع الفتاة فافترقنا دون حفيد تهديه لأمي. أبي رجل أعتز به كثيرا، لكني أعرف -بالتجربة- أنه علي أن لا آخذ بنصائحه. إنه لا ينصح أحدا إلا بما هو مقبول ومتعارف عليه عند العامة. وكأن حوامة النفاق قد ابتلعته كليا في نصائحه. و أمي على غراره تنصح وإن كان ما تنصح به غير مقبول عند العامة. علاقة أمي وأبي جيدة. إنهما يحبان بعضهما البعض الى درجة كبيرة، يكملان بعضهما البعض رغم اختلاف شخصيتيهما وآرائهما. الفرق بين أمي وأبي كبير ويتجلى حتى في كرة القدم. في البداية كان أبي في حضورنا يحول التلفاز دائما الى الأخبار أو كرة القدم كي لا يجد نفسه متورطا في فضائح قد تحدثها مشاهد التلفاز الإباحية داخل الأسرة، لكن مع الأيام تطور حبهما لكرة القدم وصارت الكرة شبه دين لهما. أبي يختار دائما جهة القوي فيكون مشجعا لآياكس الأمستردامي في الدوري الوطني، ويكون مع أمريكا ضد روسيا ومع هولاندا ضد مالطا ومع المانيا ضد هولاندا. أمي عكسه تماما، فهي دائما تحن على الضعيف وتختار جبهته، فتكون مع فريق لاهاي ضد فاينورد ومع غانا ضد البرازيل ومع أندورا ضد هولندا.

كلما كبرنا أنا وأمي في العمر كلما طغت علاقة الصداقة على ما يجمعنا. أرافقها في بعض الأحيان إلى المقهى وأقول لها: – أمي، سنراقب اليوم كل الفتيات وعليك أن تقولي لي من تعجبك منهن ولماذا، وأنا بدوري سأفعل نفس الشيء. لاحظت أنها تميل إلى الضعيفات والنحيلات وكل الفتيات اللواتي يمكن أن يوصفن بالمسكينات. ذلك النوع من الفتيات التي ترى على تقاسيم وجوههن أنهن قد حملن من أثقال الدنيا أكثر مما يستطعن أن يتحملن وحتى هذه اللحظة لايزلن يعانين. طبع أمي هو هكذا.

قبل أشهر قليلة رافقتها لتشتري درَّاءا ( طائِرٌ مِن فَصيلَةِ الببَّغائِيَّات الصغيرة الحجم). في القفص الكبير المليء بهذا النوع من الطيور ومن كل الألوان، تخطت أمي تلك التي تطير وتلك التي تزقزق وتلك التي تنط فاختارت دراءا ضعيفة مسكينة لا تتحرك ولا تفارق ركن القفص.

– أمي ماذا تفعلين، إنها مريضة وتنتظر فقط أجلها. اختاري طيرا آخر، إنها قريبا ستموت كما يظهر الحال.

– لا يا بني، إنها ضعيفة فقط لأنها حزينة، ربما فقدت شيئا مهما في حياتها، ربما لا يحبها أحد، ربما يضايقها الآخرون… سآخذها وفي المنزل سأعتني بها وستستعيد عافيتها وستغني لي.

حتى البائع حين رأى الدراء على هذه الحالة لم يتجرأ أن يطلب كل الثمن فاكتفى بخمسة أورو فقط. في المنزل بقيت الدراء كئيبة طول الوقت وأمي تحزنها حالتها وتبكي أمامها وهي ترى صحة الدراء تسير من سوء الى أسوء. اشتريت شفقة بأمي دراءا أخرى كي لا تحس بالوحدة. ربما ستتعافى وتستعيد نشاطها وحيويتها وحب الحياة، لكن بدون جدوى. لم يكتب للدراء أن تغني لأمي ولو تغريدة واحدة. أبي الذي جهر لنا بأنه لا يحب الطيور بتاتا، ذهب بالدراء المريضة في سرية تامة إلى الطبيب، ولم ينكشف أمره إلا حين وصلت فاتورة تبلغ 75 أورو يجب أن تدفع. وكانت الدراء قد فارقت الحياة وبكت أمي كثيرا على فقدانها. في حين تحسرت أنا على أمي. لا زلت أبحث عن شريكة حياتي. آخر مرة فاجأتني أمي وهي تعرض علي فتاة من أجمل ما رأيت. شابة سنية ممشوقة القامة ومثيرة بأشكال أنوثتها.. إنها بالفعل ما أريده. أخيرا تجتمع طلباتنا وتنسجم. أمنية أمي ستتحقق قريبا، لكن شيء ما يمنعني. حتى الآن لم أستطع أن آخذ قرارا. أفكر في الفتاة التي اختارتها لي أمي، أفكر في أمي، في اختيارها، وفي طبعها. في الدراء وفي مصيرها…

2 تعليقات
  1. fatima يقول

    jamilon jidan ma khatatho anamiloka akhii..fakhtiyaro omika sa2iib kama lam tikhtii2 sabi9an fa akiid lan tokhti2a alaaan..domta saliman wadamat laka omoka wa man to3iiz.

  2. Nordin يقول

    توكل على الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.