العنف في المجتمع الريفي التخوين نموذجا

لا يمكن أن نعرف ظاهرة التخوين بتعريف واحد أو شامل فهو يعرف عدة أشكال و تتعدد أسباب استخدامه و تتعدد المنطلقات السياسية و الاجتماعية وأيضا اقتصادية في بعض الأحيان ، فالظاهرة تأخذ عدة ألوان و تموقعات حسب الغرض وحسب تموضعات المراد الوصول إليها، ولا ننسى أن التخوين محكوم بمواقف وأساليب وأدوات حسب الشخص أو المؤسسة أو الهيئة المراد إسقاطها، لم أجد للظاهرة أي تموقع إلا أنها عنف ممنهج، عنف يهلك ويسقط أي كان ومهما علا شأنه، فحدته تصل الى حدة القوى السياسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة القائمة على الهيمنة وإهدار حقوق مما يخلق حالة الفوضى في مكونات المجتمع من تنافر و تشاؤم.
يجمع الكل على التخوين له مفعول صامت ينشر الشر ويقضي على روابط الأخلاقية الإنسانية للمجتمع، لا أحد ينكر سواء كان من العامة أو من النخبة أن الظاهرة لها سم يجب علينا أن نقضي عليه، و الاتحاد من اجل كبحه من نشر للمعرفة و كذا نشر الوعي في زوايا المجتمع و تربيته على الاختلاف، و التنوع الثقافي وبشكل آخر تعريف المفاهيم السياسية وتعريفا صحيحا يلاءم الواقع المعيشي و الإدراك لمعاني المصطلحات و توظيفها بشكل سليم و الابتعاد عن اللغو و العقلانية في تدبير الأمور الخاصة و العامة عبر المساواة و إسناد الأمور إلى أهلها من تخصصات و هيكلة المؤسسات المختصة و الابتعاد عن الفوضى و تأني في اتخاذ القرارات، عندها يمكن أن نقضي على هذه الظاهرة المستفحلة في الريف والجالية في الخارج.
لي صديق وصفني بالخائن لرغبتي في خلق جمعية محلية قال لي أنت خائن، أصحيح أنا خائن!!! من خنت وما الأمانة التي خنتها ؟؟ ولماذا أصبح الكل يخون الأخر؟ وهل للأمر علاقة بالمحيط جيوسياسي وسوسيواقتصادي؟ ممكن!! يبدوا أن هذه الظاهرة أصبحت تطلق على أي كان كيفما كان، سواء كان مواطنا بسيطا أو سياسيا أو كيفما كان، هذا الفيروس ظهر في الآونة الأخيرة بشكل كبير يحمل في طياته حقدا وضغينة لكل المجتمع وبعد أن كان المجتمع يسوده المودة و الاحترام أصبح يعرف عنفا خطيرا هادما لكل ثوابت المجتمع و هادما لكل قيم الإنسانية، وعرقلة لكل تعاون بين الأفراد، إن العنف صحيحٌ هو فطرة عند الإنسان، فكل منا يحمل بين ثنياه خير وشر، وعلى ما يبدوا أن العنف أصبح سيد الموقف، فالرغبة في تحطيم الآخر معنويا ونفسيا عبر تشريده من أقربائه وأصدقائه ومن الناس حوله، وجعله نكرة مكروه وكنسه إلى الهامش أصبح سلاحا مدمرا للمجتمع لكن ليس لصالح الريف عامة.
صحيح أن العنف ليس حكرا على جنس معين أو شعب ما، ورغم تعدد أسبابه بين ما هو مادي من نقص لضروريات الحياة الاقتصادية أو الأسباب المعنوية من نقص في حقوق الإنسان من كرامة و عدل، أو دينية و عقائدية في حالة وجود وضعية يسمح فيها المعتقد في استخدام القوة في محاولة نصرة الحق ونهيا عن المنكر، وأيضا احد أعمدة العنف الذي ظهر في الألفية الثالثة التي تتجلى في الإعلام ،عبر التحريض على العنف و إذاعة برامج سياسية تحمل رسالة كره وحقد للأخر، وفي المقابل نجد الكثير من كوابح العنف من نشر قيم التسامح وتقبل لأخر و تقبل الرأي الأخر و نشر للمعرفة وكوابح عقائدية و أخلاقية.
من سنن الحياة اننا بشر لكن مختلفون عن بعضنا البعض، نعم هذه استوعبناها فهمناها و نحن نرضع الحليب من ثديي أمهاتنا الجليلات، لكن ما لم يستوعبه الكثير منا أن اختلاف أشكالنا و ألواننا و ألسنتنا تعطينا الحق في إختلاف أرائنا، واستقلالية الكل من عن الأخر وليس من الضروري أن يكون لنا نفس المنهاج و نفس المسالك و نفس المواقف والدائرة التي أقف فيها ليست نفس دائرتك و نظرتي لأمور ليست نفس نظرتك باعتبارك الأخر. من جهة أخرى تعرف غالبية الدول العربية و الامازيغية كل مسببات العنف، فكل بلد يتكون من العديد من الثقافات وهذه الأخيرة ثقافات قديمة و بالية متصدية لم تعد تلاؤم الواقع المعيشي لذلك تتخبط في العديد من المشاكل و الاكراهات الاقتصادية والسياسية.
التخوين ليس بجديد في العالم السياسي فهو قديم قِدم الإنسان، لكن المميز أن المجتمع الريفي المعاصر أصبح التخوين هو المنتوج المسوق في كل مكان فتهمة التخوين طالت كل من تكلم ولو كان سفيها، الأسباب هنا تعدد من مسببات مادية، فأغلب المناطق تعاني من تردي أحوالها الاقتصادية وانتشار الفقر والبطالة الصريحة أو المقنعة فيها، كما تسود فيها بنى اجتماعية تقليدية تكرس حالات التخلف والتردي الثقافي، وتحارب العصرنة والحداثة والعقلانية، وهذا كله ينمي ويفاقم نزعة العنف عند الفرد مدفوعة بعوامل الحرمان والقهر والإذلال، فالريفي عموما محروم مغبون في وطنه، ومهان مذلّ، بفعل سياسات حكوماتة، وهو أيضا غير محترم على الساحة الوطنية، وتقترن صورته مع التهريب و الهجرة وصورته الدينية غالبا ما ترتبط بالتخلف، وفي مثل هذه الظروف ليس من الغريب أن تتعاظم نزعة التخوين عند الكثيرين من عامة، لكن المزعج في كل هذا ان الأخوة في المهجر هم أيضا نشروا فكرة التخوين ويحاربون بعضهم البعض، وهذا سيء فعلا خصوصا عندما يكسرون تلاحم الرفيين في العالم، يتهمون بعضهم البعض بتهم خطيرة، يجب أن يعوا أنهم متفرقين خاسرين ومتحدين فائزون فالاتحاد قوة، و مما لا شك فيه فالكوابح الثقافية والمعرفية شبه معطلة تحت الضغط الاقتصادي، والقمع السياسي والاجتماعي، وتسخير وسائل التواصل الاجتماعي لتخوين الكل و أيضا النشر الدعاية ونشر المغالطات و البهتان.
لست ادري لماذا كل هذا الكم من التخوين، يمكن أن نتحدث عن حرب حقيقية تحدث تلتهم أي وفاق أو صلح بين أي كان، ربما لغياب هدف أو تعطل البوصلة، صحيح العالم حتى اليوم وبكل ثقافاته لم يخل بعد من العناصر تخوِّن الكل، وهؤلاء موجودون في كل مكان، وبقدر ما تتردى الظروف المحيطة بهم يزداد عددهم، ويكبر دورهم، ويزداد عدد الآذان الصاغية والأذهان الطائعة لهم من عوام الريف، وهؤلاء كثيرا ما يجرّون شعارات رفيعة، ويدفعونها في الاتجاه المناقض لغاياتها، ليجعلوا منها مصدرا أساسيا المخونين يضاف إلى العنف الناتج عن الواقع المعاشي المتدهور، بدلا من أن تلعب هذه العقائد دورها الكابح للتخون والمانع لنموه.
هنا أريد أن أشير إلى أن التخوين يضر أكثر مم ينفع الريف، يجب على كل من لديه إرادة صادقة لمحاربة التخوين أن يعي أسبابه الحقيقية، وأن يرى دور الواقع المعيشي بكل جوانبه في ذلك، قبل أن ينظر إلى الدور الذي تلعبه النخب السياسية، وأن يسعى إلى تغيير هذا الواقع جذريا نحو الأفضل. إن النّاظر إلى الأحداث الريف تؤرخ أنّها قامت في فترتين يفصل بينهما قيام الحراك ، قبل الحراك و بعد الحراك، قبل الحراك انطلاقا من حركة 20 فبراير فبعد سنة 2012 ظهرت ظاهرت التخوين بشكل مخيف في وسط الريف، بعد الحراك فبعد خروج ساكنة الريف من اجل مطالب اجتماعية و اقتصادية، وبعد الزج بقيادة الحراك في السجن، يعود التخوين ليشير يمينا يسارا شمالا جنوب كمجنون آو كسفينة فقدت البوصلة تترنح في وسط البحر، وحتى الجالية في الخارج لم تسلم من هذه الظاهرة الخطيرة. الملاحظ أن الفترة الثانية اشد من الفترة الأولى، فالثانية عرفت دخول الجالية الريفية على الخط، فالأولى كانت لها أهداف اجتماعية و اقتصادية واضحة لكن الفترة الثانية أيضا على نفس المنوال غير أن بعض من الجالية لهم رأي أخر.
إن التآخي و نشر الحب و الود عبر نزع الحقد وتجديد العلاقات الأخوية، والبحث عن حلول حقيقية تخرج الريف من مستنقع التخوين وتبادل الشتائم و غسل القلوب من كل كراهية و خفض أصابع الاتهام وتبديلها بسلام، فلا أظن أننا كسبنا من هذا التخوين شيء نفع الريف، إخوتي أن الريف غارق في البطالة، و انعدام راحة البال والهجرة التي تستنزف رأسمال البشري، ان كنتم حقا تريدون خيرا فلتسامحوا و تطوون صفحة وتستبدلونها بأخرى، فلنفكر في الريف و نبنيه اقتصاديا و ننشر ثقافة تقبل الآخر و نحصنه ضد كل من يريد بريفينا العزيز شرا، ونبحث عن حلول جدية تخرج اخوننا من السجون و تحقيق مطالب الاجتماعية والاقتصادية، بناء الريف يحتاج إلى كل ابناءه بدون إستثناء ولنا في التاريخ خير أسوة، فعندما أراد الامير محمد بن عبد الكريم ان يقاوم الاستعمار الاسباني و التحرر من الاستعمار اول ما قام به هو توحيد قبائل الريف، من هنا البداية.
سفيان بوقريوح

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.