الصعود إلى سيدي بوخيار..

جمال المحدالي

الصعود إلى سيدي بوخيار هو صعود إلى أعالي الذاكرة والمخيلة، إنه رحلة صوفية بحثا عن النقاء والحق والحرية. لذلك فهو يستلزم الرفقة والمسار. فمن حيث الرفقة فقد كانت رفقتنا فريدة وممتازة: السيد أحمد الزفزافي ، الصحافي والمناضل محمد الموساوي، الباحثة الفلسطينية في الأنتروبولوجيا الدينية المقيمة بهولندا خلود أجارمة وأنا. أما من حيث المسار فلأول مرة سنصعد إلى سيدي بوخيار عبر الطريق المسماة من طرف عابريها الدائمين بأبريذ أمعارض. سميت كذلك لأنها انحرفت أثناء شقها حد الزيغ عن الطريق القديمة التي كان يسلكها الناس إلى تماسينت عبر الأرجل والدواب، وبتلك التسمية حدد الوعي الجمعي أهم ما سيميز هندسة الطرقات بالريف وبالمغرب، مادام أن شق الطرق منذ أبريذ أمعارض وقبله اعتمد على قاعدة الإنعراج والإلتواء،. و أبريذ أمعارض يعد من أقدم الطرق بالريف، تم شقه في بداية السبعينات من القرن الماضي. ومنذ تدشينه وهو يعرف حركة دؤوبة وخاصة في فصل الصيف حيث تتلون بغباره الكثيف أحدث ومختلف أنواع السيارات التي يعود بها المهاجرون الذي هُجّروا فرادى ثم بالعائلات، لتجد نفسها قراهم مهجورة برمتها أو تكاد. تلك الطريق أخيرا تم الشروع في تزفيتها ليتحقق حلم الربط بين تماسينت وسبت شقران، بفضل الحراك الشعبي الذي عرفه الريف وبذكاء لجنة تماسينت التي استطاعت أن ترسخ الحراك تماسينتيا، وأن تنتبه إلى ضرورة صياغة ملف مطلبي خاص بالمنطقة يتقاطع ويتكامل مع الملف المطلبي العام للحراك والدفاع عنهما باستماتة.

أن تعبر “طريق أمعارض” ونوافذ السيارة مفتوحة، دون أن تخلف خلفك وحواليك غيوما داكنة من الغبار، أن تسير عليها بسرعة تفوق ستين كلم في الساعة، دون أن تسقط عجلة السيارة في حفرة أو تصتطدم بحجارة أو بحاجز عشوائي وضعه صاحب منزل ما محاذي للطريق، ذلك يعني أن ثمة شيئا ما قيد التغير بالمنطقة.
هذا الإحساس بالتغير يتأكد أثناء الوصول إلى إبوبُّوحن والدخول في واد بوهرون الذي يتماهى بواد غيس عند “ثاندا ؤمعيش”، فمن قبل كان الوصول إلى هناك يعني التيه بين أحجار ورمال وتشكلات ترسبات النهر. ويحكى أن سيذي علي بن داوود دعى عليه بعد أن غمر ذات حملة إبنه إلى مثواه قائلا : “سير أيا غزار ن بوهرون، ياك مارا توّيد سوزير س ادجيرت أد تازغذ، مارا ثاوّيد س ادجيرث س وزير أد تازغذ”، [ سر يا نهر بوهرون فإنك إن حملت نهار فإن مياهك ستجف غداة الليل وإن حملت ليلا فعند النهار ستجف ]. وكل من يشاهد هذا النهر حيث كان يقام سوق الأحد الخاص بالنساء، عند ملتقي أنهار إسويقن وإريانن وإمزيرن وإكتشومن وإشوين وآيث القاضي وجين إلى جانب الروافد التي تتفرع من مختلف السفوح والهضاب المحيطة بتلك الوديان، يتساءل أمام شساعته: هل يحدث أن يمتلئ هذا النهر عن آخره؟ وفِي الحقيقة، يحدث دائما أن يمتلئ النهر بالمياه حين يسقط المطر بغزارة، حين تتحول السفوح والأخاديد والمساليك والأجراف إلى شلالات متدفقة، باندفاع أهوج ، إلى شساعة النهر الذي تتخضب مياهه بكل ألوان التراب الذي تتشكل منه الأرضي التي تغمرها السيول. فيتحول هذا النهر الجاف الصامت الميت إلى مسخ جارف صاخب يدحرج الصخور والأشجار وكل الأشياء التي تصله أو يصل إليها. فحين تراه وتسمع هديره تخال أنه سيظل كذلك إلى الأبد وأن تلك المياه التي فيه تمور وتخور وتفور لن تنضب يوما، لكن سرعان ما تضع دعوة سيذي علي بن داود حدا لذاك الخيال المجنح.
الدخول في النهر هذه المرة كان مختلفا دون أن يكون مغايرا لما كان بسببه توقفت أشغال تهيئة طريقنا أمعارض منذ سنوات عجاف . ففي نفس المدخل توقفت عمليا أشغال مد الطريق على النهر لأكثر من مرة، دون نسيان المرات المجهولة ربما التي توقفت فيها أشغال تهيئة ذات الطريق في المشاريع الوهمية.
وأنت تعبر ما تم انجازه تتساءل وأنت تلتفت في كل الإتجاهات التي يمتد عليها النهر، بحثا عن منافذ المياه التي يمكن أن تأتي من هنا وهناكات، تبحث من أين ستمر المياه عند بلوغها الممر الإسمنتي الذي تم بسطه على النهر، فلا تجد جوابا، ليظل موقعك المتحول على طول الممر مرشحا لأن يكون من ضمن المسالك السائلة لمجري حمولات النهر الممكنة.
يفضي الممر النهري إلى الضفة المقابلة، إخارضاون، لتنعرج الطريق على الدواوير التالية: إزفزافن، آيث محند أويحيى، عارنوق، ثغانمين، ثمارزگة، حموذة ثاحراتش …
وكلما صعدنا ملتوين عبر تضاريس متحركة كلما اقتربنا مما يشبه سدرة المنتهى والأثار الدارسات متناثرة في كل الإتجاهات، آثار البلاد الريفية في صيغتها الورياغلية الشاهقة، تلك الرسوم وهي تفنى تظل تحكي أسرار الحياة وفصول الممانعة: بقايا جذوع أشجار اللوز الشاخصة، جذع كرمة تين تلتوي كسؤال مقلوب في الفضاء المفتوح، آثار أشجار البلوط والعرعر في طور الإنبعاث بعد فناء قسري، آثار منازل متماهية مع الإرض، منازل منحوتة على السفوح، منازل من حجر عار، منازل من طين تقاوم الزمن وهي مهجورة، وأخرى لا تزال آهلة بالحياة بجنبها بيدر تتوسطه أكوام التبن ( أثمون) التي تشبه الأهرام الدائرية المميزة للحضارة الأمازيغية القديمة.
الزمن هنا هو خارج الزمن، بل إنه زمن مركب تمتزج فيه الأزمنة، يسيل بما تبقى من الريف هناك. حيث الطبيعة على طبيعتها المفقودة والتاريخ يتشظى إذ يعاش ويستعاش، فيما النظر يمتد إلى اللامتنهى. الهواء تخلص من سموم الحضارة وتعطر بالزعتر والنباتات المحلية.
وفيما كنا نصعد ونحن نلتوي بحذر تساءل عزي أحمد: ألم نصل بعد ونحن على وشك اختراق السماء نحو الله تعالى…؟
لم نلبث كثيرا حتى دخلنا الطريق التي تفضي إلى شقران عبر أربعاء توريرت وهي الطريق التي سلكتها غالبية الذين حجوا إلى سيدي بوخيار من جهة مدينة الحسيمة والنواحي، وهناك من سلك الطريق المؤدية إلى زاوية سيدي عبد القادر، تلك الطريق التي تم شقها في بداية الستينات من القرن الماضي ولم تعبد إلا في بداية الألفية الجديدة بشكل غير محترم وإلى الآن.
دقائق بعد ذلك وجدنا أنفسنا بمركز سبت شقران، كان شبه مهجور، وكذلك كانت الطريق خاصة منذ شرعنا في تسلق معارج جبل شقران. وعلى خلاف ما يكون عليه الأمر عادة، إذ تزداد الوحشة والهجير كلما توغلنا في غابة الأرز والعرعر والصنوبر، بدأت الحركة تدب أمامنا، فيما الناس يتراؤون لنا وهم في السيارات أوعلى الأرجل سائرين. وسرعان ما لاحت لنا دوريات رجال الدرك على جنبات الطريق. وعلى بعد يناهز كيلومترا عن ضريح سيدي بوخيار أمرنا دركي بركن السيارة لمواصلة السير راجيلين، وكان ذلك عند حدود الساعة العاشرة صباحا، ففهمنا أن موسم الحج هذا العام سيكون إستثنائيا من حيث الحضور. أما ونحن نجتاز المسافة إلى المحج ومنذ الوثبة العاشقة الصادقة لأول مواطن تعرف على عزي أحمد الزفزافي والعناق الأبوي الميتاإبراهيمي ثم أخذ صور تذكارية معه، فقد تبين أن موسم الحج البوخياري المناني قد تزفزف.

عزي أحمد بحكمته ووقاره وشهامته كان يقف مع من يستوقفه كما لو أنه لا يريد أن يفارقه. أول من استوقفه قال له لقد التقينا ببرسلونة”، آخر قال له “إلتقينا ببروكسل”، آخر إلتقاه بفرانكفورت، آخرون بمدن وأماكن أخرى إلتقوا به، وآخرون وهم كثر لم يكونوا في حاجة لأن يكونوا قد التقوا به في هذا المنفى أو ذاك ليتعرفوا عليه، فقد تحول عندهم وعند الملايين عبر العالم إلى رمز بعد إبنه ناصر الزفزافي، وبالأحرى أن يكونوا من الرابطين بأرض الريف العظيم رغم كل شيء.
الأنربولوجية الفلسطينية استوقفتها حد الإثارة مشاهد تجمع المواطنين حول عزي أحمد للسلام عليه وتقبيل رأسه والسؤال عن أحوال ناصر ورفاقه والدعوة بالحرية لهم. ما جعلها تقول ساخرة بعبارة تختزل الكثير: “نحن هنا في موسم حج سياسي أكثر منه ديني”.
بضريح لآلة منانة إلتقى عزي أحمد بحسن أبركان والأستاذ الإدريسي، حكى هذا الأخير لنا أن أحد زعماء انتفاضة 1958/ 1959 صرح له ذات يوم بأنهم في بداية الإنتفاضة حجوا إلى سيدي بوخيار، واعتكفوا فيه لمدة شهر من المشاورات والنقاشات إلى أن تم الإتفاق على تنصيب محمد سلام أمزيان قائدا للإنتفاضة. من قمة لآلة منانة لا تحد الرؤية في جميع الإتجاهات.وفي أسفلها خنادق المقاومة لا تزال محفورة وقبور الشهداء يعج بها المقام.
حين نزلنا من قمة لآلة منانة لاحت لنا جموع المواطنين وقد تحلقوا حول فقهاء كانوا يحيون مراسيم الحج، فتقدمنا نحوهم فيما عزي أحمد كان خلفنا،.حين بلغنا الجموع إلتقينا بطارق أخ ناصر سألنا عن أبيه قلنا له سيلتحق بنا بعد حين. إنشغلنا بالسلام على الأصدقاء الذين حجوا مع نسائهم وأطفالهم، مرت لحظات فلم يظهر بعد عزي أحمد. خفنا أن يكون قد تعرض لسوء، كأن تنزلق رجلاه على المنحدر. فانطلقت للبحث عنه بين المسالك والأشجار. وبعد حين لاح بقامته الشامخة واقفا مع جموع المواطنين الذين يسلموه عليه، فمكثت أنتظر انتهائه من معانقة الناس، لكن توافد الناس عليه لم يكن يريد أن يتوقف. عزي أحمد تلحف بالعلم الأمازيغي وهو واقف بشموخ أمام أشعة الشمس الزوالية التي كانت تلسع وجهه. أكثر من نصف ساعة استغرق هذا المشهد.
من خلال جولتنا في أرجاء المقام العالي الفائض بالناس استوفتنا المنتوجات الفلاحية المحلية المعروضة في السوق الذي يقام على هامش الموسم يوم عرفة. والمثير للإنتباه هو أن أثمنة الخضر والفواكه هنا لم يمسها لهيب ارتفاعها في مدينة الحسيمة وغيرها، فثمن الفاصوليا الخضراء مثلا لا يتعدى ثمانية دراهيم وهي من النوع الجيد والمحلي فيما ثمنها بالمدينة فاق عشرين درهما مع أنها قديمة ومتعفنة.
دخلنا ضريح الولي الصالح سيدي بوخيار، لمحنا عند مدخله أكوام الشموع التي يتصدق بها الزوار، بيت ضريح الولي وجدنا بداخله مجموعة من الفقهاء وأسرة وضعت طفلة صغيرة فوق تابوت الضريح، حولها الفقهاء كانوا يقرأون عليها الرقية الشرعية، فيما هي كانت تحدق في سقف المحل وفِي الوجوه المحلقة فوقها، بعينين مفتوحتين عن آخرهما تصدحان بالبراءة والألم والحيرة، كانت تتوسل الشفاء. أما وجهها النحيف المصفر فقد كان يحن إلى سرير نظيف في مستشفى مجهز بالعتاد الطبي يتفانى العاملون فيه في إسعاف المرضى مهما كانوا وبالأحرى الأطفال منهم.

 

رابطة سيدي بوخيار الفسيحة تآكلت جدرانها وسقوف بيوتها، وبدأت الشقوق تنتشر في أرجائها، حتى الصباغة البيضاء البسيطة التي طليت بها بدأت تتساقط تاركة مساحات سوداء تلطخ بياضها. أما وضع مقام لآلة منانة فهو كارثي وفضيع. لم يعد للقبة سقف، وجدرانها تكاد تستوي مع الأرض، بابها العتيق، سراياها النفيسة،كنزها الدفين، معمارها الباذخ: كل شيء تم نهبه وتدميره. إنها لعنة التخريب الممنهج وهي تكتسح الرابطة كما اكتسحت العديد من مآثر الريف التاريخية.
وبالتالي، إذا ما كانت الدولة تنفق الملايير من السنتيمات على الزوايا وأضرحة الأولياء، فما نصيب رابطة سيدي بوخيار ولالة منانة منها؟ واقع الحال يقول بأن النصيب هو صفر، وهو ما يدعو لطرح الأسئلة التالية: إذا ما كان نصيب سيدي بوخيار ولالة منانة من دعم الدولة هو والو، فما السبب؟ فهل هذا يعني أن الوليين هما من المغضوب عليهما مع أن الزاوية العلوية هي التي تسير الموسم والرابطة؟ ولنفترض أن الوليين من المغضوب عليهما، فهل المغضوب عليه لا حقوق له؟ ولماذا الغضب عليهما أصلا؟ وبالتالي لماذا الإهتمام بزوايا وأضرحة مجهولة ومنسية ولا إشعاع لها في حين يتم السكوت على تخريب قبة لآلة منانة وعلى الخراب الذي بدأ يتهدد رابطة سيدي بوخيار؟ وما دور الجماعة القروية والجمعيات المدنية والنخبة الريفية في الحفاظ على رابطة سيدي بوخيار ولالة منانة كتراث ثقافي ديني تاريخي؟ خاصة وأن الرابطة توجد في منطقة تتوفر على كل المؤهلات الطبيعية والتاريخية لتكون من أهم المواقع السياحية البيئية والثقافية بالريف، بالإضافة إلى أن الرابطة تتميز. بضمها، وبشكل نادر، لولي وولية، ما يجعلها بمنآى عن الأصولية المتطرفة/ الذكورية/ العمياء ومنفتحة على قيم الحداثة وما بعدها؟
كان من الصعب تناول وجبة الغذاء بإحدى خيم مطاعم السوق. إذ إن تحقيق ذلك كان يستوجب الإعتصام داخل الخيمة المطعمية وانتظار فراغ طاولة ما. وتلك مهمة كانت صعبة التحمل على الجميع. ولأن الوقت كان لا يزال باكرا قررنا تناول وجبة الغذاء بتامسينت العظيمة.
أثناء إنعراجنا النازل من الأعالي الشقرانية، توقفنا عند موقع “إخارضاون” التابعة لدوار “إزفزافن ن تجذيرت” لنبحث عن فاكهة تين الأجداد. وبعد أن إنتشرنا بين ما تبقى من تلك الأغراص، عانقنا بعض الأغصان وقطفنا ما تيسر من فاكهة التين واصلنا المسير بمرح، وعندما توسطنا النهر قال أحدنا للفلسطينية: أنت التي حذرك المخزن السنة الفارطة من زيارة الحسيمة بدعوى أن ذلك يشكل خطرا على حياتك بسبب العنف والفوضى والشر الذي يطبع أهل المنطقة، ما جعلك تعودين أعقابك من مدينة الجبهة، وها أنت في هذه القفار مع أناس غرباء فماذا لو اختطفوك وآذوك….” ضحكت الفلسطينية وضحكنا جميعا. فقالت: حاشى، أنتم أناس طيبون ونقيون وكرماء.
حين وصلنا تماسينت شعرنا كما لو كنا دخلنا بيتنا الجماعي. تماسينت بحزنها وغضبها وصمودها استقبلتنا بحفاوة وبدون صخب، عزي أحمد كان ضيف الشرف كعادته في زمن الحراك. سلمنا على من صادفنانهم أثناء توجهنا إلى أحد مطاعمها الشعبية. تفنن الطباخ والنادل في تقديم أجود ما كان متوفرا: شوايتي السردين، السلاطة التقليدية، صالصة الماطيشا، خضر مطهية، صحن من الفاصوليا وفلفل حار، وحين همنا بأداء ثمن الوجبة البسيطة قال لنا النادل بإن مواطنا دفع الفاتورة، قلنا له من يكون؟ قال باسما إنه شخص فضل عدم ذكر اسمه ويقول لعزي أحمد: ” الحرية لناصر ولكافة معتقلي حراك الريف. عاش الريف”.
نفس التعامل المضيافي التضامني النضالي الإتساني الريفي لمسناه في الوجوه التي كانت بتامسينت وتعرفت على ملامح عزي أحمد. وعلى رصيف مقهى صغير وحول طاولة حطت عليها أكواب الشاي تحلق بعض شباب تماسينت الأحرار حولنا: مواطنون طلبة، معطلون، مناضلون، أخوة معتقلون ومرشحون للإعتقال والتجنيد ولكل الإحتمالات. بقلوب صادقة تمنوا الحرية لكل المعتقلين وبصدق أقوى أكدوا على أنهم لن يتخلّوا عن دعم معتقلي الحراك والدفاع عنهم وعن قضيتهم..

إن الرحلات الجميلة عادة ما تنتهي بخواتم سعيدة وتداعيات واعدة وبخاصة منها الرحلات الصوفية، ورحلتنا كانت من صميمها، فلم تمض إلا ساعات معدودة عن إفتراقنا حتى هاتفني عزي أحمد ليخبرني بالنبأ المبارك: نبأ الإفراج عن مجموعة من معتقلي حراك الريف بعكاشة، ذلك الخبر الذي غمرنا بفرحة لا توصف، وهي فرحة ظلت تتسع وتلألأ بتواتر الأخبار عن الإفراج على مجموعات أخرى من معتقلي حراك الريف المشتتين على مختلف السجون، ليستقر عدد المفرج عنهم في مائة وثمانية وثمانين معتقلا.
إن أي قلب لا يفرح بهذا الحدث الجميل هو قلب ميت لا محالة، وقلوب الأحرار والمناضلين والصادقين لا تموت. خاصة وأنه حدث يذكي الأمل الأكيد في إطلاق وشيك لسراح كافة المعتقلين وتحقيق مطالبهم كمقدمة لمصالحة حقيقية وتاريخية للدولة مع الريف، تؤسس لمستقبل الحرية والكرامة والعدالة في هذا الوطن.
وبعد يومين من الرحلة كان لي شرف الحديث مع أستاذ النضال وبعد النظر والفعل الإنساني: محمد المجاوي، وقبل أن أنتبه لحشرجة حنجرته ويذهب بي الظن للتفكير في تدهور حالته الصحية، سارع للقول بأن حنجرته قد بحّت من فرط الشعارات والأغاني والزغاريد التي ظل مع باقي رفاقه المعتقلين يرددونها طيلة ليلة إطلاق سراح إخوتهم وخلال يوم العيد فرحا بحرية من غادر السجن وإنشادا لحرية من تبقى من معتقلي حراك الريف وكافة المعتقلين السياسيين.
فهنيئا لمعتقلي حراك الريف الذين إستعادوا حريتهم والحرية الفورية لكافة معتقلي الحراك والرأي.
والمجد لسيدي بوخيار ولالة منانة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.