الشمال قبلة للمصطافين بامتياز ولكن

مدن وشواطئ الشمال تبقى الوجهة المفضلة لمغاربة الداخل والخارج خلال موسم الصيف، لكن هذه السنة تدفق المصطافين الراغبين اقتناص لحظات من شموس وشواطئ الشمال بشكل غير مسبوق، فمباشرة بعد انصرام شهر رمضان حيث لم يبقى إلا هامش قليل من الوقت على الدخول المدرسي لاقتناص لحظات استجمام مع ارتفاع درجات الحرارة بشكل غير معهود.

السياحة الداخلية أصبحت سنة بعد أخرى تتطور بشكل سريع ولعلها الأكثر تنشيطا لقطاع السياحة بعدما راهنت الدولة على استقطاب السياح الأجانب وطالما تشدقت بالرهان على عشر مليون سائح من دون تحقيق الحد الأدنى من توقعاتها. فالسياحة الداخلية أصبحت تعرف رواجا ملحوظا، وهي فضلا لمرد وديتها الاقتصادية تبقى لها جوانب إيجابية أخرى لما تخلقه من تمازج وتفاعل ثقافي بين مكونات الشعب المغربي واكتشاف غناه وتعدده الحضاري.

رواج السياحة الداخلية يؤشر على تطور نمط حياة المغاربة وإن كان ما زال مقتصرا على الفئات المتوسطة دون ذكر الفئات البرجوازية التي تبقى لها أماكنها ووجهاتها الخاصة.

هذه الهبة البشرية نحو مدن وشواطئ الشمال وبكثافة غير معهودة خلال المواسم الصيفية السابقة كشفت عن الامكانيات الطبيعية لشريط الشمال المغربي المغرية بالسياحة، لكنها بالمقابل كشفت مدى قدرتها على استيعاب المصطافين وفي شروط تضمن راحتهم وكرامتهم، وكيف يكون لهذا النشاط مردودية اقتصادية على المنطقة من دون أن تشكل عبئا وضغطا على السكان المحليين.

واقع التنمية السياحية بالشمال وبعيدا عن بهرجة المهرجانات وزيف تمظهرات الفرح، قد يصبح معاناة حقيقية للسياح المغاربة البسطاء يكشف معه عن زيف شعارات التنمية بمنطقة الشمال.

فاستقراء بسيط لواقع حال مناطق الاصطياف بالشمال، وبعد أن كان كل متوجه صوبها يمني النفس بقليل من الراحة والاسترخاء استعداد لموسم جديد، غالب ما ينقلب هذا الحلم لجحيم ومعاناة حقيقية، وابتزاز غير معقول، تبدأ بنقص المواصلات واختناق المسالك الطرقية وعدم استيعاب مرائب السيارات…وتنتهي عند أماكن الاقامة.

طبعا امتلأت كل الفنادق على مختلف درجات تصنيفاتها، وهذا مهم بالنسبة لقطاع الفنادق الذي عانى ركود على طول السنة، لكن ذالك لا يبرر ارتفاع السومة الكرائية بشكل غير معقول، وفي غياب أي مراقبة من قبل المصلحة المختصة.

ببعض المدن والشواطئ اعتادت العائلات القادمة للاصطياف على اكتراء شقق مفروشة ” مارتيل، وادلو، السطيحات ،المضيق، القصر الصغير..”، بينما هذا الموسم وأمام ضغط الطلب على الشقق وصلت تسعيرة الكراء لأثمنة خيالية، فما معنى أن تصل السومة إلى 3ألاف دراهم لليلة واحدة وفي حي لا يليق بشروط الراحة، يتم هذا في حياد ومن دون أي مراقبة من طرف المسؤلين بالمدن عن هذه المضاربات التي لا تخدم مصلحة ومستقبل السياحة بالمنطقة، وقد تقضي على مستقبلها كما حصل مع السياح الأجانب سابقا.

الخصاص الكبير في السكن والغلاء دفع بعائلات وتحت ضغط الحاجة الى كراء أسطح وافتراش حدائق والمبيت في سيارات بمدينة مرتيل بالخصوص.

بجماعة السطيحات القريبة من شفشاون طرح مشكل المياه بالرغم من ثروتها المائية، حيث عرفت نقصا مهولا في الماء والسبب حسب المسؤولين راجع للصهريج الوحيد الغير الكافي لتغطية الحاجات.

لعل الأمثلة متعددة على حجم المشاكل والمعاناة التي لقيها المصطافون المتوجهون جهة الشمال، وهي تعكس عدم جدية الشعارات المرفوعة على مستوى تأهيل القطاع، وتسائل وتحاسب سياسة التأهيل الحضري ككل بهدف الرفع من درجة الاستقطاب السياحي الداخلي والخارجي.

فتبليط وتزيين الواجهات ومداخل المدن عليه أن يوازيه توسيع الطاقة الاستيعابية بمختلف أنواعها، بحيث بنيات الاستقبال تضل في درجات متدنية وخصوصا بالنسبة لمتطلبات السياحة الداخلية، فالوافدون يلقون صعوبة في الاقامة والاستقرار المؤقت مما يدفعهم للمغادرة بسرعة، أو تغيير وجهتهم لمناطق بديلة تضمن الحد الأدنى من الراحة وتكون في المتناول.

الشريط الساحلي وإن كان يتميز بغناه الطبيعي الجذاب، فوحده لن يكفي لاستقطاب السياح والحفاظ عليهم مع ضمان وتقديم شروط الراحة، فالسياحة قطاع اقتصادي حيوي ينهض ويتكامل مع القطاعات الاستراتيجية الأخرى، فكان على المخطط الأزرق أن ينهض بالسياحة في أبعادها ومستوياتها المختلفة، ولا يقتصر على التخطيط لبناء الفنادق وبعض الوحدات السياحية، بل عليه أن يراهن على كل القطاعات الاجتماعية ذات الصلة بموضوع السياحة الداخلية الحيوية والتي تبدأ من النقل، الإقامات الفندقية، قطاع المطاعم والوجبات الغذائية، حركة السير والنظافة، ولما لا العودة للمخيمات بمواصفات وخدمات جديدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.