الصحافة المغربية بين الأجهزة والبام والبيجيدي

محمد المساوي

“من يؤدي أجرة الزمار هو الذي يحدد نوع اللحن” مثل انساني

أضحت الصحافة المغربية ساحة حرب تتنازعها ثلاث جهات، كل واحدة تريد السطو والسيطرة على مقاليدها (الصحافة) لتتحكّم في صناعة الرأي العام وتوجيهه، وللوصول الى هذه الغاية تم رصد اعتمادات مالية مهمة للظفر بالمعركة.

أولى الجهات التي أضحت مهوسة بالصحافة هو بنكيران وفريقه السياسي والمالي، وهذه الجهة لم تكتشف أهمية الصحافة ودورها الخطير إلاّ متأخرة، اكتشفت أهميتها بعد أن تولى بنكيران الحكومة، وبعد أن اصطفت جلّ وسائل الاعلام المكتوبة والالكترونية ضده، وبعد تتبعه لما حدث في مصر، وكيف استطاعت الصحافة السائبة الممولة من طرف أموال مشايخ الخليج من تشكيل ضغط كبير على مرسي، وبل هناك من يعتبر أن الصحافة المصرية هي من أسقطت مرسي قبل 30 يونيو وقبل الإنقلاب العسكري الذي قاده السيسي.
سنة 2015 تواردت أخبار عن تقديم الاماراتيين لمبالغ مالية كبيرة، لانشاء مجموعة إعلامية مغربية سيتكلف الياس العماري بادراتها، هذا الخبر زرع الرعب في بنكيران وفريقه، وبدأوا يتصورون مصير بنكيران ويقرنونه بمصير مرسي مع الصحافة المصرية، خاصة وهم يستحضرون تحرشات ضاحي خلفان في تغريداته على التويتر.

إن الاستثمار الاماراتي والخليجي في الاعلام بالمغرب بالشراكة مع زعيم حزب الاصالة والمعاصرة رأى فيه بنكيران تهديدا مباشرا له، ففكر ودبّر فريق بنكيران في كيفية التعامل مع هذا الوضع الخطير، وكان الجواب هو دخول ميدان الصحافة بقوة، والصراع مع الياس داخل نفس المعترك، بعدما تيقنوا أن صحافة الحزب ولا حتى صحافيو الحزب لا يمكنهم أن يقدم شيئا لهذه الحرب المستعرة، انتبه فريق بنكيران الى ضرورة النزول بالمال الى معترك الصحافة ومزاحمة إلياس الذي كان يصول ويجول، وجلّ الصحافيين يخطبون وده بوصفه امبراطور الاعلام في العهد الجديد، فكان أول الغيث بوعشرين، هذا الاخير الذي استشعر بحسه التجاري المتيقظ أن الرهان على أموال البيجيدي أجدى وأكثر نفعا من أموال الياس ولا حتى هشام العلوي التي ذاق منها، وخبر جيدا مذاقها.

أول المستقطبين الى “حلف بنكيران” كان بوعشرين وأخبار اليوم، حدث ذلك مباشرة بعد انغلاق قوس 20 فبراير، وفَرْضِ الدستور الممنوح، وتنصيب حكومة بنكيران. وقد نجحت الصفقة نجاحا غير متوقع، فانتفخت اوداج فريق بنكيران، وراحوا يضخون الأموال للمزيد من اكتساح سوق الاعلام، كما حاولوا بكل قوة السيطرة على اذاعة كاب راديو بواسطة الابن المدلل الذي اضحى منبوذا سمير عبد المولى؛ صديق الصحافيين وأنيسهم في ليالي الانس، وبواسطة توفيق بوعشرين نفسه، لكن المحاولة باءت بالفشل لأن الياس لم ولن يقبل أن تسقط الاذاعة التي أنشأها في ايدي خصومه، فشلت صفقة “كاب راديو”، وعادت أموال بنكيران لتبحث في السوق عن زبناء جدد، ومع اقتراب انتخابات 2015 و2016 استعر اوار الحرب والصراع على الاعلام بين البام والبيجيدي، اجتهد فريق بنكيران في البحث عن صفقات جديدة مع صحف ورقية والكترونية لتمتين جبهة الدفاع عن بنكيران وحكومته وشجاعته في الوقوف في وجه التماسيح والعفاريت، وقادا حامي الدين وتوفيق بوعشرين فريق بنكيران للتسوق من “رحبة” الصحافة، ونجحا في بعض الصفقات لكنهما فشلا في أخرى، إلى أن جاءت نتائج انتخابات 7 أكتوبر، وتيقن الياس العماري أنه فشل في الحصول على المرتبة الاولى، وبالتالي أصبح ليس في حاجة إلى جيش عرمرم من الصحافيين، فأشاح بوجهه عنهم، وسحب نفسه من مجموعة آخر ساعة، هنا كانت الفرصة مناسبة لفريق بنكيران ل”يتسوق” من الخردة التي خلّفها إلياس وراءه، ويمكن أن تتذكروا ذاك “السجال” القاسي الذي نشب بين توفيق بوعشرين وموقع “كود” لصاحبه أحمد نجيم، عندما كتبت جريدة بوعشرين عن أن موقع “كود” قد التحق بالمؤسسات الاعلامية التابعة لالياس العماري.
بوعشرين في الخبر الذي نشره كان يتحدث عن صفقة دُبرت بليل بين صاحب موقع “كود” أحمد نجيم، وكريم بناني أحد رجال الأعمال الذين يستثمرون في مجال الاشهار والاعلام، والمقرب من إلياس العماري. ثم بعد ذلك بشهور سيتم فسخ العقد الذي جمع بين موقع “كود” وكريم بناني، وخرج أحمد نجيم بافتتاحية مضحكة يشرح فيها أسباب هذا الانفصال، بكون لا يمكن للخط التحريري لكود أن يتوافق مع أهواء ورهانات كريم بناني، وكأن نجيم لم يعرف بناني إلاّ بعد توقيع عقد الشراكة ليكتشف أن كود وبناني لا يمكن لهما أن يتوافقا، غير أن الحقيقة شيء اخر، ووراء الأكمة ما وراءها.
المهم مضت أيام على هذا الانفصال، حتى بدت أشرعة “كود” تسير بتوءدة لتميل إلى الجهة التي تهب منها رياح بنكيران وفريقه، ولم يعد بوعشرين موظف قطر في المغرب كما كانت تكتب كود، وكما كان يردد حميد زيد في عموده باستمرار، والأدهى من كل هذا صارت كود تنشر موادا اخبارية تدافع عن بنكيران ضد التماسيح والعفاريت، وتقوم بنشر هذه المواد “سبونسوري” على الفايسبوك رغم أنه ليس من عادة كود أن تنشر موادها ممولة على الفايس، كما أضحى حميد زيد ظريفا خفيفا لا ينكت على بنكيران بل صار ينكت من أجله، وينافح عنه بكل ما أوتي من قوة، واصبحت مقالات زيد يشاركها البيجيديون على مواقع التواصل الاجتماعي.

إلى جانب “كود” أصبحت جرائد الكترونية بالخصوص تميل بالعطف جهة بنكيران، وتفصح عن عدائها المستمر لالياس العماري، كحالة موقع “الاول” الذي يديره الصحفيان القادمان من المساء؛ سليمان الريسوني ومحمد أغبالو، وبذلك توسعت جبهة بنكيران في الاعلام، وصار الان بحوزته عشرات الجرائد الالكترونية، كما سارع العديد من أعضاء الحزب الى إنشاء جرائد الكترونية محلية وجهوية، ووظفوا  للعمل فيها كصحافيين أشخاص ليس بالضرورة لهم علاقة بالبيجيدي. بينما لم يبق في جعبة إلياس العماري غير موقع “فبراير.كوم” لمارية مكريم، وموقع “الزنقة 20” وبعض الصحافيين المبثوثين في كل التجارب الاعلامية تقريبا، طبعا بالاضافة الى “كاب راديو” ومجموعة “اخر ساعة” التي لم يعد يراهن عليها إلياس، كما أنها لم تعد تخيف بنكيران وفريقه، كما أن رجوع الياس الى الوراء في هذا الصراع بعد فشله في تبوء صدارة انتخابات 7 أكتوبر، أدى إلى وأد بعض التجارب في المهد، حتى قبل إنشائها، وأخرى ماتت بعد شهور قليلة من انشائها، وانفضّ الجمع، اذ كان هناك من أنشأ جرائد إلكترونية قبل انتخابات 2016 في انتظار فوز الزعيم بالانتخابات والفوز معه بالكعكة، لكن كل شيء ذهب أدراج الرياح عندما وقف بنكيران والرميد ليلة 7 أكتوبر يعلنان نتائج الانتخابات قبل أن تعلن عنها وزارة الداخلية. كما أنه يمكن فهم تهجم بعض الصحافيين على إلياس، وهو الذين كان ولسنوات ولي نعمتهم، وهو من شدّ من أزرهم وفرّج كربهم، لكن بمجرد من رجع الى الوراء ورفع يده قليلا عن توزيع المال السائب على الصحافين، صار هدفا لهؤلاء القناصة المختبئين في ثوب الصحافة.
الجهة الثالثة التي تنازع الياس وبنكيران في الاعلام أو بالاحرى التي تحضر بقوة في المشهد الاعلامي هي الأجهزة، الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، التي تفطنت إلى أهمية الاعلام الالكتروني خصوصا إبان هبة 20 فبراير 2011، فعزمت على دخول المجال بكل قوة، وكانت المراسلات التي كشف عنها كريس كولمان قد بينت بالملموس هوس الاجهزة بتشكيل وانشاء جرائد الكترونية، وكذلك كان، وها نحن نرى الحصيلة؛ مؤسسات اعلامية بقضها وقضيضها، تابعة للاجهزة، مثل مؤسسة احمد الشرعي التي تشمل جرائد ورقية وجرائد الكترونية واذاعات خاصة (ميد راديو، الاحداث المغربية، كيفاش، احداث.انفو…)، وكذلك جرائد الكترونية أخرى من قبيل: “برلماني.كوم” لصاحبه خباشي مدير وكالة المغرب العربي للانباء سابقا وصهر مدير “لادجيد” ياسين المنصوري، و كذا “كواليس” و”اكورا” و”تليكسبريس” و”شوف تيفي” وغيرها كثير، بالاضافة طبعا الى الجرائد الورقية الأخرى كالصباح والاخبار التي تبدو تبعيتها للاجهزة اكثر وضوحا.

بعد الذي ذكرناه سالفا، يبدو أن ثمة حالات لم نشر إليها، وحري بالذكر أن نوضحها، فمثلا لم اتحدث عن أخنوش، وهذا لا يعني أن الرجل بعيد عن هذا المعترك، بل إنه لم يدخله كما دخله بنكيران وإلياس، أخنوش هو حبيب الكل، ولا يقتصر حبه على مجموعة دون أخرى، لأن الرجل يمتلك “مغارة” الاشهار بفضل شركاته والوزارة التي يجثم عليها منذ سنوات، الجلّ باستثناء الجزء من الاعلام تصله “بركة” أخنوش، لذلك فهو صديق الكل وليس له خصوم في الاعلام إلا نادرا، كحالة أخبار اليوم مع قصة صندوق 55 مليار التي تتابع الجريدة بسببها، والتي ادت أيضا الى سحب اشهاراته من الجريدة، وهذا ما شكل ضربة مؤلمة للجريدة أشد وأقسى من غرامة 45 مليون التي حكمت بها المحكمة على اخبار اليوم لصالح اخنوش وحفيظ العلمي، فسحب اشهارات اخنوش كان اكثر ايلاما من غرامة 45 مليون، هذا لندرك حجم الثقل الذي يشكله أخنوش على وسائل الاعلام.

وإلى جانب أخنوش هناك رجل قوي اسمه حفيظ العلمي؛ زميل أخنوش في الحزب وفي الحكومة وفي الثروة أيضا، هذا الرجل يستحوذ على جزء كبير من الصحافة الفرنكوفية الى جانب مجلة زمان ومجموعة تيل كيل.

هناك أيضا حالة مؤسستين اعلاميتن هما هسبريس والمساء، حالة هاتين المؤسستين مركبة شيئا ما، اذ لا تدين أي مؤسسة منهما بشكل مباشر لجهة من هذه الجهات الثلاث، بل هما تدينان للمخزن الراعي الرسمي، بينما مجال صراع البام والبيجيدي داخل هاتين المؤسستين فهو منذور لاستقطاب أسماء داخل التجربتين، والنتيجة هي أننا نجد في هسبريس أقلام صحافية موالية لالياس العماري تخدم أجندته، وأخرى موالية لبنكيران تخدم أجندته، ونفس الشيء بالنسبة للمساء، ثمة داخلها من يدين بالولاء والعمل لإلياس وهناك من يدين بالولاء لبنكيران، أما الولاء للأجهزة فأينما وليت وجهك ثمة من يدين لها به، ليس في هاتين المؤسستين فقط، بل تقريبا في جل المؤسسات الاعلامية والتجارب الصحفية.

واللافت للانتباه في كل هذا، هو أن هذه التجارب الاعلامية لا تكتف بالتطبيل لهذه الجهة أو تلك عبر المواد التي تنشرها فقط، بل يتداعى صحافيوها ليتابعوا الدفاع عن الجهة الممولة في مواقع التواصل الاجتماعي، هناك من يفعل ذلك تحت توجيه المؤسسة التي يشتغل فيها وبأمر منها، وهناك من يجتهد من عنده للدفاع عن لقمة عيشه عبر الدفاع عن الجهة التي تأتي منها هذه اللقمة دون أن تفرض عليه المؤسسة التي يشتغل بها أي شيء.

ويبقى أخيرا، التنويه بأن هناك بعض التجارب الإعلامية التي تقاتل من أجل الوجود، تحاول أن ترقى بالممارسة الصحافية ببلادنا، وتحاول أن تعمل في استقلالية عن المخزن وعن هذه الجهات، لكنها محاصرة من كل جانب، وتجد نفسها في حاجة إلى بذل جهود اسطورية للاستمرار، وإلا فالمصير الذي ينتظرها هو الانسحاب من ميدان الممارسة الصحفية أو السقوط في حضن احدى هذه الجهات. كما أنه من خلال هذه المعطيات يمكن أن نفهم الكثير من سر الممارسة الصحافية في بلادنا.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.