العالم على شفا جرف هار

مؤخرا لمن يتابع قليلا مايجرى في العالم من مستجدات سياسة واقتصادية وكذا جيوستراتيجية دولية وسيطرة لوبيات معينة على القرار السياسي الدولي خاصة لوبيات صناعة الأسلحة القوية في وقت لم يعد للهيئات والمنظمات العالمية الغير حكومية كالأمم المتحدة وغيرها أي قرار أو تأثير للسيطرة على الوضع أو التوسط لفك الازمات الجارية بالعديد من بؤر التوتر كالأزمة السورية او اليمنية مثلا، تزامنا مع بزوغ نجم زعماء دول عضمى مزاجيون خطرون على العالم وعلى مصيره حسب خبراء مختصين في علم النفس السياسي، كالرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي ربما لا زال يحلم بإعادة إحياء أمجاد الإمبراطورية السوفياتية بنظام اقتصادي مبني على الانفتاح على اقتصاد السوق طبعا ، ونزوعه نحو تكثيف تصنيع الأسلحة المتطورة بما فيها الصواريخ الباليستية الحاملة لرؤوس نووية عابرة للقاراة .. وخرقه لاتفاقية دولية في هذا المجال، وتواجده بشكل قوي ولافت مؤخرا في الشرق الأوسط عبر بوابة سوريا وتوسيع دائرة نفوذه المتزايدة على الساحة السياسية الدولية في مجالات كثيرة ومتنامية ببرغماتيته المتقلبة والمتشنجة..

نفس الشيء بالنسبة للتنين الصيني الرئيس شين جين بينغ الذي صنفته منظمة فوربس هذا العام كأقوى شخصية في العالم نظرا لما حققته الصين الشعبية في عهده من نهضة اقتصادية قومية وهيكلية لا مثيل لها واستطاع في ظرف وجيز تحقيق الكثير داخليا وخارجيا ايضا، لكن بدكتاتورية شرسة للغاية ، يستعمل ورقة كوريا الشمالية ونفوذه التام عليها ضد الغرب كما استطاع ان يكرس نفسه أيضا زعيما أبديا على الحزب الشيوعي الحاكم وعلى رئاسة الدولة .. ووسع تسليح وتقوية القوات العسكرية والاساطيل البحرية محاولا تحدي ومزاحمة الولايات المتحدة الامريكية في الكثير من المواقع في المجال العسكري والاقتصادي أيضا .. كذلك دونالد ترامب رئيس أعظم دولة والمتحكمة الاولى في خيوط لعبة العالم .. يتعامل مع الأزمات والشؤون الدولية بمنطق رجل اعمال يسعى فقط نحو الربح المادي .. يميني شعبوي مزاجي يكره المهاجرين واللاجئين ولا يعرف شيئا اسمه حقوق الإنسان أو الالتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية، يريد فقط جلب الأموال لاستثمارها داخليا وعقد صفقات بيع السلاح .. أخرج امريكا من جل المنظمات العالمية حتى قمة باريس حول المناخ الأخيرة أفشلها .. لأنه ليس مهتما كثيرا كيف سيكون العالم بعد 60 سنة مثلا بمقابل التضحية بإيقاف صناعات أمريكية كثيرة ملوثة يمكن ان تخلق له أزمة اقتصادية داخلية كما حدث لماكرون على سبيل المثال، ومن منطلق تفكيره الاقتصادي الآني انسحب من الاتفاقية، علما أن دولتي أمريكا والصين تساهمان لوحدهما فقط بأكثر من %63 من انبعاثاث الغازات السامة الملوثة للغلاف الجوي !! كلاهما لا رغبة حقيقية لهم للانضباط لهذا التحدي .. فضلا عن دعمه لإسرائيل ونقل سفارة بلاده للقدس واعترافه بها كعاصمة أبدية للكيان الصهيوني ..

أوروبا أيضا، مؤخرا تعرف تحولات عميقة في ما يتعلق بتكتلها ووحدتها فقد انسحبت بريطانيا مؤخرا ولا زالو لم يتوصلو معها الى اتفاق خروج نهائي، وتنامي التخوف من سير بعض الدول الاخرى على نفس منوالها وبالتالي نهاية الاتحاد خاصة بصعود احزاب يمينية وشعبوية في دول عديدة كالمجر وإيطاليا .. وبلوغها الحكم، وكذا أزمة السترات الصفراء وغيرها. كما تشهد أوروبا ايضا في السنوات الاخيرة تباطئ في نسب النمو المحققة عدا ألمانيا وأزمة الهجرة وخلافات أخرى حادة .. مع اقتراب الدب الروسي من الشرق وهظمه للقرم من أوكرانيا والصدام الحاصل بينه وبين حلف الناتو .. من دون أن نتحدث على ما يجري في سوريا والعراق واليمن وبورما وليبيا والأكراد وإيران المتمردة ودول الخليج وتركيا وما يجري في فنزويلا مؤخرا وأمريكا اللاتينية عموما، وصعود اليمين المتطرف فيها أيضا وخاصة في البرازيل وكولومبيا بمقابل أفول احزاب اليسار الإصلاحية وتراجع شعبيتها وكذا استمرار غطرسة وقمع الزعماء الأفارقة والعرب لشعوبهم كذلك نتيجة التأييد والدعم المشروط الذي تتلقاه من قوى ودول غربية حفاظا على مصالحها ..

كل ذلك طبعا جزء كبير منه تتحكم فيه لوبيات صناعة الأسلحة خصوصا من وراء الستار والمتحكمون الفعليون باستنزاف خيرات الشعوب بخلق حروب وتوترات، وإنشاءها لكيانات ومنظمات إرهابية بغية توجيها للقرار السياسي في التعامل الدولي بين دول وأخرى لبيع السلاح وكذلك لوبيات صناعة الأدوية والمتحكمون بالطاقة والبترول والمنظرون الاستراتيجيون الكبار وكذا لوبي المال والأعمال الصهيوني بطبيعة الحال .. من منطلق أن الاقتصاد هو الذي يحدد نوع السياسة المتبعة دائما وليس العكس، من يملك أكثر يتحكم أكثر .. ففي آخر تقرير مثلا لمجلة فوربس العالمية أكدت ان 26 شخص في العالم فقط يملكون ويستحوذون على %50 من الثروة الموجودة على كوكب الارض .. في مفارقة لا يقبلها المنطق ولا يصدقها العقل !!

هذا النظام الامبريالي العالمي الجشع المبني على استغلال العمال واضطهادهم وسرقة ثروات الشعوب الفقيرة واستنزاف خيراتها لن يستمر الى الأبد .. لا شك أن أزمات أخرى وأكثر حدة قادمة لا ريب .. فالنظام العالمي الامبريالي المتوحش هذا يحفر قبره بيده ويسير بوتيرة أكبر نحو الهاوية اقتصاديا عسكريا وبيئيا أيضا.

فؤاد القضاوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.