القاعديون أنبياء أم شياطين*

جابر الخطيب

تساءل يوما أحد رموز القاعديين زمن الثمانينات ” القاعديون ثورة أنبياء أم ثورة شياطين؟” عند مقاربته لتجربة القاعديين بكتابه ” الأحزاب السياسية المغربية بين عهدين”. استحضرنا هذا العنوان الاستنكاري من قبل الكاتب بعد سيل المواد الإعلامية المتناسلة التي لم تقف عند حدود وحيثيات المحاكمة المعلومة المدانة من قبل ما يسمى ” البرنامج المرحلي” وأخرى مماثلة يتحمل هذا التيار بعض المسؤولية، ودون متابعة حملة الاعتقالات العشوائية في حق الطلبة من دون أي رقيب وتستهدف كل المواقع الجامعية الممانعة، بل يتم التركيز والتطاول على تاريخ القاعديين ككل والنيل من هذه التجربة الممتدة لحوالي أربعة عقود بتوهجها النضالي ومعتقليها وشهدائها، وأيضا بانكساراتها وأخطائها القاتلة، وهو ما يصدق عليه المثل الشعبي ” طاحت البقرة كثروا الجناوا”.

-القاعديون أنبياء أم شياطين

يمتد تاريخ القاعديين لما يربو عن اربعة عقود بكل التحولات والانهيارات الذي عرفه المغرب والعالم، هذه التجربة المتفردة في مسار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وهو الفصيل الطلابي الذي عمل على استيعاب ارث الطلبة الجبهويين واليسار الجديد عموما، من دون أي ارتباط تنظيمي معه وذالك لأسباب أمنية وغيرها، وتمكنوا من الهيمنة انطلاقا من برنامجهم الانتخابي خلال المؤتمر السابع عشر الذي لم يكتب له النجاح لأسباب طال النقاش فيه حيث ظل سؤال فشل أم إفشال المؤتمر الأخير حارقا في كل نقاشات القاعديين التنظيمية الذي امتد لسنوات طويلة .

-استقلالية القاعديين نعمة أم نقمة

يعتبر كثير من المهتمين بتجربة القاعديين أن الاستقلالية التنظيمية لفصيل الطلبة القاعديين عن أي تنظيم سياسي خارج أسوار الجامعة بقدر ما كان مصدر قوتهم من داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، بحيث اعتمدوا على ذاتهم في الإجابة على إشكالات الحركة الطلابية، وأكسبهم روح المبادرة والخيال والخلق من دون انتظار أي توجيه من الخارج، ومنحم ثقة في النفس وإحساس بالقوة الجماهيرية الذي لم يعد يضاهيه أي فصيل تاريخي آخر لسنوات عدة.. لكنها هذه الاستقلالية أيضا كانت نقطة ضعف هذا الفصيل وسبب من أسباب تشظيه لتيارات عدة، والتطاحن أحيانا فيما بينها حول مشروعية الانتماء من عدمه لفصيل الطلبة القاعديين التاريخي. كل الكتابات الصحفية المتسرعة، والأخرى البغيضة على التجربة اختصرت تجربة القاعديين في صراعات وشعارات، ولم تتطرق لإرثها النقابي العتيد، حيث يسجل تاريخ الحركة الطلابية أن القاعديين، وبالرغم من كل معوقاتهم الذاتية وأخطائهم القاتلة أحيانا، ظلوا الوحيدين أحيانا بالساحة الجامعية مرتبطين بهموم الطلبة، مدافعين عن مطالبها ومحصنين بعض المكتسبات، بالرغم من الضربات المتعددة التي تكالبت عليهم من جهات عدة، واستطاعوا توقيف مشاريع كانت تستهدف التراجع عن بعض مكتسبات الجامعة المغربية، وتكريس أعراف تضامنية وقيم نبيلة وحرة بحرمة الجامعة، في الوقت الذي انتفى وجود الفصائل التي كانت تسمى تاريخية من الجامعة ولم تعد مهتمة لمصير الجامعة وبقي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب معلقا بيد القاعديين، وبعدها اقتحمت التيارات الاسلامية الجامعة عنفا لتعمق الأزمة أكثر.

وظلت تجربة القاعديين منفلتة عن التأريخ بشكل موضوعي، بالرغم من زخم النضالات البطولية التي سجلتها في تاريخ الحركة الطلابية وخارجه، وحجم المتعاطفين والمنتمين لهذا الفصيل الممتد على ثلاث عقود ونيف، والضريبة الذي أداها هذا الفصيل بعدد معتقليه وشهدائه مقارنة بأحزاب ومنظمات أخرى.

بقي القول أن تاريخ تجربة القاعديين ظل مرتبطا برموزها الذين غذوا كل الإطارات والتنظيمات السياسية والحقوقية يمينا ويسارا، كما تغذت مؤسسات الدولة بالعديد من أطر ها، مما ترك القراءة في هذه التجربة مرهون بالمواقع والتطلعات الجديدة والبعيدة عن روح القاعديين المستقلة. تحرير تاريخ القاعديين أصبح ضرورة ملحة اعتمادا على مناهج علمية تستقي الموضوعية والحياد، وبعيدا عن أي تأويل ضيق أو تعاطي وجداني مع هذه التجربة النقابة والسياسية الغنية في تاريخ المغرب، حتى لا تضيع هذه التجربة في ظل حملة عشواء من قبل كل المتربصين، واستغلال حادث بشع وملتبس تحوم حوله كثير من الأسئلة، وأحداث عنف أخرى متفرقة بالجامعات المغربية والتي تتعارض وفضاء الجامعة الذي يجب أن يبقى فضاء العلم وقيم الحرية والتقدم وغيرها من الأعراف النبيلة التي كان للقاعديين الفضل في تنميتها والحفاظ عليها لعقود.

* إحاطة :العنوان مستوحى من كتاب أحمد الجزولي” الأحزاب السياسية المغربية بين عهدين”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.