القضية الأمازيغية بين نزعتين استئصاليتين -النزعة الاسلاموية/النزعة العروبية

قد لا يختلف الاثنان على أن القضية الأمازيغية لها عمق ثقافي وتاريخي غابر, العمق الذي يعود إلى العصور حتى ما قبل التاريخ, حيث يؤرخ الباحثين في هذا المجال للتواجد الأمازيغي في شمال افريقيا الى أزيد منذ 5000 سنة قبل الآن, أي 3000 سنة قبل الميلاد, ويذهب ابن خلدون في كتابه العبر نفس الشيء حيث يقول ان الامازيغ او ما يطلق عليه هو البربر كانوا يقطنون في شمال افريقيا منذ أن عرف التاريخ نفسه, وهذا يعني عند المؤرخين بداية المرحلة التاريخية التي يتوفرون فيها على الدلائل المادية التي توضح ظروف المعيشية للشعوب وأماكن تواجدها.
فعل سبيل المثال لا الحصر نجد أقدم اكتشاف لبقايا الانسان بالجزيرة العربية تم العثور عليه باليمن لا يتعدى عمره 24000 سنة, بينما الاكتشاف الذي وقع بناحية الدار البيضاء.الذي يطلق عليه المتخصصين برجل سيدي عبد الرحمان, فان تاريخ حياته يصل الى 100000 سنة قبل الآن, أما رجل ايغوذ الذي اكتشف بجبل ايغوذ قرب مدينة أسفي فان تاريخ وجوده يعود الى 130000 سنة قبل اليوم.
كما يوضح المتخصصين في هذا المجال,أن شمال افريقيا ربما تكون هي المهد الأول للإنسان, ويعتبر المغرب بصفة خاصة وشمال افريقيا بصفة عامة المنطقة الفريدة في العالم التي تم العثور فيها على كل التسلسلات الهيكلة سواء بالنسبة للانسان الحالي الذين يطلق عليه المتخصصين الانسان العاقل العاقل, او الهياكل الاخرى التي تقترب من صورة الانسان الحالي, مع العلم ان البعض المتخصصين يعتبر هذا النوع الاخير منذ انواع الاقرب الى الحيوانات التي لا علاقة لها بذرية آدم.
إذن من خلال هذا نستشف الامازيغية كانسان وشعب وتاريخ ولغة وهوية لها عمق ثقافي وحضاري منذ القدم, وكل الدلائل العلمية المادية تؤكد ذلك, بعيد عن لغة الخشب والاكاذيب التاريخ الرسمي الذي تعلمناه, وبالتالي نطرح السؤال الذي من الممكن ان نصل من خلاله الى بعض الاسباب التي أوصلت الى سلب لهذه المنطقة عمقها وتاريخها وهويته الحقيقية, ونقول كيف حدث ذلك؟
لا ننكر أن الأمازيغ شمال افريقيا قطعوا مراحل مهمة مع الغرب قديما, وتحاربوا عسكريا, كما تأثروا وأثرو في هذا الغرب ثقافيا وحضاريا, لكن مع ذلك فالغرب لم يسلب كيان هذه المنطقة كما سلبتها تأثير العربي الاسلامي, هذا الأخير الذي لون المنطقة تلوينا خاص, تراجع معه معه المعالم الحضارية ان لم اقل انمحت, وذلك عن طريق النزعتيين الأحاديتين, نزعة اسلامية وأخرى عروبية, الأولى ذات مرجعية دينية والثانية ذات مرجعية عرقية, وهما نزعتان وان اختلفتا على مستوى الظاهر إلا أن في عمقهما يوحدهما نفس الهدف.
وهكذا خلفت هذه النزعتين تداعيات سلبية على المنطقة ما زال الشعب الامازيغي يعاني ويلاتها, وصعب عليه مقاومتها لأن الأسس التي انبنت عليه هذه النزعتين يطغى عليهما ما هو ديني, بل حتى ما هو عرقي ميستند الى ما هو ديني “النسب”. ثم الشق الديني اتخذ من “الحتمية” منطلقا له, وجعل من الثابت منطلقا للأفكار والتصورات وهذا التفكير الأحادي عمم على جميع المجالات سياسية كانت ام ثقافية, حضارية ام تاريخية ام هوياتية, وكان هذا الفهم الأحادي كذلك منطلقا للأفعال والممارسات في التعامل مع سياسات دول شمال افريقيا وتطبيقها على شعوبها, حتى يتم ترويض شعوبها ل “الانسجام الاجتماعي” وحراستها بعدم الخروج عن هذا “الانسجام” حتى لا يمس الكيان الاخلاقي الاجتماعي ويزعزع تلاحمه.
هذا ما سلب للمنطقة عمقها التاريخي والثقافي, من خلال هذه النزعة الأحادية, وجعل الشمال الافريقي منغلقا على ذاته الأحادية, والتي لا ترى في الإنفتاح على الآخر سوى تهديدا لإنسجانها وتلاحمها, وكل من خرج عن هذا التفكير وهذا الانسجام كانت الهرطقة والتكفير والقتل والزندقة والخروج عن الجماعة من معايير الحكم عليه.
أما النزعة العروبية العرقية كانت “مركزية الذات” هو منطلقها, يلعب فيها “العرق” و”النسب” واللغة دور الرئيسي للحكم على الآخر ورميه في الخارج المطلق, فالنسب هنا هو الكل في دولة العرقية,هو الوحيد الذي من حقه ان يتفرد بالحكم والسلطة لأن هو الضامن لاستمرارية هذه السلطة نتيجة موقعه الاجتماعي الشريف الذي معه تأتي البركة والرخاء, ولغته هي الأفضل ما دام هناك تفاضل عرقي.
وأمام هذا التفكير المعيب لدا النزعتين الإسلاموية والعروبية العرقية حتمت على منطقة شمال افريقيا أن تؤدي ضريبة قاسية بفعل هذا التفكير الأحادي, وذلك من خلال حصر أساليب العيش والحياة في قوقعة المرجعية الدينية تارة, وتارة أخرى من خلال اعتماد المرجعية العروبية العرقية هذه الأخيرة التي يرجع فيها الغلبة لمركزية العرق واللغة لتأتي مركزية التاريخ والثقافة والهوية ثم السياسة التعليم والتربية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.