“الـقُــرْعَــة” و “الــقَــرْعَة”

الإختلاف لا يعدو أن يكون في حركة لغوية على حرف “القاف”، لكن المعنى مختلف، إختلاف أديم الأرض مع سقف السماء.

حركة “الضمة” بعثت في حرف “القاف” حياة و لهث الكثيرون خلف حُلم أن ترسوا “القُرعة” على شطّ ميناء تعاسته داخل هذه البلاد. وبما أن “الضمة” تحمل صفات الضمّ والإحتضان، فهكذا تفعل أمريكا مع طموح و رغبات شباب وشابات البلدان المُتخلفة و التي يسيّرها بشر ما عرفوا للحقِ سبيلاً.

“الفتحة” أنين و ألم و جرحٌ يترك أثره في النفوس، و بما أن لا شيئ يمكن أن يفرح “المخزن” في فتحه لك سوى مؤخرتك، فهو يتفنن في إختيار “القراعي” الكفيلة بجعل “الفتحَةِ”، تحتاج لسنوات كي يلتئم جرحها ولحياتك كلّها، كي تنسى “الحكرة” و العذابات النفسية جراء التنكيل بك و مسّ كرامتك التي يحاولون أن يسلبوها منك بأيّ طريقة كانت. فأن تبيتغي و تصرخ وتأمل في أن تصير إنساناً و مواطنا داخل هذه الرقعة الجغرافية، و أن تحلم بقانون يطبق على الجميع، و ترجوا عدلا ينصفك حين يستبد بك الظلم، فهذا معناه أنك ستقتعِد فوهة قنينة داخل زنزانة بارة بأحد “كوميساريات” هذه البلاد العجيبة.

فتصير عاجزا عن البوح بما قاسته مؤخرتك، ما عدا لأمك و الطبيب الذي إعتدت أن تزوره كي يوقف الألم.

أمريكا “عدوة الشعوب” هذا كنا نناديها في تجمعاتنا أمام باب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، هيّ اليوم إحتضنت شابا “جات فيه القُرعة” مريضا “ببوصفير”، وحيّن حمل لهم ورقة الكشف الطبيّ، إبتسم المسؤول في وجهه وقال له: “لا تخف فنحن سنعالجك لأننا أردنا إنتشالك من وضع يستحيل معه أن تعالج نفسك”. بينما شاب آخر قُبض عليه حّين رفعَ ورقة كُتبت عليها عبارة “قهرتونا”، و وجدهم يضعون “قنينة” في أخر ركن من الزنزانة الباردة عند إستقباله.

عبد السلام الرجل الخمسينيّ صاحب الشعر الأبيض، الذي إعتاد أخذ صورا تذكارية للراغبين في ذالك داخل ردهات الكليّة، يعلّق إعلانا على حقيبته الرثة التي يضعها على الرصيف الإسمنتي بمدخل الكلية، يشرح لبضع طلبة شروط الترشح “لقرعة” أمريكا. مئات الطلبة يبتغون الهروب من وطن لم يلاقوا منه سوى الجفاء و القسوة، فهم علموا أنه مع قرارات أحزاب الأغلبية و خلاصات المُذكرة الثلاثية فإن مؤخراتهم ستصبح عرضة “لقراعي” المخزن، لهذا فروا نحو التسلح بأمل أن يقف معهم “الزهر” و تكون “قُرعةَ” أمريكا من نصيبهم، فيتركون لهم قراراتهم و قوانينهم التي لا تطبق سوى على “الرعاع” من الشعب.

فذلك الطالب الذي قدم من أقصى المغرب “المَحكور” ليس عليه أن يحلم بوطن يحتضن الجميع. هم يريدونه أن يكون قنينة يملئونها بما يشاءون وإن إحتجّ ستكون تلك القنينة هي سبب قصّ أجنحة حلمه. يُريدونه أن يكون مثل تلك النعجة التي ترك والده يرعاها في دوارهم، و إن ركبه “عفريت” الحلم عليه أن يحلم بالعودة لإرث عصى والده التي كان يهشّ بها على غنمه.

وتلك الطالبة التي ركبت الحافلة و والدتها تودعها مغالبةً دموعها ليس عليها أن تحلم، فما عليّها سوى أن تراقب نهدها كل صباح على المرآة و تعتني بهما، و إن كبُرا عليها العودة من حيث أتت لتبحث عن زوج “يَدْعَكُهُمَا” لها ليلاً، أو أن تتحول لجسدٍ يمتطيه شيوخ ” البترودولار” كيّ يجودوا علينا بإعاناتهم ومساعداتهم.

عليهما أن يحشرا أنفسهما داخل مدرج بالكلية و يغيب الأستاذ ويلزما الصمت. أن لا تُصرفا لهما “المنحة” و يتسلحا بالصبر. أن تتأخر الحافلة أو لا تأتي و يقطعا الطريق مشيّا دون أن يتذمرا. أن يجتهدا و يثابرا وفي نهاية التقويم يجدان إسميّهما غائبين عن اللوائح و يبثا شكواهما لله وحده دون صراخ. أن تُلّوت أقدام الشرطة حرمة وقدسيّة الكلية ويقدما لهم باقة ورد على ذلك. أن تغلق أبواب “الحيّ الجامعي” في وجهيهما و يعودا أدراجهما بحثا عن غرفة يكتريانها ويثقلان كاهل أسرتيهما بالمزيد من المصاريف، ومع ذلك عليها أن يظلا صامتين جامدين يشكران الله على نعمة الإستقرار. أن يحصلا على شهادة لا تسمن ولا تغني من جوع، و يظلا عاطلين و ينسبان ذلك للقضاء و القدر.

عليّهما فعل ذلك كي تعطيهم الدولة بطاقة عضوية في نادي “المواطن الصالح”.

فمع سياسة “عفا الله عما سلف” التي نهجها بن كيران بأمر من أسياده، وجه المخزن عصاه إتجاه البسطاء وفرض ترسانته القانونية على الطلبة، و مع يقولون إنهم أجلوا كأس إفريقيا خوفا علينا من أن تفتك بنا “الإيبولا”، ونشروا بعضا من قواتهم في الشوارع لأن “داعش” تهدد أمنا. “المعطي” بائع النعاع لا يفهم هذه المصطلحات. يحتج كل صباح لأن “المخزني” منعه من فرشِ “شواريه” المحمل بالنعناع بمدخل السوق.

و يسألني هل نحن متساوين أمام قانونهم؟؟؟.

بين “قُرعة” أمريكا و “قَرعة” المخزن تفاصيلُ أشياء، وفي تلك التفاصيل تجسدت الكرامة و الحرية والعدل….. و الأهـــــــــــــــــم الإنسانيـــة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.