الصحافي المصري كارم يحيى يكتب: زيارة الى ” المطرية الإرهابية “

  • شهادة على الجمعة التالية لـ 25 يناير 2015

    ذهبت الى المطرية يوم الجمعة 30 يناير 2015 التالي مباشرة للذكرى الرابعة لثورة 25 يناير . كانت المطرية ـ هذا الحي الشعبي الواقع شرقي القاهرة ـ قد تصدرت نشرات الأخبار في وسائل الإعلام ـ بما في ذلك غيرالمحلية ـ على مدى ثلاثة أيام بوصفها أبرز المواقع التي شهدت مواجهات مسلحة دامية متصلة بين الشرطة والإخوان . وكنت على بعد آلاف الأميال ومن الرباط بالمغرب اتابع عبر شاشات التلفزيون كيف استبدلت قنوات البي بي سي وفرنسا 24 و العربية والجزيرة الإهتمام بايقونة الثورة “ميدان التحرير “المحاصر تماما بمدرعات الجيش وباسلاكه الشائكة بمواقع أقل شهرة بالقطع . تتصدرها “المطرية”. وهكذا سرعان ماطغت أنباء “المطرية الإرهابية ” في خطاب البيانات الرسمية الصادرة من القاهرة لتدفع الى النسيان وقائع استشهاد ” شيماء الصباغ” على مقربة من ميدان التحرير يوم 24 يناير ، وهي تتقدم نحو الميدان مع مجموعة من رفاقها اليساريين يحملون باقات ورود قاصدين نصبا تذكاريا رمزيا ومتوهما لشهداء الثورة .

    كان نبأ استشهاد ” شيماء” على هذا النحو وفي هذا الموقع قد استدعي الى ذاكرتي على البعد مالاحظته قبل اشهر في شارع طلعت حرب في الطريق الى “التحرير” من تمركز قوة شرطة ملثمة حالكة السواد شاهرة اسلحتها في وجوه المارة . وكان الحضور الدائم الثقيل لهذه القوة التي اسميتها بيني وبين نفسي بـ ” الخلية الإرهابية ” يفرض رائحة موت في المكان. لكن بعدما عدت الى القاهرة وطالعت صحف صباح 29 يناير 2015 بدا لي ان رائحة الموت المخيفة انتقلت الى عناوين بارزة وموضوعات مطولة عن “المطرية” .هذا الحي الشعبي الذي تحول على صفحات الصحف وشاشات التليفزيون الى معقل للإخوان والارهاب المسلح. والى حد ان سألني صديقي وزميل صحفي فرنسي زائر :لماذا هي المطرية معقل الإخوان والارهابيين ؟”.

    قبل ان اغادر منزلي قاصدا ” المطرية ” قبل ظهر الجمعة تابعت في التلفزيون انباء سقوط عشرات الشهداء والجرحي من جنود الجيش في سيناء .وفكرت في ماذا لو غيرت وجهتي الى هناك ؟. لكن هذا الخيار كان مستحيلا . لا بسبب بعد المسافة مقارنة بالمطرية وحسب. بل وبالأصل لأن الدخول الى سيناء و استقصاء ما يجرى بها صحفيا يظل مستحيلا . فسلطة انقلاب   3 يوليو تقبض على هذه المنطقة بيد من حديد ولا تسمح بأن تتسرب اي معلومة الى وسائل الإعلام إلا من خلال بياناتها الرسمية العرجاء .هكذا كي تستمر في التغطية على تقصيرها وفشلها ومسئوليتها بسياسة العقاب الجماعي للمواطنين هناك عن تمهيد الأرض لمولد المزيد من “الإرهابيين ” .

    وعندما بلغت ميدان المطرية وصلاة الجمعة لم تكن قد انتهت كما تفيد بذلك أصداء مكبرات الصوت من مساجد الحي لاحظت على أحد نواصي الميدان طابورا من مدرعات وعربات الشرطة لا يزيد عن ست قطع . كان الاسترخاء يلف الطابور باستثناء عنصر بملابس مدنية يحمل مبتاهيا في يده بندقية “خرطوش”. كنت احث السير في شارع المطرية الرئيسي عندما اعترضتني دجاجة بيضاء تفترش اشلاؤها ودماؤها الأسفلت . حاولت ان اتجنب اعادة النظر اليها . لكنني فعلت . وكأن شيئا ما يدفعني الى المزيد من النظر فاضطر الى ايلام النفس .

    قصدت مسجد ” الرحمن” في شارع المطرية الرئيسي مقابل سوق الحي . وربما لأنني كنت قد ذهبت اليه في إحدي جمع شهر رمضان الماضي فتيقنت حينها من سلمية المظاهرات التي تنطلق منه ومن أنها تضم ساخطين على حكم العسكر من الإخوان وغير الإخوان . وما ان انتهى شيخ المسجد من الصلاة وبدأ المصلون في الخروج هذه المرة إلا وارتفع من الخارج نداء :” حسبي الله ونعم الوكيل ” مرتين . وامتد عدد محدود من الأذرع الى أعلى رافعة أصابع الكف بشعار “رابعة “. هكذا تبدأ المظاهرات عادة من مساجد هذا الحي بعد صلاة الجمعة .

    تحلق العشرات امام المسجد .وسرعان ما اعتلي شباب غير ملتح الاكتاف ورددوا شعار ” يسقط حكم العسكر ” فاجتذب الشعار تجاوبا من الحناجر على نحو يفوق شعار الإخوان التقليدي ” في سبيل الله قمنا .. نبتغي رفع اللواء” .والأخير تم ترديده مرة واحدة فقط . كان هذا التجمع آخذا في الزيادة مع ترديد هتافات ” الألتراس” ضد الشرطة والداخلية وضباطها من ” باكوات ” و” باشوات ” فاشلين في التعليم الثانوي ( ينجحون بالكاد بخمسين في المائة) ثم سرعان ما يتعجرفون على زملائهم المتفوقين من أبناء الناس والشعب . لكن سرعان ما شب الإضطراب في هذا الجمع مع اقتراب طابور عربات الشرطة نحو المسجد . وبسرعة اختار الجمع بسلوك شبه غريزي كنت قد لاحظته في جمعة رمضان الإندفاع الى أذقة داخلية تجنبا للمواجهة غير المتكافئة . وحقا لم ألحظ أي سلاح حتى ولو ” شمروخ ” واحد . كما انني هذه المرة على غير المرة السابقة لم الحظ اي لافتات أو حتى صور للرئيس المنقلب عليه ” محمد مرسي “.

    إندفعت خلف المظاهرة داخل اذقة ضيقة طويلة، تسلم الواحد منها نفسها الى آخر . هنا الطرقات متربة متسخة. ولا سنتميترا واحدا لأسفلت (زفت) الحكومة . البيوت اسفلها محلات متواضعة تبيع احتياجات الفقراء ” الغلابة “. والمظاهرة تجتذب المزيد من النساء والشباب كلما خطت خطوة . لا شعارات اخوانية . بل لا شعارات اسلامية باستثناء شعار واحد يتردد نادرا . شعار مبتكر جديد هو:” أمة قائدها محمد لن تهزم”.

    نادت سيدة اربعينية على ” أم الشهيد ” فتذكرت كيف كانت مظاهرة جمعة رمضان التي تابعتها تتوقف عند غير بيت لتحيي أسر شهداء الشعب وابنائه الفقراء على ايدي قوات “جيشهم” و”شرطتهم”. وعندما خرجت المظاهرة هذه المرة الى شارع وسيع مسفلت توقفت لنحو دقيقة قبل ان يدب الهرج بها مع اصوات تعالت بان ” الحكومة قادمة بعرباتها “. فعبرت المظاهرة سريعا الأسفلت لتدخل مرة اخرى الى الأذقة في الناحية المقابلة .

    كل شئ كان يجرى على نحو سلمي ويتجنب المواجهة مع الشرطة . والمظاهرة تتحرك بأمان داخل دفء الأذقة في بيئة حاضنه مواتيه تكذب ما قرأت في الصحف عن مطاردة اهالي الحي و”المواطنين الشرفاء” لـ”مظاهرات الإخوان “. وحقيقة لم اتمكن من ان ارصد موقف المسيحيين الأقباط .هل يشاركون في هكذا مظاهرات تهتف ضد ظلم ” العسكر ” وحكمهم ام لا ؟. لكن ما اتذكره ان مظاهرة جمعة رمضان التي تابعتها مرت بكنيسة في حي المطرية دون ايذاء او هتافات معادية . بل لاحظت حينها ان الكنيسة ظلت ابوابها مفتوحة وقد وقف امامها كاهن في أمان .

    عندما عدت الى ميدان المطرية وقد سلكت شارع المطرية الرئيسي نفسه صادفتني الدجاجة ذاتها ملقاة في دمائها واشلائها ملتصقة بالاسفلت . كانت قد مرت ساعتين لكن احدا ما لم تمتد يده لانتشالها وابعادها عن الطريق . هنا مر طابور عربات الشرطة اكثر من مرة . لكن لا حكومة ترعى الصحة والنظافة . وبعدما بلغت الميدان لاحظت ان الشرطة غير موجودة . وكان بامكاني ان اتجاذب اطراف الحديث مع الناس . بدأت بصاحب كشك يبيع المرطبات والسجائر . لكن الشاب الصعيدي تجنب الإدلاء بشهادته عما حدث خلال الايام الماضية .زعم بانه كان مسافرا الى بلدته بالصعيد وانه لم يسأل رفاقه في الميدان عما حدث . لكن عندما سألت سائقي سيارات نقل خفيف لا يجدون زبائن في هذا اليوم وهذه الساعة فأبلغوني بأن الرصاص استهدف سياراتهم . واشاروا الى واحدة تهشم زجاجها . ولما سألت :من اطلق الرصاص؟ . اجابوا بانها “الشرطة ” التي اطلقت الخرطوش . ولما سألت هل كان هناك من يطلق الخرطوش او النيران او القنابل على الجانب الآخر ،أجابوا بعد برهة صمت :”لم يكن هناك أحد.. فقط كانت الشرطة تطارد اطفالا تجمعوا في الميدان”. ولما سألت :هل دارت معارك لساعات بين مسلحين والشرطة ؟، قالوا : لم نر أي معارك .. وعرفنا ان نحو 22 متظاهرا ماتوا على مقربة في ميدان ” التعاون ” .

    قبل ان أغادر المطرية عاينت بنفسي آثار طلقات الخرطوش تملأ واجهة سيارة نقل خفيف خضراء اللون .وكان خلفها محل لبيع الملابس تحطمت واجهته الزجاجية . لكن صاحب المحل استخدم بقايا الزجاج في تزيين ارضية واجهة اخرى سليمة تطل على جانب آخر .

    الصورة: الجيش المصري يقتحم ميدان المطرية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.