الغرب، الوهابية والإرهاب الإسلامي

إن الفكرة العامة التي سنتناولها في هذه الورقة هي: علاقة الغرب بالإسلام، حيث سنحاول البحث والإجابة عن بعض الأسئلة التي تراودني وأنا أتابع الحوارات والمقالات التي نشرت مؤخرا حول الموضوع المذكور سلفا. واليك عزيزي القارئ بعض هذه الأسئلة : هل يعادي الغرب الإسلام والمسلمين بالفعل أم أن الأمر مجرد دعاية ضد الغرب وحضارته؟ ما علاقة الوهابية بالإرهاب الإسلامي ؟ كيف يمكن مواجهة الإرهاب الإسلامي واقتلاعه من الجذور أو على الأقل الحد منه وعدم إلصاقه بالإسلام ؟ ولماذا لا يشعر المسلمين بالإهانة عندما يستفزون الآخرين من خلال الطعن في معتقداتهم ومقدساتهم؟

لكن بداية، سأقول بصورة وجيزة ما الذي تدعيه هذه المقالة وما الذي لا تدعيه: إن إدانتنا للأعمال الإرهابية التي عرفتها باريس مؤخرا، لا يعنى بالضرورة أننا متفقون مع الخط التحريري لصحيفة ” شارلي إبيدو” ولا مع مظاهرة 12 يناير المناهضة للإرهاب كما زعم منظموها، وبالتالي، لا نعطي صك براءة ناصح البياض لأحد، سواء للصحيفة أو للغرب الامبريالي الذي تلطخت أياديه بدماء الأبرياء في العراق وسوريا وأفغانستان وليبيا والبوسنة وغيرها من الأماكن، خاصة الدولة الفرنسية التي لها تاريخ اسود في هذا المجال، ولكن القلم يرد عليه بالقلم وليس بالرصاص بعض النظر عن الأسباب والجهة المسؤولة عن العملية الإجرامية. شخصيا لا تعنيني كثيرا حيثيات وتفاصيل هذه الجريمة؛ أي: من فعلها ولماذا وكيف …الخ، بقدر ما تعنيني بالدرجة الأولى ردود الأفعال التي برزت حولها، وبالذات تلك الصادرة عن الجهات الإسلامية المتواجدة في الغرب، بمعنى آخر يهمني، بشكل كبير، كيف ينظر المسلمين القاطنين في الغرب الأوربي إلى ما حدث في باريس، أكثر مما تهمنى الردود الأخرى.

لنتفحص الآن بسرعة بعض الأفكار التي يطلقها المسلمين الأوربيين، وغيرهم بطبيعة الحال، تجاه علاقة الغرب بالإسلام، التي تعتبر أن الغرب يناهض الإسلام والمسلمين، حيث نلاحظ أن الجميع – تقريبا – ( مع استثناءات قليلة جدا) يحاول تبرئة الإسلام من العنف و الإرهاب، بل هناك من نسب أحداث باريس للغرب بشكل عام، ولفرنسا بشكل خاص، ومن ثم فالعملية تدخل ضمن إستراتيجية الغرب لإعادة بسط سيطرته على بلدان العالم الثالث حسب القائلين بهذا التحليل. وهناك من قال بأنها عملية مفبركة من طرف المخابرات الإسرائيلية لأسباب عدة، منها الموقف الجديد للبرلمان الفرنسي الداعي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهناك أيضا من قال بأن ما حدث في باريس هو من أخراج وتنفيذ الجماعات الإسلامية المتطرفة لتأكيد ذاتها ووجودها في خضم نزاعاتها الداخلية حول الشرعية والزعامة، خاصة أن الهجوم تبنته رسميا القاعدة في اليمن، ونحن نعرف جيدا الصراع المحتدم بين هذا التنظيم وداعش بعد أن رفض أبو بكر البغدادي الاعتراف بالظواهري – زعيم القاعدة بعد اغتيال بن لادن- والامتثال لأوامره وتعليماته.

بالإضافة إلى هذا، نعلم أيضا أن كثيرا من الماسي والفواجع التي تحدث في العالم – قديما وحديثا – تأتي نتيجة استغلال الدين لأهداف سياسية، فما تفعله الآن داعش مثلا هو عين ما فعلته طالبان والقاعدة من قبل، وهو عين ما فعلته الخوارج والقرامطة وغيرها من الجماعات الإسلامية المتطرفة عبر التاريخ الإسلامي؛ أي : قبل داعش وطالبان والقاعدة وجبهة النصرة وبوكو حرام وأنصار الشريعة بزمن طويل . بل والأخطر من هذا كله، هو أن ما تفعله داعش الآن هو عين ما تفعله بعض الأنظمة السياسية فيما يسمى بالعالم العربي والإسلامي باسم تطبيق الشريعة وحماية الإسلام والدفاع عنه، وبالتالي فلا يوجد الفرق بينها وبين داعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى في هذا المستوى .ففي السعودية على سبيل المثال تذبح الرقاب أمام الملأ وترجم النساء في واضحة النهار باسم تطبيق الشريعة، ونفس الشيء يحدث في السودان وإيران وغيرها من الدول الإسلامية، ورغم كل هذا نقول أن الإسلام بريء من العنف والإرهاب!!. وكيف يمكن لنا إقناع العالم بأن الإسلام دين الرحمة والتسامح بعد ما أن يشاهد ويعلم بالجرائم البشعة التي تقوم بها بعض الأنظمة الإسلامية باسم تطبيق الشريعة وتنفيذ أوامر الله في خلقه؟

على أية حال، هذه هي ابرز الآراء التي تناولت فاجعة باريس، ونحن لا تهمنا هنا مدى صحتها وصوابها، وإنما تهمنا بالأساس النتائج والخلاصات التي يمكن استخلاصها من هذه الآراء التي لا نقول أنها خاطئة مائة في المائة، وإنما نقول أنها تفتقر إلى الموضوعية والحياد المطلوبين في تناول مثل هذه المواضيع الحساسة والشائكة. ليس من العيب والعار أن نعترف بممارستنا للعنف والاضطهاد في زمن معين من تاريخنا الإسلامي، كما فعل المسيحيون ( = الغرب) مع تاريخهم الدموي ، لكن العيب وكل العيب أن نستمر في إنتاج ثقافة العنف والتطبيع معها كأنها شيء عادي جدا في وجداننا ، وسكوتنا هذا هو دعم للاستبداد والإرهاب المنظم في بلداننا وعلامة من علامات تخلفنا. يجب أن نقول الحقيقة للناس ، وللمسلمين بالدرجة الأولى؛ وهي أن ثقافة العنف والإرهاب موجودة في ثقافتنا الدينية وبكثافة، فالتراث الإسلامي مليء بأشكال العنف والاضطهاد الداخلي والخارجي، كيف ننكر هذا الأمر وواقعنا العملي يثبت عكس ما نقوله؟ كيف ننكر هذه الحقيقة ونحن نعلم جيدا أن الإسلام انتشر – أساسا – بالعنف وليس بالسلم ؛ أي: أنه انتشر بحد السيف والإجبار وليس بالموعظة الحسنة كما يحاول بعض المشايخ الوهابية إقناعنا ؟ فالقول بأن الإسلام انتشر بطريقة سلمية وبدون حروب، ولا غزوات عسكرية، أكذوبة من الأكاذيب التي يزخر بها التراث الإسلامي الذي يحتاج إلى أعادة قراءته من جديد وفق المناهج العلمية الحديثة . وحول هذا الموضوع يقول الكاتب والمفكر التونسي هشام جعيط: ” صحيح أن النبي كان يسعى لنشر حقيقته وعقيدته، لكنه حقق ذلك بلغة القوة والحرب، بواسطة وسائل عصره وعالمه، ويلاحظ في بدر أيضا أن الغنائم صارت عنصرا حاسما لاجتذاب الرجال “(1).

في ضوء ما سبق ، نرى أنه لا مناص لنا من الاعتراف بوجود العنف كثقافة متجذرة في تراثنا الإسلامي، فالنصوص الدينية ( القرآن والحديث) بهذا الخصوص كثيرة جدا ، وبالتالي فلا داعي إلى إنكار هذا الأمر الذي لا يجب أن نخجل منه إطلاقا، حيث أن التغاضي عنه، بل وإنكاره بالجملة، كما يفعل بعض شيوخ الوهابية بهولندا وخارجها هو في حد ذاته مساهمة في نشر ثقافة العنف والإرهاب، وبالتالي تعميق الأزمة بدل معالجتها واقتلاعها من جذورها. إن غياب الموضوعية والحياد في تناول فاجعة باريس كما قلنا، هو نتيجة سيطرة التحليل السياسي والإيديولوجي على معظم الآراء التي ذكرناها سابقا، بينما هو – في تقديرنا – موضوع ثقافي وفكري بامتياز، ومن ثم فالأمر يتعلق – أساسا – بالبنية الفكرية للمسلمين بشكل عام، وفي علاقتهم مع الآخر بشكل خاص. وهو (= الآخر) الذي كان ومازال يعتبر ، بل وسيظل كذلك، الخصم والعدو التاريخي كما يخبرنا بذالك القرآن في العديد من سوره وآياته، ومن ثم فاستمرارنا في اعتماد التفاسير والشروح الموجودة الآن للنص الديني عامة، و للنصوص المتعلقة بالآخر والجهاد يعني استمرار ظاهرة الإرهاب الإسلامي.

والنتيجة النهائية لمثل هذه الردود العاطفية والتبريرية في معظمها هي أن الإسلام والمسلمين أبرياء مما ينسب إليهم زورا وبهتانا وفق القائلين بهذا الرأي. والأسئلة التي لم يتطرق إليها احد بشكل مباشر هي : ما هو الغرب الذي يقصده القائلين بأنه يعادي الإسلام والمسلمين؟ هل يقصدون مثلا الغرب الرسمي أم المدني أم الشعبي؟ لماذا تلصق تهمة ” الإرهاب ” بالإسلام؟ هل يشكل الإسلام خطرا حقيقيا عن الغرب كما تدعى بعض الكتابات؟ فإذا كان الجواب بنعم فما هو نوع الخطر الذي يشكله الإسلام على الغرب؟ بل كيف سيشكل الإسلام خطرا على الغرب والمسلمون يحتلون المراتب الأخيرة عالميا في المجالات الحيوية للإنسان، خاصة في المجال العلمي والعسكري والاقتصادي والتكنولوجي والفكري؟ وما هو دور المسلمين في تنامي الكراهية والعنصرية ضد الإسلام، خاصة أنهم يسجدون عمليا أخلاقه وتعاليمه في نظر المواطن الغربي الذي لا تهمه النصوص القرآنية نفسها، بقدر ما تهمه – أساسا – تصرفات وسلوك المسلمين، وبالتالي فعندما يشاهد هذا المواطن ما يقترفه بعض المسلمين الإرهابيين من الجرائم البشعة في حق الإنسان عامة، وفي حق الغربيين خاصة، فهو يعتقد ضمنيا بأن تلك التصرفات والسلوكيات هي من صميم وجوهر الإسلام وليس غيره، خاصة؟

وعليه نقول: إن اطلاق الكلام على عواهنه كما يطلقه بعض الكتاب والمشايخ تجاه موقف الغرب من الإسلام والمسلمين لا يدل على تبصر وسلامة قصد، ولكنه يدل على مقاصد سياسية محضة بعيدة عن الواقع الموضوعي الذي نعيشه نحن المسلمون في الغرب عامة، وفي أوربا الغربية خاصة، والغريب في الأمر أن هؤلاء الكتاب والمشايخ الذين يتهمون الغرب بمعادة الإسلام والمسلمين من داخل الغرب نفسه يرفضون مغادرته(أي: مغادرة الغرب) ، فهل يمكن اعتبار موفقهم هذا ناتج عن قناعة مبدئية أم مجرد تقية لإرضاء جهات معينة؟

ومن جانب آخر، حينما ندافع عن الموقف الايجابي ، بشكل عام، للغرب من الإسلام والمسلمين، فإننا لا ندافع عن السياسة الخارجية للغرب التي لا يمكن التقليل من شأنها، باعتبارها احد ابرز العوامل التي أنشئت الإرهاب الإسلامي أو على الأقل تغذيه ، ولا يعنى ذلك أيضا أننا نؤيد الأصوات المعادية للمهاجرين عامة، والمسلمين خاصة، وإنما نريد أن نكون منصفين وموضوعين في كتابتنا ، ولا يمكن أن نكون كذلك إلا إذا أجرينا تميزا واضحا، وضروريا، بين وضعية الإسلام والمسلمين في الغرب وبين الموقف السياسي الرسمي للغرب تجاه القضايا العربية والإسلامية من جهة، وبين مواقف بعض الجهات والأطراف المناهضة بالفعل للإسلام والمسلمين من جهة ثانية، وبالتالي، فالغرب الذي نتحدث عنه هنا هو الغرب الرسمي وليس غيره، والتمييز هنا ضروري. لذلك إذا قلنا أن الغرب يعادي الإسلام والمسلمين توجب علينا معرفة ما هو الغرب الذي نتحدث عنه؟ وما نقصده بمعادة الغرب للإسلام والمسلمين؟ هل نقصد بذلك أن الغرب يعادي الإسلام بوصفه دين أم باعتباره أيضا إيديولوجية تسعى إلى فرض هيمنتها وشروطها على الغرب وثقافته؟ ومن الجدير بالذكر أن بعض الجهات الإسلامية في الغرب ( في هولندا وبلجيكا مثلا) تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، وفرض تصوراتها و”قوانينها ” ومنها مثلا: عدم الخلط بين الرجال والنساء في الأماكن العمومية ( المدرسة والمسبح ..الخ)، عدم المصافحة باليد وغيرها من الأمور التي تعتبر عادية جدا في الثقافة والمجتمع الغربيين.

تأسيسا على ما أوردناه في المقدمة السابقة ، نرى أن مناقشة علاقة الغرب بالإسلام بمعزل عن السياق الموضوعي للإسلام والمسلمين في الغرب ، وبمعزل أيضا عن السياسة الخارجية للغرب، قد يؤدي بنا إلى الانزلاق.

الوهابية جزء من المشكلة:

بشكل ما، نحن نتفق على أن الإرهاب لا علاقة له بالإسلام ولا بأي دين آخر، لكن نرى أنه من الضروري جدا تجاوز ثقافة المؤامرة والبدعة.(2) هذا من جهة، ومن جهة أخرى   من الضروري فتح نقاش علمي دقيق وصريح حول أمرين: أولهما حول دور الحركة الوهابية في نشر الإسلام المتطرف في الغرب، والثاني حول التراث الإسلامي الزاخر بصور وحكايات العنف ، فالإرهابيون يستمدون شرعيتهم – أساسا – من النص الديني؛ أي: أنهم يوظفون النصوص الدينية في اقترافهم للجرائم ، فالقول بأن الإرهاب غريب وبعيد عن الإسلام لا يعفى المسلمين من مسؤولياتهم، وبالتالي لابد من تحمل تبعاته (أي: الإرهاب)، ومواجهة شيوخه ودعاته، خاصة هنا في الغرب، فالمعضلة الكبرى التي يعاني منها المسلمون في الغرب هو انتشار الفكر الوهابي المتطرف داخل المجتمعات الغربية.(3) لهذا، فالقول بأن الإسلام برئ من الإرهاب يتطلب تنقيته من الشوائب التي علقت به جراء تصرفات الوهابية وخطابها المعادي لكل ما لا يوافق تصوراتها ومواقفها وأطروحاتها وليس للغرب ” الكافر ” في نظرها .

من أجل التوضيح أكثر، لا بد من القول بأنه ليس كل ما يحدث حولنا من الأحداث بالضرورة من إنتاج وتخطيط الآخر / الغرب. قد نقول مع القائلين بأن الإسلام لا علاقة له بالإرهاب كما سبق الإشارة، لكن هل يفيدنا هذا في شيء ؟ أو بصيغة أخرى، هل سيتوقف الإرهابيون من استعمال الإسلام في عملياتهم الإرهابية، خاصة أن الإسلام يشكل قاعدة ثقافية وإيديولوجية للجهات التي تنهج هذا الأسلوب القتالي؟ نعم الإسلام دين ، ولكنه أيضا ثقافة وإيديولوجية في نظر المسلمين، أو على الأقل أغلبيتهم. وإذا كان الإسلام برئ من العنف والإرهاب كما نقرأ ذلك في معظم الردود التي صدرت حتى الآن على هامش الأحداث الإرهابية الأخيرة بفرنسا/ باريس، سواء من طرف المسلمين أو بعض القادة الغربيين، فلماذا نسكت ( =المسلمين) على الجرائم البشعة التي اقترفتها داعش باسم الدفاع عن الإسلام وتطبيق الشريعة؟ لماذا لم نخرج للتظاهر والاحتجاج ضد الجرائم التي ارتكبتها داعش في حق المسيحيين والايزيديين، بل وفي حق المسلمين أيضا، كما خرج الألمان ضد حركة بيغيدا العنصرية على سبيل المثال؟ وإذا كان الإسلام برئ من العنف والإرهاب كما يقال، فهل يستطيع المواطنين في الدول الإسلامية التشهير(= الإعلان) بعدم إيمانهم بالله أو تغييرهم للدين( من الإسلام إلى المسيحية مثلا) ؟ وإذا كان الإسلام برئ من العنف والإرهاب، فكيف نفسر دعوات التكفير ضد المفكرين المسلمين ؟ وكيف نفسر أيضا عمليات القتل التي تعرض لها العديد من المفكرين لمجرد التعبير عن وجهة نظرهم المخالفة للجهات الرسمية – السياسية والدينية – (محمد محمود طه، حسين مروة، فروج فؤدة وغيرهم) ؟ وإذا كان المسلمين، خاصة الهيئات الإسلامية( الأزهر وهيئة كبار العلماء في السعودية مثلا) والمشايخ الذين يدعون أن الإسلام دين الرحمة والتسامح ، جادين وصادقين في كلامهم؛ أي: أنهم لا يمارسون التقية من أجل أهداف معينة ومحددة سلفا ، فلماذا لم يستنكرون الإعدام الذي أصدرته الدولة الموريتانية الإسلامية قبل أيام في حق الكاتب محمد الشيخ بن محمد باسم الدفاع عن الإسلام؟ ولماذا لم يستنكروا الحكم الذي أصدرته السعودية في حق الناشط الحقوقي رائف بدوي على أفكاره الليبرالية فقط وليس على شيء آخر؟ إذا كان الخطاب الإسلامي لا يتعب من تكرار اسطوانته حول سماحة الإسلام فإنه الآن بحاجة ماسة للقطع مع ممارسته للنفاق والكيل بالمكيالين ، وان يقدم تفسيرا جديدا للنصوص الدينية التي يعتمدها الإرهابيون في تنفيذ جرائمهم البشعة ضد الأبرياء باسم الإسلام والدفاع عنه. هناك آيات قرآنية تتناسب مع الزمن الماضي، وأخرى يمكن تطبيقها في الزمن الراهن. وهناك أيضا التقاليد التي سار عليها النبي محمد، والتي تم تدوينها بعد مائتين سنة تقريبا من وفاته، بعضها مقبول وموثوق في كتب الأحاديث والتواريخ، وبعضها مرفوض على نطاق واسع، وبالتالي فإعادة قراءة هذه النصوص قراءة عصرية وعلمية وفق المناهج العلمية الحديثة، ربما ستساهم في اقتلاع ما سار يعرف بالإرهاب الإسلامي ، فلماذا لا نقرأ النص في حضوره التاريخي ؟

على أية حال، نعود ونقول: أن القول بأن الإسلام والمسلمين أبرياء مما ينسب إليهم من العنف والإرهاب يحتاج إلى الفحص والتدقيق، حيث لا يمكن الاستمرار في نفينا لهذه التهمة بينما واقعنا يؤكد العكس تماما، وبالتالي فالأمر غير صحي وعادي من جهة، كما أننا لا نساهم إطلاقا في معالجة المشكلة بهذا المنطق الانتهازي من جهة ثانية.

الكيل بالمكيالين:

قرأت عشرات المقالات، واستمعت أيضا إلى عشرات الحوارات حول الأحداث الإرهابية التي عرفتها باريس مؤخرا، حيث أعادت من جديد الحديث عن علاقة الغرب بالإسلام . ومن المؤسف جدا أن يلاحظ المرء حجم المغالطات التي يروجها البعض ضد الغرب وموقفه من الإسلام والمسلمين، خاصة عندما تكون هذه المغالطات نابعة عن أشخاص ( كتاب وفقهاء) يعيشون في قلب الغرب وينعمون بخيراته، وعلى رئسها نعمة الحرية والأمن التي يفتقدونها في بلدانهم الأصلية، هذا بالإضافة طبعا إلى عدة امتيازات أخرى لا غاية لنا بذكرها وتناولها هنا.

من أعجب العجب أن يتهم خصوم الديمقراطية وحرية التعبير الغرب بمعادة الإسلام والمسلمين، حيث يقلبون الحقائق ظهرا على عقب ويوهمون الناس – المسلمين البسطاء – بما ليس فيه( أي: في الغرب). إن الحقيقة التي لا تقبل الطعن ابدأ، إن الغرب لا يعادي الإسلام والمسلمين كما يروج بعض الحاقدين على الغرب و “حضارته” لأسباب تاريخية ودينية وسياسية ونفسية وثقافية، وإيديولوجية ..الخ.. فإذا ما نظرنا إلى الموضوع بشكل موضوعي وعقلاني ؛ أي: بعيدا عن التحليل العاطفي والتبريري الذي يقدمه – للأسف – معظم المنتقدين لعلاقة الغرب بالإسلام والمسلمين سنجد حقيقة أخرى ؛ وهي أن الغرب يعترف، بل ويحترم، الإسلام والمسلمين أكثر بكثير مما يحدث في البلدان الإسلامية نفسها. فلا ندري مثلا: كيف يمكن القول بأن الغرب يعادي الإسلام وآلاف المساجد منتشرة على امتداد جغرافية الغرب؟ هل هذا منطقي في نظر القائلين بهذه الفكرة الدعائية العدائية ضد الغرب وحضارته؟ ما يقال عن انتشار المساجد يقال أيضا عن انتشار المدارس الإسلامية بمختلف مستوياتها ( الابتدائي والإعدادي والثانوي والجامعي) ، نهيكم عن آلاف الجمعيات والمؤسسات الإسلامية التي تعنى بشؤون الإسلام والمسلمين وتتلقى الدعم المالي من الغرب نفسه. علاوة على عشرات المؤتمرات الفكرية والعلمية التي تنعقد في الغرب حول الإسلام ونبيه. فهل في نظركم لو كان الغرب الرسمي يعادي الإسلام والمسلمين يسمح بهذه الأمور المرتبطة مباشرة بالإسلام والمسلمين وليس بشيء آخر؟

وفي المقابل، لو حاولنا القيام بنوع من المقارنة بين وضعيتنا كمسلمين في الغرب ووضعية الغير المسلمين في البلدان الإسلامية، ماذا سنجد؟ هل فكر الرائجين لفكرة معادة الغرب للإسلام والمسلمين في وضعية المسيحيين مثلا في البلدان الإسلامية؟ لماذا يحتج مشايخ الوهابية في الغرب عامة، وفي هولندا خاصة، عن عنصرية الغرب تجاه الإسلام والمسلمين ولا يحتجون ضد عنصرية المسلمين في بلدانهم ضد الآخر (المسيحي) ؟ علما أن العنصرية في البلدان الإسلامية منظمة بشكل قانوني، ففي السعودية مثلا لا يسمح بإنشاء الكنائس أو حتى القيام بالشعائر المسيحية في البيوت ، ونفس الشيء بالمعرب أيضا وعدة دول إسلامية أخرى، وبالتالي كيف نطالب الآخر باحترام عقيدتنا ونحن لا نحترم عقائد الآخرين على مستوى الفعل والتطبيق وليس على مستوى الخطاب؟ فما نسمعه على مستوى الخطاب الإسلامي الرسمي والديني (= خطابات وكتابات المشايخ ) أن الإسلام يقر بتعدد الديانات ولا يجد حرج في ممارسة أهل الكتاب مثلا لدياناتهم، كلام جميل ورائع لكن أين دلك على مستوى الواقع؟ فالقانون السعودي يمنع بشكل قاطع تعدد الديانات ، وفي الدستور المغربي مثلا تعتبر حرية التعبير والمعتقد مضمونة وفق المادة 3 و25 من الدستور”الجديد”، بالإضافة إلى المقدمة التي نقرا فيها ما يلي ” حظر ومكافحة كل أشكال التمييز، بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة ….” وهذا التصدير كما هو معلوم يعتبر جزءا لا يتجزءا من الدستور كما هو منصوص عليه في الدستور نفسه، والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل يمكن للمغاربة الذين غيروا دينهم الإعلان عن دلك دون ان يتعرضوا للمتابعة القضائية، وبالتالي إلغاء المواد العقابية في القانون الجنائي المغربي الخاصة بمعاقبة ” المرتد” واكل رمضان وشرب الخمر والزنا ؟

دعونا نكون صرحاء فيما بيننا ، ونتحدث دون نفاق و انتهازية، لقد تعبنا من الأسلوب الرديء الذي ينهجه بعض الكتاب والشيوخ القاطنين بالغرب، خاصة في الغرب الأوربي، ، بالله عليكم هل سمعتم يوم ما أن دولة غربية اعتقلت مواطنا مسلما بسبب عقيدته وممارسته لشعائره الدينية كما يحدث في السعودية (مثلا) التي اعتقلت خمسة وعشرون شخص قبل سنوات بتهمة ممارستهم للشعائر المسيحية ؟ وهل سمعتم أيضا أن دولة غربية حكمت على مواطن مسلم بسبب دعايته للإسلام كما حدث في اندونيسيا؟ (4) وهل يسمح مثلا النظام الوهابي بالسعودية بعقد مؤتمرات حول المسيحية أو تأسيس جمعية أو بناء كنيسة؟ والسؤال الأهم من كل هذا هو : أين أولائك الكتاب والشيوخ الذين يجولون أوربا (من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها ) من اجل إلقاء المحاضرات والخطب حول الإسلام دون أن يزعجهم احد، لماذا لم يستنكروا ، ولو مرة واحدة في حياتهم ،الجرائم والمضايقات التي يتعرض لها المسيحيون في السعودية و السودان واندونيسيا وماليزيا ومصر والعراق وسوريا وغيرها من البلدان الإسلامية؟ أما حول مسالة حقوق الأقليات المذهبية في بلداننا ؛ أي: جماعات دينية غير سنية مثل: الشيعة والاحمدية والاباضية والصوفية .. الخ، فهي حكاية أخرى لا نريد الخوض فيها الآن، فما هذا التناقض والكيل بالمكيالين أيها المشايخ؟ كيف تريدون من العالم أن يحترموكم وعنصريتكم وغباءكم تجاوزت كل الأفاق؟

ردود خاصة:

كتب احد الكتاب يتساءل: ” كيف كان سيكون شعور المسيحيين أو اليهود لو أن صحيفة عربية مثل القدس العربي أو الشرق الأوسط أو السفير قامت بنشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للنبي عيسى أو النبي موسى عليهما السلام؟ ثم يضيف سؤال آخر ” هل كان المسيحيون واليهود سيقبلون بالإساءة لأنبياء الله كما أسيء للرسول الاكرام في فرنسا والدنمارك وهولندا؟ طبعا، هذا النوع من الكلام تضليلي ومخادع لا علاقة له بالواقع العملي . بالنسبة للأخ الكاتب وأمثاله من الكتاب الذين ينظرون للموضوع من الأعلى إلى الأسفل وليس العكس، ينسون أو يتناسون الإساءة والاهانة التي نوجهها نحن أيضا للآخر، لكن بمجرد أن تنتقد مقدساتنا نثور وننتفض ضد الغرب  ونتهمه مباشرة بمعادة الإسلام ، فهل هذا منطقي في نظر الكاتب ؟ هل نسي الكاتب أننا عادة ما نصف الديانات الأخرى (= اليهودية والمسيحية) بالمنحرفة، هذا الكلام لا يمكن إنكاره، طيب كيف سيكون شعورنا إذا كان الآخر يصف ديانتنا بالمنحرفة؟!!، هل سنقبل ذلك أم سنرفضه؟ بل وأكثر من هذا ، أليس نحن – المسلمين – من يصف اليهود والمسيحيين في كتبنا الفقهية وخطاباتنا بإخوان ” القردة والخنازير ” ؟ بل أن كتابنا المقدس – القرآن الكريم – يقول في سورة المائدة/ الآية 60 { وجعل منهم القردة والخنازير} وفي سورة الجمعة الآية 5 نقرأ أيضا { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفارا} وفي سورة أخرى هم { شر البرية } وفي أخرى هم { المغضوب عليهم والضالين } فهل سيقبل الأخ الكاتب وغيره بمثل هذه الأوصاف لو كان الآخر هو من يصفنا بها في كتابه المقدس؟ مع التأكيد على عدم أهمية من قال هذا الكلام بالنسبة للآخر، لكونه لا يعترف ولا يؤمن به أصلا، وبالتالي فإذا كنا نحن نعترف بالكلام السابق بأنه وحي من الله فالآخر لا يعترف به، ومن ثم فهو بالنسبة إليه اهانة وإساءة دون شك.

أما احد شيوخ الوهابية المعروف بشتمه وسبه للنصارى، ولكل مخالفيه، فقال في احد خطبه ان مؤسسته/ مسجده بصدد تنظيم حملة واسعة لتعريف بالإسلام الصحيح حسب زعمه: إسلام الرحمة والتسامح وفق كلامه وذلك عبر استعمال جميع الوسائل الممكنة لذلك حسب كلامه دائما، منها مثلا تأسيس قناة فضائية وتنظيم المزيد من المؤتمرات واللقاءات حول الإسلام، بل ويتساءل الشيخ لماذا لا نقوم ( يقصد هنا المسلمين مثلا بوضع خيمة خاصة لتقديم المعلومات حول الإسلام والتعريف به في المطارات مثلا؟ هذا ما يقدمه الشيخ الذي سبق له ان وصف النصارى بالكفار والأوباش والحثالة وغيرها من الأوصاف والنعوت التي قالها في إطار دفاعه عن الإسلام المعتدل والوسطي حسب كلامه !!، وسؤالنا للشيخ وغيره: هل يقبل الشيخ بانشاء قناة فضائية مسيحية مثلا في المغرب ؟ وهل يقبل أيضا بنصب خيم في مطارات المغرب لتعريف بالمسيحية أو اليهودية أو غيرها من الديانات؟

ونفس الأسئلة والملاحظات نطرحها أيضا على كاتب آخر، حيث كتب يقول ” إن الذي أنا بصدده في هذا المقال هو اتهام الإسلام والتهجم عليه، بدل نسبة أي فعل أي فعل إلى فاعله ومحاسبته عليه، وهذا ما لا نفعله أبدا ..” ثم أضاف يقول ” فالإسلام دين عظيم” طيب يا شيخنا الجليل( الكاتب إمام مسجد بهولندا) كيف يسمح ضميرك الديني والأخلاقي والإنساني أن تصف دينك بالعظيم ودين الآخرين بالمنحرف؟ فالذين نفذوا عملية باريس هم أولا مسلمون، وثانيا غايتهم الدفاع عن الإسلام ونبيه وليس كسب الأموال ، وبالتالي كيف تريد أن ينسب هذه الأمر إلى شخص بعينه وليس إلى الإسلام؟ علينا أن نعترف بالحقيقة التي ذكرناها ؛ وهي أن منفذوها (=عملية باريس) مسلمون، وقاموا بذلك من اجل الإسلام ونبيه، هذا بعض النظر عن مسألة هل نتفق معهم أم لا؟ فهذا موضوع آخر لا علاقة له بالحقيقة التي يجب أن نقر بها، وانتهى الموضوع.

للتواصل:s.tifawin@hotmail.com

توضيحات:

1: انظر ” الحركات الإسلامية بالوطن العربي – تونس نموذجا – ” مجلة وجهة نظر العدد 13 – ص 16

2: من الملاحظ للأسف أن الأصوات الحرة في العالم الإسلامي محاصرة بأمرين: المؤامرة والبدعة، فإذا كنت سياسي معارض وتقف في وجه الأنظمة السياسية دفاعا عن مصالح الشعب فأنت خائن وعميل للخارج وضد مصلحة الوطن والشعب في نظر تلك الأنظمة التي لا تقوى على مواجهتك إلا بتلفيق تهمة المؤامرة، أما إذا كنت مفكر وباحث في الفكر الديني عموما، وفي الفقه السنوي خاصة، فأنت مبتدع وضال في نظر شيوخ الإسلام عندما لا يستطيعون مواجهة آرائك وحججك بالعقل والحجة.

3: يرجى مراجعة في الصدد على كتاب ” الإسلاميون وأمريكا تحالف ضد أوربا ” ، ترجمة مصطفي أعرب ، سيعرف بالضبط ماذا نقصد من كلامنا أعلاه. الكتاب من تأليف أليكساندر ديل فال ، منشورات اختلاف.

4: حكم على السيد انطونيوس ريتشموند باونجان ( مسيحي) بخمسة أعوام سجنا بتهمة توزيع كتب اعتبرت ” مهينة” للإسلام.

تعليق 1
  1. سعيد يقول

    الاسلام قريب من القلب وسينتصر على مكر الماكرين اما الوهابية فهي عدو للمسلمين والانسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.