الاستاذة لطيفة البوحسيني تكتب: القانون لا يعوض السياسة

لطيفة البوحسيني

بقدر ما أتفهم أن يتم كل مرة اللجوء إلى المرجعية الدستورية في المحاججة للدفاع عن مشروع أو قضية، بقدر ما لا أطيق التعامل مع الدستور وكأنه إطار ثابت، لا يتحرك ويحتاج فقط لتقنيين وخبراء في مجال القانون لنسج قوانين مستمدة منه وعلى مقاسه.

أولا، لابد من التذكير بأن الدستور الذي تم التصويت عليه في يوليوز 2011 يتضمن الشيء ونقيضه…وكان واضحا منذ البداية، أنه دستور التوافق في سياق سياسي يبدو أن الهم الذي شغل أهم الفاعلين السياسيين والمدنيين في الساحة كان آنذاك يتمثل بالأساس في احتواء الحركة الاحتجاجية بأقل كلفة سياسية ممكنة….هذا ما يفسر أن الالتفاف كان هو سيد الموقف، وحرصت اللجنة التي بثت في الصيغة النهائية قبل تقديمه للإستفتاء على أن يجد كل واحد نفسه فيه؛

ثانيا، لا يخفى على أحد أن ما حمله الدستور من تناقضات ترك للفاعل السياسي الحسم فيها في إطار الصراع السياسي وميزان القوة الذي سيفرزه وحسب التأويل الذي سيتم التقدم به ؛

ثالثا، حينما نومن بضرورة وأهمية البناء الديمقراطي، لا يمكن إلا أن نقبل بالنتائج التي يفرزها الصراع والمنافسة السياسية حتى وإن جاءت عكس ما نصبو إليه وما نتمناه…بل وحتى وإن حملت إلى الواجهة تيارا نعتبره مناقضا للتقدم وللديمقراطية نفسها. هذا صراع يحتاج إلى وقت وإلى نفَسٍ ويحتاج إلى مشروع بديل وإلى القدرة على الدفاع عليه وإلى حامليه، رجالا ونساء، من المومنين الصادقين والمومنات الصادقات به. إذ ومهما كان العجز السياسي، فلا يمكن التعويل فقط على القانون، بل يجب البحث لتجاوز هذا العجز.

رابعا، وتتمة لما سبق ذكره، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نختزل الحياة العامة في البعد القانوني الصرف حتى وإن تعلق الأمر بالدستور. لابد من قبول واستيعاب أهمية المنافسة السياسية التي هي شرط بناء الديمقراطية والتي تمنح للدستور نوعا من الحياة وتجعله ديناميا وليس نصا جامدا…غير ذلك، وفي حالة التشبث الأعمى بهذا التعامل، سنسقط في نظام حيث الهيمنة للقانون الذي يطبخ في مختبرات رجال وخبراء القانون. في هذه الحالة لا يبدو أننا بحاجة أصلا إلى منافسة سياسية. فقط، وجب أن نستوعب جيدا أننا لن نبني الديمقراطية بهذه الطريقة.

خامسا، يصبح الدستور مرجعا ومرجعية حينما يولد في إطار مخاض بل وصراع يجعل الجميع متفِق على مضمونه ومؤمن به ايمانا صادقا لأنه يترجم الركائز التي يعتبرها الجميع ضرورية لسيادة الأمة. تتم فيما بعد المنافسة حول المشاريع السياسية والاقتصادية والمجتمعية التي قد يتم الاختلاف بشأنها دون أن يكون هناك مساس بالتواثب التي يُتفق حولها.

إن الفعل السياسي شرط لبناء الديمقراطية…وهو ما يجعل القانون في خدمة السياسة وليس العكس.

تعليق 1
  1. أبو محمد يقول

    ليس لدي تعليق أريد فقط أن أشير إلى أن لا شيئ يمكن مشاركته انطلاقا من جريدتكم. ربما لم تنتبهوا لذلك. قد يكون ذلك بفعل فاعل. شكرا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.