الغائب الحاضر

 

في معرض حديثه عن عدّنبي نسوق – يقول أحد الأصدقاء :

بالاضافة الى انه كان إنسانا بسيطا ، فإنه كذلك بقي طوال حياته وفيّا لإثنين فقط ..

_ لزوجته آقِيّة اولا ..

_ و لروح المقاومة الريفية ثانيا !

( الكلام المشار اليه أعلاه قد يبدو مفصولا بعض الشيء عن ما سيليه ، او غير ذي علاقة بمحتوى الحكاية القصيرة جدا التي انا بصدد سردها أسفله ، و الحقيقة أني ” أغامر ” بهذا ، إذ بدون قصد مسبق وجدتني استحضر كلام صديقي عن عدّنبي و أضعه في مقدمة النص ، بعدما كان محاولة سرد بسيطة ، تدور أحداثها في زمن و مكان محدّدين ، أقف فيها موقف حياد دون أي تدخل يذكر .

لكن بهذا .. أقبل ان يكون النص مغامرة الى آخر حرف منه ، و ان كانت له حقاً سلطة من نوع ما ، فكل ما سأفعله هو ان اتحايل عن الرضوخ له قدر المستطاع بكل ما أوتيت من خيال متواضع)

ذات يوم سبت ، في ” سّوق أباري ” ( السوق القديم ) بامزورن قال عدّنبي كلاما بسيطا لكنه ينمّ عن فراسة حادّة ، هو من استشعر حجم المهازل و التحولات التي أودت بعقارب الزمان الى الركون عند عتبات ” الشمايث ” ( المتخاذلين ) ، غامرة بقشرتها السميكة حقبة الكفاح بدروسها و رجالها الأحرار ، أولئك الذين وهبوا أعمارهم لما هو أقدس من أن تُدوّن أسمائهم في سجلات تاريخ مزوّر ، جنب الى جنب مع أسماء أشهر الخونة و العملاء ، أو ان يظفروا بمعاش في آخر حياتهم او بمأذونية او بوسام ، او تحصيل لقب ” مقاوم قديم ” حتى …

وليس هذا ببعيد عن موضوعنا حول “سوق أباري” الذي وبعودتنا إليه نرى فيه عدنبي متكئاً بإحدى يديه على العكاز الذي لا يفارقه ، و في الاخرى يحمل قارورة بلاستيك غير شفافة .

ولج عدّنبي بجلبابه الرث ، منتعلا صندلا ممزقا من كثرة تنقله بين أزقة المدينة المغبّرة و الاسواق القريبة لها ، و ما ان بلغ وسط السوق حتى وقف يصيح ملء صوته ، في ما يشبه” أَبَارْح ” ( الإعلان ) داعيا ” إمسُوقن ” ( المتسوّقين ) الى التجمع و الإنصات اليه ،

شيئا فشيئا بدأ الناس يلبّون نداءه ، منتظرين في فضول ما سيزفّه إليهم الرجل من أخبار ، لكنه ارتأى أن يعيد صيحته المصحوبة بتلك اللازمة القاسية التي عادة ما تتخلّل جل أحاديثه : – ااايا ذاوا ن رحّام … ! ( يا أولاد الحرام ) . و عندما كبرت الجوقة من حوله و ما كان على الحكيم إلاّ ان يكشف للجموع عمّا عنده من اخبار او ما شابه ، رفع قارورة البلاستيك – الغير شفّافة – بيده صوب الأعلى ، رفعها الى أقصى حدّ ممكن حتى يتسنّى للجميع رؤيتها ، بعدما بادرهم بالسؤال :

– أَشْكوم اسّقْسييغْ !؟ ( سأسألكم ) و بينما شرعوا في التململ و لاحت قهقهات السخرية من سلوكه الغريب ، تابع عدّنبي بسؤال حازم :

– أَذااي ذِينِيم ، ثاَ مِيزِي ذْعمّا ؟ ( ستقولون لي بماذا هي مملوءة ) . مشيرا الى القارورة . و بما ان لا احد منهم كان بإمكانه ان يتلمّس صيغة الجواب الذي قد يرضي المجنون و يشفي غليله ! فقد ردّ على كل الإجابات ب ” ااالاّ ” .. – س وامانْ ؟ ( بالماء ) . ااالاّ ( لا ) – س زِّييث ؟ ( بالزيت ) . ااالاّ ( لا ) .

– س أُووغِي ؟ ( باللبن ) . هيييه .. ااالاّ ( لا) . – س رْگاز ؟ ( بالغاز ) . ااالاّ ( لا ) .

– ” إِ ميزي أ عدّنبي … ميزي !؟ ” ( إذن بماذا يا عدّنبي … بماذا ) . هيييه .. تْواريم ثااا !؟ ( أترون هذه القارورة ) . فردوا عليه .. ” يِيه يِيه .. نَتْواراات ” ( نعم نعم .. أكيد نراها ) . حينذاك حملق جيدا في وجوه المتجمهرين ، و هم متلهّفين لسماع الجواب الذي قد ينهي ورطتهم اخيراً حتى ينصرفوا لاستئناف قضاء مآربهم ، فكان ان قال جملة واحدة في منتهى البساطة :

” ذخْواا.. أمْ وُراونْ نْ باباثْكوم ” ( الحق أقول لكم أنها فارغة كقلوبكم ) . و انصرف في صمت …

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.