الطابو والمغيب من زلزال الحسيمة

البداية المعتادة:

من عادتي أن أستفيق على صوت المنبه باكرا كل يوم من أيام وسط الأسبوع . أغسل وجهي عدة مرات وأنظف أسناني في أسرع وقت ممكن وكأني أتسابق مع الزمن. أبلل شعري عبر مسحه مرة واحدة من مقدمة الرأس إلى مؤخرته، نصفا مما يتم في الوضوء. أرتدي ملابسي دون أن أجفف شعري. آخذ محفظتي في يدي وأتجه الى مقر عملي بعد أن آخذ رشفة صغيرة من كأس حليب مصته آلة من ضرع بقرة هولندية. في الطريق الى العمل ألف سيجارة أو اثنتين وأدخنهما. أدخل باب البناية وألقي التحية في بهجة صباحية كثيرا ما يحسدني عليها زملائي في العمل لأنها تشكل لهم مرآة تظهر مدى تجهم مزاجهم الصباحي. أحيي بصخب زميلات قاعة الاستقبال ويردن التحية بتحية مصحوبة بابتسامة أنثوية أعشقها. تزداد بهجتي وأنا أعبر الممر الى غرفة أتقاسمها مع زميلة مرورا بغرف كثيرة ومنها تلك المخصصة لمسير فرقة العمل. أدخل الغرفة. أحط محفظتي على المكتب وأفتح الحاسوب والهاتف ليتمكن من استقبال المكالمات وبعدها أنزع عني معطفي وأعلقه. إنها مراسيمي المعتادة التي أمارسها كي ينجح يوم عملي. لكن ذلك اليوم كان ثلاثاء وأنا سأجدني لأول مرة في حياتي أنحرف عن هذه الأفعال شبه القهرية التي أقوم بها كل صباح عمل. ففي هذا اليوم لم ترافق البسمة الأنثوية التحية التي ردت على تحيتي. شيء ما حدث ظننت وتأكدت بهذا فورا. فما إن وضعت قدما في الممر وسط البناية إلا وأسمع المسير وممثل رب العمل يناديني:

– ماذا تفعل هنا؟ ألم تسمع الأخبار؟

– ماذا وقع؟ اخبرني

– أعرف أنك تنحدر من الحسيمة، لكن من أي جهة بالضبط؟ أين تسكن عائلتك؟

– إمزورن

– إمزورن، قالها وكأنه يعرفها، وكأنه في حوار مع حدسه وقد كان الصواب مع هذا الأخير،

واستطنب: – سمعت في نشرة الاخبار هذا الصباح أن زلزالا قويا ضربها وأحدث خسائر كبيرة في الأرواح وفي البنيان. خذ عطلة على حسابي. إطمئن أولا على أحوال عائلتك. اذهب فورا واترك مذكرة جدول أعمالك هنا ليتكلف زملاؤك بمواعيدك.

لم أحس بالطريق في عودتي الى المنزل ذلك الصباح. لم أحس بدمع تذرفها عيني. لم أحس بالمكان ولا بصلابة الرصيف تحت نعالي ولا بثقلي عليه. حاولت كل الوقت أن اتصل بأحد أفراد العائلة الكبيرة، بأحد من الأصدقاء الأقرباء، بأحد من المعارف البعيدين. اتصلت بكل الأرقام الهاتفية الي بحوزتي دون جدوى. ولما لم أفلح بدأت بالاتصال بمعارفي في هولاندا لمعرفة ماذا يجري. في منزلي أفتح التلفاز. إنها فاجعة حقا. أكثر من قناة هولندية تبث برامجا خاصة حول الزلزال. صور تلفزية لمدينة نفيت دوما من جهاز التلفزيون. حتى على القنوات الالمانية والبلجيكية أرى نفس الشيء. تذكرت قم الإيرانية، مدن تركيا ومدنا أخرى ضربتها الزلازل مخلفة آلاف الضحايا. تذكرتها وأنا أسمع أخبارها في نشرة الأخبار الرئيسية. لكن إمزورن قصة أخرى. خصص لها بث مباشر وسلسلة أخبار عاجلة يتكلف بها طاقم بعد طاقم ويستحضرون كل المستجدات ويتم فيها الاتصال بمراسلين في عين المكان، يوما بعد يوم وأنا أتابع الأخبار: شكوى فرق الإنقاذ الهولندية التي لم يسمح لها بأجهزتها وبكلابها الخروج من مطار الشريف الإدريسي وبقيت هناك عالقة بينما الضحايا لا تزال تحت الأنقاض. إنها من تلك الأشياء التي لم تستوعبها العقول. إنها من تلك الأشياء الخارجة عن منطق روح الظرفية واستنكرتها الجالية، خصوصا وأن فرق إنقاذ أخرى وعلى رأسها الفرنسية قد سمح لها وتتواجد في مكان الزلزال عينه. لماذا يا ترى هذا الاستثناء ؟ ألأن هولاندا قد وصفت يوما الريف بإقليمها الثالث عشر؟ لا أحد يعرف السبب*1

الحبكة والسفر العاجل:

بعد مرور أيام سنرتوي بجديد النشرات الإخبارية عن الموتى والخسائر والزيارات الملكية، عن النقص الحاد وعن البرد في معسكرات الخيم وعن احتجاجات السكان. بالمقابل يزداد جوعنا الى التفاصيل الصغيرة، الى التي لن تعرفها إلا إذا عايشت الأوضاع عن قرب. فتحتك أكثر فأكثر كي تعرف أكثر، كي تسهل معالجة الصدمة العويصة أكثر. استقليت طائرة تاركا ورائي هذا الامتداد الهولندي للوطن، يتحد مع الوطن ويشكل جبهة واحدة. الزلزال والتفاصيل الصغيرة، إن هذه الأخيرة هي التي تحدد وجهة الصدمة. ووقعها على تطور الشخصية، فبينما الأخبار والأرقام عن الضحايا والخسارات والمعاناة تقويها، يحل الضعف بها بالمقابل ما إن تحضر الفكاهة وبسمة انتزعت عنوة من فم أدركه أثر الزلزال. في مقهى المقشدة، يأخذ الذعر بالزوار ويهمون في هيستيريا غريبة بالهروب الى الشارع ما إن يحاول شخص تسوية جلسته محركا كرسيه الذي يحدث صوتا يذكر الناس بصوت الزلزال. في نفس المقهى يدخل شخص ويدعو الناس الى الخروج لرؤية الملك فيسأل أبله إمزورن:

– وما وجهته هذه المرة؟

– تماسينت، يرد الرجل الذي لا يعرفه من زوار المقهى أحدا وينبس الأبله بريفية قحة:

– Tmasint? a9bar madyah as9aditid da as 9assakh visa mizi ghaya3da

(تعني: تماسينت: ابعث به الي كي أقطع له تأشيرة العبور) ويتجهم وجه المنادي وينصرف. يضحك الناس في صخب مراقبين الوجوه المجهولة في المقهى ويستمرون في أحاديثهم وهم يرتشفون من كؤوسهم. في الليل يغادر الناس المدينة أفواجا متجهين الى خيمهم التي وتدت في الأماكن المفتوحة خارج المدينة خائفين من الأرض تحتهم وهي لا تزال تهتز وترتد من حين الى آخر. يخرج الناس كلهم إلا صديقي الذي يعود الى منزله الكائن وسط المدينة معاكسا طبيعة المدينة:

-إنه منزل بني في الستينات ، ربما لا يوجد في المدينة كلها أقوى منه، يتابع صديقي شرحه لي، مرة كنت أريد أن أصلح شيئا فيه وكان يجب أن نحفر حفرة في اسمنته. أتعرف كم من عامل بناء فر من المهمة لصعوبتها وكم من الأدوات الحديدية المستعملة قد تكسرت. ما كان لصديقي أن يقنعني للمبيت في منزله وسط هذا الذعر المسجى على طول وعرض المدينة لولا قصة الإسمنت التي تكسر الحديد.

بعض القرى المحاذية لنهر النكور من الجهة الأخرى والتي تنتمي آنذاك رسميا لإقليم الناضور ولا تبتعد عن امزورن الا ببضع كيلوميترات، تضررت كثيرا من الزلزال. لما وجد سكانها انهم عرضة للنسيان، نظموا مسيرة كبيرة الى حيث يتواجد الملك، امزورن، مركز الزلزال. اعترضت قوات الامن طريقهم وفرقتهم بموجب أن كل المساعدات تحسب فقط على إقليم الحسيمة ونصحوا أن يتجهوا الى الناضور التي تبتعد عنهم بأكثر من مائة وثلاثين كيلومترا فعادوا الى بيوتهم ليقارعوا المعانات في ظل النسيان. أما أنا وأحمد، صديق لي من الديار البلجيكية والذي التقيته صدفة في أحد مخيمات امزورن قررنا ان نقوم بزيارة للبحر. على الشاطئ بمحاذاة الموج نظر الي وسأل:

– أتفكر فيما أفكر فيه الآن؟

– لكن كيف ولا توجد لدينا فوطة ولا ملابس نستبدلها؟

– الكل في المخيمات لا أحد سيراك. سننزع عنا كل ثيابنا كما يفعل العراة.

– لكن الماء بارد

– ليست باردة أكثر من الخيمة التي قضيت فيها ليلة أمس. أريد أن أغتسل وأنسى الزلزال وكل هذه المعاناة.

خاتمة: الوطن ترحم على الشهداء وقبورهم

مع قبر شهداء الزلزال انتهت الحكاية بالنسبة للمتضررين من الجالية. كيف سيتجرأ أحدهم أن يشتكي حالته وهناك في امزورن من مات وما أكثرهم؟ ماذا تعني الخسارات المادية إذا وضعناها مقابل الموت؟ كيف ستتحدث عن الماديات وأنت تقطن في هولاندا؟ أسئلة بأجوبة منطقية جعلت من أفراد الجالية يتجرعون حكايات وقع الزلزال على حياتهم في صمت محاط بطابوهات كثيرة. فأحمد- مثلا، كان له منزلين في امزورن. تضررا كثيرا بفعل الزلزال ولم تعدا تصلحان للسكنى. عائلته القريبة والتي كانت تسكنهما وجدت نفسها مجبرة أن تبحث عن خيمة. لم يجد أحمد ما يصلح به منازله. فتوجه للبنك قصد الاقتراض. دفع للدولة المغربية تسعة آلاف أورو ثمن الشقة التي بنتها في السوق المركزي لامزورن كتعويض عن الخسارة. ليجد نفسه يتخبط في مشاكل مالية كثيرة. عشر سنوات مضت. الكثيرون نسوا الفاجعة أو يتحاسبون الآن ويتحدثون عن سرقة المساعدات وعن الاستنفاع بها، لكن أحمد صديقي، ووجه الكثيرين في هذا المهجر، لا يزال يدفع من أحد المدن البلجيكية في صمت فاتورة الزلزال..

الهامش *1. لنا عودة لموضوع العلاقات الهولندية المغربية في أحد النصوص القادمة

تعليق 1
  1. hassan boudouh يقول

    نص رائع عن الزلزال وتداعياته وما تركه في النفوس من الام وجراح لم تندمل الى حدود اليوم فعسى ان يكون نصك هذا صديقي محمد ونصوصاخرى قد نقراها في المستقبل بلسم لجراحنا….تحياتي ومودتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.