العنف الفصائلي والقتل على الهوية

عندما يلبس العنف في الجامعة المغربية لباساً سياسياً يكون ذا نتائج خطيرة، قد يتحول أحيانا إلى القتل على الهوية، وهي أحط الجرائم وأكثرها دناءة، فكما هو معلوم فأغلب فصائلنا في الجامعات تكون مبنية في نواتها على انتماء قَبلي، فتجد نشطاء الفصيل الفلاني هم في أغلبهم من منطقة كذا، والفصيل الاخر من منطقة كذا، وهذا الامر ينطبق على كل الفصائل وبكل تلاوينها، صحيح هناك اختلاف في حدته لكنه موجود في كلّ الفصائل سواء كانت اسلامية أو يسارية أو الحركة الثقافية الامازيغية، ومع هذا المعطى فيحدث مثلاً اين تكون جامعة ما تعيش على ايقاع توتر ومناوشات بين فصيلين معينين، ويعقبه ترصد من كلا الطرفين لنشطاء الاخر، فيحدث مثلا أن يقع احد الطلبة ضحية لاعتداء فقط لأنه ينتمي الى منطقة (أ)  ويحدث أن يكون الطلبة المنتمين إلى هذه المنطقة معروف عنهم أن أغلبهم  ينتمون إلى الفصيل كذا الذي هو في صراع مع فصيل اخر، وهكذا يكون هذا الطالب الذي لا ناقة له ولا جمل ضحية القتل على الهوية كما كان يحدث في الحرب الأهلية في لبنان(1975-1990)، هو لا يتبنى أفكار هذا الفصيل ولا علاقة تنظيمية تجمعه به فقط المصادفة جعلت اصدقاءه وأبناء منطقته في أغلبهم ينتمون إلى هذا الفصيل لا غير….
لقد كنتُ شاهدا على حالات كثيرة مثل هذه، في جامعة محمد الأول بوجدة، وفي صراعات متعددة بين الاسلامين (تحالف العدل والاحسان والوحدة والتواصل انذاك) ضدّ القاعديين (تحالف البرنامج المرحلي والكراس)،و البرنامج المرحلي ضدّ الكراس، البرنامج المرحلي ضدّ الحركة الثقافية الأمازيغية، الكراس ضدّ الحركة الثقافية الامازيغية… خلال ست سنوات قضيتها في جامعة وجدة شاهدت 6 مواجهات دموية، وكان وارد جداً أن يتُخلّف قتلى، و جلّ هذه المواجهات خلفت عشرات الجرحى منهم من خرج بعاهات مستديمة ما زال يحمل ندوبها بعض من شارك فيها أو كان ضحية لها.
صحيح سؤال من المُبادر بالعنف له حجيته وأهميته لكن أيضا عندما ينطلق العنف، ينفلت من عقاله ويصعب التحكم فيه  ويصبح مثل فيل دخل محلاً للخزف الصيني، و يقدم الكل دون استثناء على أعمال ترهيبية تطال حتى الابرياء، صحيح المُبادر بالعنف هو المدان أولا وهو من يتحمل المسؤولية الأكبر في سفك دماء الطلبة، لكن أيضا حتى الطرف الاخر الذي قد يبرّر لجوءه إلى العنف بكونه مكره عليه وفُرض عليه، فإن عناصره لا تكون منزّهة على ارتكاب فضاعات واعتداءات تخرجها من مبرر الدفاع عن النفس الى الاعتداء الأهوج.
في تقديري أن العنف الفصائلي لا يمكن أن نبحث له عن مبرر حتى وإن كان باسم الدفاع عن النفس، فمن سيضمن الدفاع عن النفس أن يكون دقيقا ورزينا، عندما تنفلت عقال العنف وغرائز الانسانية البدائية تسقط كل الشرائع وكل الاقتناعات ولا يصمد أمامها أي وازع. لا بد من الاتفاق على تجريم العنف الفصائلي كيفما كان نوعه، ليس التجريم عبر استدعاء وزارة الداخلية و أجهزتها لتدنيس حرم الجامعة بل بفرض تجريم العنف ميدانيا ومن خلال محاصرة كل الداعين إليه والمقدمين عليه، تذكروا أن وزير الداخلية السابق (ادريس البصري) قالها واضحة في احدى جلسات البرلمان عندما تم توجيه سؤال له حول وضع جهاز الأواكس في الجامعات بأن قال “أن هذه العناصر هي لحماية الطلبة من الصراعات الدموية في الجامعة”؟ ونحن نعرف جيذا أن هذا الجهاز كان همه الوحيد ومهمته الوحيدة هي تكسير ضلوع الطلبة المناضلين ولم يثبت يوما انهم تدخلوا لفض صراع فصائلي ولا قاموا بحماية الطلبة.
إن الدعوة لاستقدام أجهزة وزارة الداخلية لاقتحام الجامعات بمبرر استئصال العنف سيكون ذا نتائج خطيرة على الطلبة وعلى الجامعة المغربية، ستذهب هذه العناصر الى الجامعة لتجهز على أي بصيص أمل نضالي، وستصبح معه الجامعات ثكنات عسكرية، ليكون ذلك معبرا لفرض قرارات تصفوية منذ سنوات تحاول الدولة المغربية تمريرها لكنها تفشل في ذلك لوجود مقاومة طلابية رغم ضعفها، ولعل أخطر القرارات التي نحن مقبلين عليها هي فرض رسوم على التسجيل من الجامعات ليتم الانتقام من الزيادة الهزيلة التي مست المنح الجامعية، أي سيسرقون  باليد اليمنى (رسوم التسجيل الجديدة) ما تم زيادته باليد اليسرى في المنحة، كل هذا في اطار استكمال ضرب مجانية التعليم العالي كما ظلّت توصي مراكز القرار المالي العالمي المغرب الاقدام عليه منذ سنوات لكنه في كل مرة كان يفشل في ذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.