القاعديون في الاعلام

محمد المساوي
في كل مرة تشهد فيه الجامعة المغربية حدثا ما يكون أحد تيارات القاعديين طرفا فيه، تهرع وسائل الاعلام لتدبيج مقالات معجونة على عجل للحديث عن القاعديين أو عن “البرنامج المرحلي” بوصفه التيار القاعدي الذي طالما خلق زوابع اعلامية بسبب ما يقدمه عليه من مواقف أو تصرفات.
من الناحية المهنية جميل جدا ان تسارع الصحف والمواقع الالكترونية الى نشر روبورطاج او تحقيق او تحليل او اي مادة صحفية تروم تقريب القارئ الى هذا المكون الطلابي الذي شغل الرأي العام الوطني، لكن من المقرف أن ينتهج محررو هذه المقالات مسلك “حطّاب الليل”، يحطبون كل شيء في حزمة واحدة محكومين بالتسرّع والرغبة في استباق استدرار “النقر الالكتروني” فيسقطون في تكريس اللبس الذي يسم هذه التجربة اصلا.
إن تجربة القاعديين كانت محكومة بمجموعة من الظروف جعلت منها تجربة يصعب القبض عليها “تأريخيا”، من تلك الظروف التي ساهمت في خلق هالة من اللبس هو أن التجربة تأسست على مبدأ الاستقلالية عن تنظيمات الشارع، كيفما كانت هذه التنظيمات، وحتى عندما حاولت منظمة “الى الامام” مدّ روابط الاتصال مع القاعديين رفض أغلبهم ذلك. وهذه الاستقلالية التنظيمية بقدر ماكانت ايجابية في جوانب معينة، كانت سلبية ساهمت في اشاعة اللبس وكذا ساهمت أحيانا في تفاوت مواقف القاعديين من موقع جامعي الى اخر، أضف الى ذلك ان التجربة لم تخلف ارثا مكتوبا يساهم في تسليط الضوء على كثير من مكامن العتمة، كل ما هنالك اوراق ووجهات نظر طُرحت على شكل مقالات، وهناك مقالات/شهادات لنشطاء قاعدين سابقين وهو ما يُسقط هذه المقالات في تضخيم الذات حتى وان ادعت انها تلتزم اقصى درجات الحيّاد، احيانا تسقط هذه المقالات في هذا التضخيم عن جهل بالمعطيات كما تبلورت في مختلف المواقع الجامعية، فمثلا قد يتحدث أحدهم عن تجربة تيار من القاعديين في موقع جامعي معيّن، ومنه قد يعتبر ان هذه التجربة هي تجربة تياره في باقي المواقع الجامعية المغربية، في حين ثمة تفاوت كيف ظهرت التيارات القاعدية او تلك التي تنسب نفسها الى التجربة بين موقع جامعي واخر، بل ثمة مواقع جامعية لم تسجل حضور ابدا لهذا التيار او ذاك، وقس على ذلك، هذا المطب سقطت فيه جملة من المقالات التي خطها قاعديون سابقون، نقول سابقين على اعتبار ان العمر الافتراضي للقاعدي هو المرحلة الجامعية فقط استنادا لمبدأ الاستقلالية…
للتأريخ لهذه التجربة لابد من وضع نفس المسافة مع كل التيارات المنتسبة للتجربة، وايضا لا بد من وضع حكاية كل طرف على مبضع التمحيص والمقارنة، ولابد من استحضار أن تجربة هذه التيارات التي تعلن انتسابها لتجربة القاعديين محكومة بهاجس سَكَنَ وعي ولاوعي كل من مرّ من هذه التجربة أو تلك، هذا الهاجس يختزله السؤال الوجودي الاثير الذي طبع نقاشات القاعديين؛ نقصد سؤال: من هم القاعديون؟ لذلك فأي شهادة لأي قاعدي سابق هي بالضرورة مدموغة بنوع من الجواب على هذا السؤال/الهاجس…
تتبعتُ بعض ما كتبه القاعديون السابقون من تدوينات فايسبوكية أو مقالات، فبدا لي أن جل هذه التدوينات والمقالات يجمعها قاسم مشترك هو حضور هاجس الجواب على سؤال: من هم القاعديون؟ اي من هو التيار الاجدر بتمثيل القاعديين والاكثر وفاء للخط الذي سطروه سنة 1979 في البرنامج العام.
إن تجربة القاعديين تعد تجربة سياسية شبابية طلابية مهمة طَبعت تاريخ المغرب الحديث لفترة من الزمن فاقت 30 سنة، وكان لها تأثير مباشر او غير مباشر على الساحة السياسية والاجتماعية، لذلك فإن امر الكتابة حولها وتوثيقها هي مهمة ضرورية يجب أن تُنجز، لقراءة تاريخ هذا الشعب وهذا الوطن وتاريخ الجامعة المغربية والحركة الطلابية، ومن المؤسف ان ينحصر التأريخ والتوثيق لهذه التجربة في بعض المقالات المجتزئة التي عادة ما تُنشر كلّما برز اسم هذا المكون الطلابي الى سطح الاهتمام الاعلامي.
إن الكتابة الموضوعية حول هذه التجربة لابد أن يتخلص من عاهتين تحولا دون تحقيق معرفة الشيء؛ عاهة تقديس التجربة والنظر اليها بوصفها ارقى ما انتجته الحركة الطلابية، وعاهة تدنيس التجربة وبثّ سموم الحقد والتهجم عليها لغرض تصفيتها، كلتا العاهتان تساهمان في تكريس اللبس والتهويش، لذلك لابد من قراءة التجربة بعيدا عن منطق ثنائية التقديس والتدنيس. أضف الى ذلك، ولسبب انعدام مراجع يمكن الاتكاء عليها لقراءة التجربة، فمن يقدم على الكتابة حول الموضوع يُفترض فيه أن يحوز حدا ادنى من المعرفة بالسياق السياسي والاجتماعي الذي انتج التجربة، وكذا لا بد من الالمام بسياق بعض المواقف التي انتجها القاعديون، فمثلا مواجهة البيروقراطية، او العمل الوحدوي مع القوى الاصلاحية، لا يمكن فهم الموقفين جيدا دون استحضار السياق الذي انتجا فيها وبماذا كان يتميز.
إن التوثيق لهذه التجربة بعيدا عن استسهال المقالات الصحفية التي تُدبّج على عجل، سيساهم دون شك في فهم مرحلة مهمة من تاريخ الحركة الطلابية والجامعة المغربية، وهو ما سيفتح الباب لفهم أعمق لما يجري الان في الساحة الجامعية والمآلات التي آلت اليها الحركة الطلابية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.