الفلسفة هاي كلاس

لم يكن يوم افتتاح الدورة 35 للملتقى الذي نظمته جمعية “ضفاف متوسطية” وجمعية “هيئات الفلسفة باللغة الفرنسية” ASPLF ، حول تيمة “الممكن والمستحيل”، بالمكتبة الوطنية بالعاصمة الرباط، بالروتيني والعادي كباقي الملتقيات الفكرية التي تتسم بكونها للعموم، ومنفتحة على الباحثيين والفضوليين من مدمني الصور، وصائدي الفرص ومقدمي البيعات والمعبرين عن الولاءات، للدخول بشكل مفضوح إلى عالم الفكر من بابه الضيق، حيث المجاملات رأسمال وادعاء الاهتمام ديدن الجهال والمدعين…

لم يكن لا هذا ولا ذاك، ولم يكن الدخول عموميا بل عن طريق الانتقاء القبلي من خلال الحصول على دعوة بالاسم للحضور إلى “أغورا” القرن الواحد والعشرين هناك بالمكتبة الوطنية بالرباط، أو عبر التأشير المباشر من أهل الدار للضيف “المتطفل”.

الممكن صار مستحيلا من الوهلة الأولى، من محاولة الولوج الى ردحة الفضاء الواسع للمكتبة الوطنية، التي وجدت نفسي بها غريبا، ككائن خرافي لا علاقة له بهذا العالم، وسط ثلة من الباحثين الاجانب ذوي اللكنات المتعنتة والمتحذلقون حتى في طريق نفث السجائر…

الممكن صار مستحيلا، من خلال ممارسة الضبط وكشف الهوية، لأي مدع لم يجد أين يبذر وقته الضائع ذاك المساء، وسمع فقط عن تنظيم ندوة وضرب الأخماس في الأسداس، وتنذر مستبشرا بوجود وجبة العصرونة “مشروبات وحلويات..”

الممكن صار مستحيلا إذن، رغم أنها تيمة معقدة وغير متاحة للتفكير والإغراق في التنظير عبر ممارسة بروتوكولية قلما شوهدت أمام مطلب عمومي مفاده انفتاح الثقافة والفكر على الناس، وكسر الحاجز المقصود أو غير المقصود بينهما، وفض النزاع المفتعل بين البرج العاجي للمفكر، وسطح الفضول والادعاءات للغوغاء، أو الدهماء بتعبير ابن رشد، الذي صدح عاليا انه لا يجب أن نخاطب عموم الناس بخطاب الفلسفة، الم يبني أفلاطون بناية سماها الأكاديمية ليدرس طلابه الرياضيات والحكمة؟

سألت أحد الأساتذة المشرفين على تنظيم هذه الدورة، لم كل هذا الحرص على النظام، أجابني جوابا بدا لي لأول وهلة طائشا: يجب وضع عد للفوضى؟

وضع حد للفوضى… هكذا، بكل السفور والإسفاف الذي تحمله الكلمة، خاصة أن مراهقة الفكر تحب الفوضى وتكره الحرص على النظام الذي قال عنه نيتشه، انه نقص في النزاهة..

تقدم المنصة وزراء الفكر والثقافة بالبلاد، وجدوا أنفسهم أمام مقصلة العقل، تفنن كل واحد منهم في أن يخرج سالما على الأقل من حدة النقد، وهيهات ان يخرج غانما..

اختاروا كلماتهم بكل الأدب والأناقة ليعلنوا أمام الشهود الإفرنجي أنهم مع الفكر والفلسفة، بل أبدع احدهم قائلا “رغم اني بعيد كل البعد عن الفلسفة إلا أني أتذكر ذات يوم في الماضي السحيق، أن نشرت لي الجمعية المغربية للفلسفة مقالا لي حول التكنولوجيا، كنت حينها يافعا اشق طريقي..”

هكذا، الافتتاح كان بطعم العرس في جزيرة معزولة هناك، ضيوف العرس أقارب العروسين وفقط.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.