الصيام عند الهنود الحمر

1039558_541902302540208_1969207497_o

بعدما قرر أعضاء حركة “مالي”، و هو الاسم الذي تحمله إختصارا “حركة بدائل للحريات الفردية”، تجديد النقاش حول قضية الحريات الفردية، و تحديدا عبر بوابة الحق في الإفطار من خلال ندوتهم الصحفية التي عقدوها بمقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مؤخرا، وجدتني مُسْتَفَزا، بمعنى دفعني للبحث عن ماهية الصيام و تاريخه قصد محو أميتي و الوصول لخلاصات أعمق من التي يجرنا اليها تقزيم النقاش سواء كان هذا التقزيم مصدره دعاة الإفطار أنفسهم أو أصحاب التعليقات الذين يكتفون بتعليق على الموضوع من قبيل “إذهبوا الى جهنم فلا مكان لكم على أرض المغرب المسلم..”.
بهذا الحافز و دون كثير وقت و لا كبير عناء وجدت أن الصوم كان عند الهنود الحمر، بأمريكا اللاتينية، “شعيرة” لتحقيق الرؤية الروحية و كان عند شعب “الفنك”، معتنقي الديانة الشامانية بسيبيريا، رغبة في الشفاء من الأمراض و تطهير للروح و السيطرة عليها.
أما الصوم عند البوذيين فكبح للشهوات و تحقيق لأعلى درجات الصفاء الذهني. بداية الشهر الرابع من السنة المصرية كان المصريون القدامى يصومون ستة أيام عند إنحباس مياه النيل في الصعيد و قد استمرت هذه العادة فسميت بـ”الستة أيام البيض”. صام البابليون تكفيرا عن خطاياهم و طلبا للمغفرة أما الهندوس فيصومون قبل زيارة المعابد و استعدادا للأعياد.
استعمل الصيام في الحضارة اليابانية القديمة سبيلا لإذلال الطغاة و من هنا تطورت فكرة الإضراب عن الطعام كوسيلة للإحتجاج السياسي أما سقراط و فيتاغورس و غيرهما من العلماء و الفلاسفة فقد استعملوا الصيام وسيلة للوصول لذروة الفعالية الذهنية.
حافظت الديانات السماوية على طقس الصوم بتجلياته الصحية (نفسية و بدنية) و تجلياته التعبدية فأصبح الصوم في الديانة اليهودية هو الإمساك عن الأكل والشرب ولم يفرض عليهم كتابهم إلاّ صوم يوم واحد، كما ورد في عهد “اللاويّين”. يصوم المسيحي بناء على محبته لله ورغبته في التقرب منه والتذلل والانكسار أمامه طاعة و يقترن صيامهم بالصلاة كما ورد عن النبي دانيال في “سِفر دانيال 9: 3.”.
لم يشد الإسلام عن هذه القاعدة بل اعترف بها كممارسة إنسانية قديمة من خلال ما جاء في الآية 183 من سورة البقرة التي تقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. مع التسطير على عبارة “كما كُتِبَ على الذين من قبلكم”.
عندما غدت الولائم، في عصر النهضة، علامة من علامات الوجاهة في إيطاليا حث “لودفيگ گارنارو” الناس على الصيام و كتب قائلا: يا لإيطاليا اليائسة ألا ترين أن شهوة الطعام تقودك للموت أكثر من أي وباء أو حرب مدمرة.
أما نابليون بونابرت فقد فرض، إبان احتلاله لمصر، الصوم في المستشفيات كوسيلة لمنع العدوى و انتشار الإمراض و قبل ذلك كتبه أطباء العرب في وصفاتهم لعلاج “السيفيليس” و “الجذري” قبل أن يصفه إبن سينا حلا لكل الأمراض المزمنة.
الصيام إذن ملك للإنسانية، وثنيون و موحدون، مؤمنون و ملاحدة و لا أدريون، فلاسفة و أميون. منهم من صام ليصح و منهم من صام للتكفير عن الخطايا و منهم من صام للتقرب لربه و منهم من صام ليلامس أعلى درجات النقاء الذهني.
من حق الناس أن يصوموا كما صام أجدادهم..
و من حق الناس أن يفطروا.. كما دعا بعض الأحفاد
دعوا الله، معددا للحسنات كما السيئات، وحده لا شريك له.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.