القبائل الأمازيغية والحق في الأرض (1)

يرتبط الوجود البشري ارتباطا وثيقا بالأرض التي ينتمي إليها وكبر وترعرع فيها، تلك حقيقة أزلية جبل عليها الإنسان منذ القدم، على اعتبار أن هذه العلاقة لا تنفصل عنه ما دام على قيد الحياة كونها رابطة روحية تزداد مع تقدم الإنسان في العمر وفي عمقها شبيهة بعقدة الأمومة أو الأبوة في مملكة الإنسان، إلا أنه بسبب تزايد عدد البشرية أصبح للأرض حدود و ملكية ووثيقة انتماء لتلك الأرض وتنظيم قانوني أوجده المشرع لينظم تلك العلاقات الإنسانية الأساسية، من هنا جاءت فلسفة حق الملكية la propriété  ” كحق مقدس،وكعقد دستوري بين الدولة والشعب( الفصل 35 من الدستور المغربي ).

إن ارتباط الإنسان بالأرض، هو بالأساس ارتباط بالوطن في أبعاده المختلفة، سواء الجغرافية أو التاريخية أو الحضارية والهوياتية، وإذا كان الأمر كذلك، فتجريد الإنسان من الأرض التي ينتمي إليها وتربى فوقها، هو في جوهره تجريده  من هويته وثقافته ووطنه، وهذه الأخيرة كلها عناصر رمزية مهمة، لا يمكن للإنسان أن يحيا بدونها، وهذا ما يبرر حق الإنسان في أرض وضرورة التمتع بهذا الحق. وبما أن علاقة الإنسان بالأرض هي علاقة عاطفية وفكرية قوية يصعب فصلها عنه، فمن الواجب التفكير في تقوية وتثمين هذه العلاقة بتسخير جميع الوسائل القانونية والأخلاقية التي من شأنها أن تقوم بهذه الوظيفة، بوصف الإنسان وسعادته هي الغاية القصوى للحياة في سائر المجتمعات.

إن الحق في الأرض هو حق في الانتماء إلى بيئة وجغرافيا وتاريخ ووطن وحضارة تشكلت على هاته الأرض، وهو حق رمزي لا يمكن فصله عن منظومة حقوق الإنسان الشاملة، التي تكفل له حياة كريمة. ويشهد تاريخ البشرية على مدى تمسك وتشبت الإنسان بالأرض عبر العصور وعدم قدرته على التنازل عنها لصالح إنسان آخر أجنبي وغريب عنها. ويكفي أن تتأمل الغزوات الاستعمارية للبلدان عبر التاريخ لنرصد كيف كان الناس كمجموعات بشرية متحدة أو كأفراد يواجهون المستعمر الغازي لأرضهم وكيف كان حجم التصدي له شديد وعنيفا، بل إن الناس ضحوا بالغالي والنفيس وبأرواحهم في سبيل طرد المستعمر الذي ينظر إليه دائما كعدو يرغب في الاستحواذ على أغلى ما يملكونه وهو “الأرض”. وقد خاضت المجتمعات التي تعرضت للاستعمار حروبا ضروسة ومعارك دموية ضارية طويلة الأمد، تمكنوا بفضلها من استرداد أراضيهم ودفع المستعمر على مغادرتها مكرها. وخير شاهد على ذلك مدى مقاومة المغاربة عبر التاريخ للمستعمر بشكل شرس، سواء في الحقبة المعاصرة (ق20)، أو في الحقب القديمة (ما قبل دخول الإسلام إلى أرض المغرب).كما اعتبرها القانون الدولي عنصرا أساسيا من بين العناصر الثلاثة المشكلة للدولة ( الشعب، الإقليم و السلطة السياسية ) les éléments constitutifs de l’État

إن قيمة الأرض عند الإنسان لا يمكن تصورها بأي شكل، وهذا معطى واقعي وتاريخي يمكن التأكد منه لدى جميع الشعوب في العالم، واستعداد الإنسان في أية بقعة جغرافية للتضحية بحياته من أجل أرضه كرمز للعطاء المادي والمعنوي، يزكي ويؤكد هذا المعطى، لأن ثمة حنين يشد الفرد إلى الأرض الأم بشكل يومي، ويذكي في نفسه حبها ويقوى الشوق إلى اعتناقها، ولو كان متواجد خارجها. وفي هذا الإطار يمكن أن نتأمل كيف كان النفي خارج الأرض الأم أقسى عقوبة يتعرض لها الإنسان المرتكب لجريمة أو مخالفة لدى القبائل الأمازيغية القديمة ( امزواكAMZWAG  ) حسب أعرافها وقوانينها، وهي عقوبة لا يستطيع الإنسان تحملها، لأن الإنسان الأمازيغي كان يدرك جيدا مدى ارتباط الإنسان بالأرض التي هي في مقام الأم. وما هذا إلا نموذج لإثبات قيمة الارتباط الروحي بالأرض عند الإنسان.

إن حب الأرض (الوطن والموطن) فطرة مخلوقة في روح الإنسان، كون الإنسان ابن الأرض التي ينتمي إليها قبل أن يكون ابنا لأبيه وأمه، إذ هو جزء منها وهي جزء منه، وهي التي سوف تحتضنه بعد موته، والعودة إليها في أذهاننا شيء ملازم لنا، بل لا نتقبل الابتعاد عنها ولو كان ذلك مؤقتا، حيث نجد أنفسنا مسكونين بها ثقافيا وفكريا ووجدانيا، بوعي أو بدون وعي، لذلك لا يمكن تصور حياة طبيعية وعادية للإنسان، بالإنفصال عن الأرض الأصلية، أرض الوطن.

وإذا كانت للأرض كل هذه الأهمية وكل هذه القيمة والمكانة العالية في حياة الإنسان، فإنه من الواجب على الدولة والمجتمع أيضا، التفكير بجدية في جعل امتلاك الأرض وتملكها حق مكفولا قانونيا وأخلاقيا واجتماعيا لكل مواطن، ومن الضروري صياغة وبلورة رؤية متكاملة وواضحة تصون الأرض وتحمي حق الإنسان فيها، بوصفه متواجد فيها، يخدمها ويسكنها ويستفيد منها ويستغلها وينعم بخيراتها.

لقد عرف العقد الأخير في تاريخ المغرب، موجة غير مسبوقة للترامي على الأرض ( أراضي جلها منتمية إلى قبائل امازيغية مهمشة ) ونزعها وبيعها وشرائها بأبخس الأثمان من طرف لوبيات العقار، وتجريد أصحابها ومستغليها منها لأسباب مختلفة القاسم المشترك بينها، إبعاد الإنسان عن أرضه وقتله رمزيا . وهي لوبيات محمية ومحصنة من الإدارات الفاسدة وذوي النفوذ، ومن الدين لا يعرفون جيدا قيمة الأرض عند الإنسان ولا يؤمنون بحق الإنسان فيها،وفي هذا الصدد يقول الحكيم الامازيغي :

“AYAKAL NYAN AFAYTMUT  “

إن تأمين حيازة الأرض، والممتلكات سيشكل مساهمة مهمة لضمان التقدم الاجتماعي والاقتصادي في القرى، وسيدعم الحد من الفقر واستدامة السلام والأمن وتحقيق التنمية المنشودة. وان وتهيئ حيازتها وفق الاحتياجات المحلية وأعراف القبائل الامازيغية ،ستساعد في عمال مجموعة من الحقوق الاجتماعية والثقافية ،والحد من مجموعة من الظواهر…

( يتبع )

ذ. عبد الرحمان شنا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.