العبث بالمآثر التاريخية في الريف تحت غطاء الترميم.. قصبة سنادة نموذجا

انطلقت أشغال الترميم بقصبة سنادة، على غرار بعض المآثر التاريخية بمناطق الريف (قلاع طوريس، بعض معالم مدينة بادس..)، حيث طال الإهمال هذه القصبة منذ خروج القوات الإسبانية منها. وكان الاستعمار الاسباني استغلها كمركز إداري، وقلعة عسكرية محصنة، قبل أن يقوم الإسبان بعد ذلك بتشييد الأكاديمية العسكرية بمركز سنادة، وقد تخرج منها ضباط وأطر عسكرية وإدارية كان لهم شأن في مصير إسبانيا.

عند خروج الإسبان تُركت قصبة سنادة عرضة للإهمال، فطالها التخريب وبدأ الاندثار يهددها، كما تسببت بعض المشاريع المنشأة من قبل المسؤولين المحليين( الجماعة المحلية، العمالة..) في إتلاف بعض الأجزاء منها، والسطو على بعض التجهيزات الثمينة التي كانت بداخلها، وقد تم تشييد ملعب لكرة القدم بداخل القصبة، وأثناء الأشغال قامت جرافة بتحطيم الباب الرئيسي للمعلمة بأمر طائش من قبل مسؤول غير مدرك ومقدر للقيمة التاريخية لهذه البناية.

 

تكرر نفس الأمر مع “المدرسة الإسلامية” المحاذية للقصبة، بحيث سيسمح المجلس الجماعي السالف بتشييد معمل للخروب – المنجز في إطار جبر الضرر الجماعي المتبنى من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والممول من طرف الاتحاد الأوروبي، ومؤسسة صندوق الإيداع والتدبير- على أنقاض هذه المدرسة العريقة الفريدة من نوعها بالريف، فتم إتلاف هذا التراث الثمين، من أجل مشروع طائش من دون أي تخطيط أو دراسة مسبقة، للإشارة هذا المعمل لم يشتغل ويتعرض بدوره للإتلاف، و من سوريالية الأشياء أن هذا المشروع المفلس من أصله، والذي جاء في إطار جبر الضرر وحفظ الذاكرة الجماعية قام على أنقاض ذاكرة مكانية -المدرسة الإسلامية- وشوه واجهة ذاكرة أعرق وأقدم قصبة سنادة.
بمحاذاة المدرسة الإسلامية توجد المحكمة، التي تتموقع بواجهة “سوق أربعاء سنادة”، والذي يعتبر من أقدم الأسواق بالريف، بحيث يرجع تأسيسه الى بداية القرن الثامن عشر حسب بعض الوثائق التاريخية.
نفس الأخطاء ستتكرر مع “سوق أربعاء سنادة”، وبعدما أصبح أطلالا مهجورو من نشاطها التجاري، سيتم تشييد ملعب لكرة القدم برحبته.

 

وجاء ترميم قصبة سنادة في إطار مشروع برنامج الحسيمة منارة المتوسط، حيث قامت وزارة الثقافة باقتناء الموقع من طرف الجماعة، والشروع في ترميمها خلال صيف 2018، وتقدر كلفة المشروع 4,5 مليون درهم، ومدة الإنجاز محددة في 12 شهرا.
هذا الغلاف المالي المخصص لقصبة سنادة “ثرا ن بادس”، وحسب تقديرات بعض التقنيين والمتتبعين للأشغال الجارية غير كاف، وسوف لن يفي بكل ما تحتاجه هذه القصبة من إعادة تدعيم وبناء حيطانها وأبراجها، وبعض المنشآت والموافق بداخلها.

 

وسجلت أغلب آراء الأساتذة الباحثين المهتمين بالتراث الثقافي والتاريخي بالمنطقة، وبعض الفاعلين المشتغلين على ذاكرة الأمكنة بالريف الأوسط على الانتقائية في أشغال الترميم التي تعرفها حاليا المآثر التاريخية بالمنطقة، حيث يتم تخصيص مكونات من المآثر المستهدفة بالترميم دون أخرى، وغالبا ما تكون تلك المكونات البارزة، غير أن الأمر يتطلب النظر إلى الموقع في شموليته، لا في جزئيته، وعلى أن تسبق عملية الترميم “تحريات” أركيولوجية تشمل الموقع ومحيطه بصفة عامة، حتى لا تستثنى جوانب منه، كما حدث بموقع قلعة صنهاجة بآيث بوفراح، وبسنادة حيث استثني عين القصبة، أو “تلا بادس” كما تسمى في المصادر التاريخية، رغم أن ذلك لا يتطلب ميزانية، ونفس الأمر ينطبق على غيرها من المواقع والمآثر التاريخية بالمنطقة.

 

أحد الباحثين المشار إليه أعلاه والمتتبع عن قرب للأشغال الجارية بهذه المواقع، والتي قامت أنوال بريس باستقاء آرائهم بخصوص الترميم، شدد على أن الأمر يتطلب التركيز في المقام الأول على جودة الأشغال، ولو تطلب الأمر ترميم جزء بعد جزء، خير من أن ترمم كل المآثر بالريف لكن بجودة ضعيفة، بحجة النقص في الموارد المالية المرصودة للمشروع، فالكيف أولى من الكم. كما شدد أن لا هدف من الترميم من أجل الترميم، بل وجب أن تعطى للمواقع المرممة أدوارا تربوية وتعليمية وأن تساهم في التنمية المحلية.
فكل المواقع التي شملها الترميم، أو تلك الجارية والقادمة الذي نأمل أن يشمل كل المآثر الأخرى سوف لن تكون ذات أهمية ما لم يتم ربط كل ذلك بسؤال التنمية باستثمار كل هذا الغنى الثقافي والموروث التاريخي والمعطى الطبيعي في النهوض بالمنطقة ضمن مشروع تنموي واضح المعالم.

 

جابر الخطيب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.