الشجرة التي تخفي القصر

1381759920

انتهى أخيرا مسلسل “البحث عن حكومة”، بعدما عين الملك حكومة جديدة عشية افتتاح السنة التشريعية الجديدة، أو لنقل بعبارة أصح، قام بترقيع حكومة بن كيران بعد طول أمد. ومضت ثلاثة أشهر قضاها بن كيران في مفاوضات مع حزب الحمامة من أجل تشكيل حكومة جديدة، أريد من خلال ” التسريبات ” التي رافقتها أن يضفى عليها طابع التشويق والترقب دون جدوى.

لقد عرفت فترة “المفاوضات” تضاربا في الأخبار كان دوما مصدرها تسريبات، في غياب تصريحات جدية حول أسس هذه المفاوضات ووجهات النظر والمشاريع التي يتمترس وراءها كل طرف، بينما التصريحات اليتيمة التي صدرت عن بن كيران كانت على الدوام تحيل على اللجوء إلى “التحكيم الملكي” دون أن نعرف حقيقة جوهر التناقض والخلاف بين المصباح والحمامة.

لكن لنتفق بداية أن ما تم تسويقه على أنه أزمة سياسية، لم يتعد كونه حرجا سياسيا للملك بالدرجة الأولى، حيث استمر الطرفان في استدعاء تدخله منذ أن أعلن بن كيران عن طي ملف تعويضات مزوار في إطار العفو الشامل الذي بشر به.

هذا الحرج سيبدو واضحا في الفريق الحكومي الجديد، وسنتلمس آثاره في الأغصان المتفرعة للغابة التي تختبئ وراء شجرة الحكومة.

لنبدأ من الفريق الثاني لبن كيران، الذي سجل عودة قوية وسافرة للقصر، عبر استعادته رسميا لمنصب وزير الداخلية، وتعيين وزراء بدون انتماء، أو وزراء عراة حزبيا، وفي البصمات الواضحة لتوزيع الحقائب. وهذا ما يطرح استفهاما عريضا وبيِّن الجواب: على ماذا كان يتفاوض بن كيران ومزوار؟

سنغلق هذا القوس سريعا، حيث أن غايتنا هو الذهاب إلى الغابة لأن الشجرة أمامها مهملة ولا اعتبار لها، فلو كان الرجلان يتفاوضان على أساس الحصة من الكعكة الوزارية، ما كان أي منهما ليقبل تفويت مناصب لأشخاص بدون غطاء حزبي، ولو كان التفاوض المزعوم قادما من منطلق الخندق حزبي، ما كان بن كيران ليعين إحدى عضوات حزبه دون الرجوع إلى “الآلية الديمقراطية” المعتمدة في حزب المصباح عبر قرار المجلس الوطني، وهي الآلية التي طالما تبجح بها الحزب.

فلنتجه إلى الغابة إذن، ولنطرح السؤال مجددا، ما دام الأمر بهذا اليسر – ولم يبد صعبا البتة – حول ماذا كان التفاوض – إن صحت تسميته تفاوضا – وبين من ومن؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب في البداية استحضار السياق الذي جاء فيه الحرج السياسي – وليست الأزمة السياسية -. لقد انفجر تلاسن حاد بين حزبي الاستقلال والعدالة والتنمية بمجرد وصول حميد شباط إلى أمانة حزب الاستقلال، وقد تم تسويق هذا التلاسن على أساس أنه صراع سياسي، بينما استمر الحزب عبر وزرائه ونوابه في دعم الخيارات اللاوطنية واللاشعبية لحكومة بن كيران كما يصفها شباط وإخوانه، ومع هذا تم تصدير الأمر على أنه صراع برامج واختيارات سياسية. في نفس الفترة تم انتخاب ادريس لشكر على رأس حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وبدأ الحديث عن قطب اليسار لينتهي بعودة الحزب العمالي والحزب الاشتراكي إلى الحظيرة الأم.

 

دلالات هذا الربط وربط الحكومة بهذا السياق هو ما سنعرض له فيما يلي.

 

سيكون من العبث أن نتجاهل أن عملية ترتيب مهمة للأوراق كانت تجري حينها، حيث يعمل حزب الاستقلال على افتعال “أزمة” داخل الحكومة، بينما الاتحاد الاشتراكي، الذي يتواجد نظريا في المعارضة، يعمل على تقوية ذاته ويحاول العودة بقوة إلى المشهد، في ظل فشل حزب الأصالة والمعاصرة والأحرار وبقية  المجموعة، في لعب دور قوي يعيد الحرارة إلى المقاعد الباردة لقبة البرلمان.

 

من يرتب الأوراق؟ وهل كان حزب العدالة والتنمية هو المستهدف في كل هذا؟ لننظر، ونتأمل.

نعتقد أن ما كان يجري الإعداد له، هو تثبيت قواعد لعبة سياسية وفق الدستور المثير للجدل، قواعد يظهر من خلالها أن هناك صلاحيات حقيقية للحكومة، وأن الصراع السياسي قائم وفق هذه القواعد على أساس برامج واختيارات حزبية، لكن حدث ما لم يكن بالحسبان.

لقد كشفت فضيحة العفو الملكي عن دانيال حقيقة مفادها أن المطالبين بابتعاد الملك عن تدبير الشأن العام لم يتنازلوا عن مطلبهم، وأن مطالب حركة 20 فبراير، خاصة في شقها السياسي بملك يسود ولا يحكم، لم يضللها دخان الدستور الممنوح، وأن تواري الملك خلف الحكومة في تمرير قرارات صعبة وقاسية على الشعب المغربي لم يعد مجديا

بعد 31 يوليوز 2013، صار الملك وجها لوجه أمام الشارع الغاضب، وبينما صبت الاحتجاجات غضبها على الملك مباشرة، لم يعر أحد الحكومة أي انتباه. هل كان حزب العدالة والتنمية إذن مستهدفا؟ بالتأكيد لا، فحزب المصباح، هو أفضل من استطاع أن يضع نفسه في مواجهة إعصار الشارع عبر قرارات الزيادة في الأسعار والتراجع عن تشغيل المعطلين وغيرها، وأفضل من وقف يذوذ عن اختيارات من صميم صلاحيات مجلس الوزراء، لهذا لن يستقيم لنا منطق إن قلنا أنه كان مستهدفا بينما كان أفضل غطاء لقرارات القصر، وأنسب شجرة تختبئ خلفها غابة الديوان.

إذن يمكننا الجزم أن حدود ما كان يتم ترتيبه هو محاولة بعث دور للاتحاد الاشتراكي في المعارضة، وتحقيق بعض الريع السياسي لحزب الاستقلال داخل الحكومة مع الحفاظ على الفريق الحكومي إلى أن تقضي الأقدار، لكن ما كشفته فضيحة دانيال كان خطيرا لدرجة اقتضت إعادة ترتيب شاملة للأوراق.

هكذا نفهم خروج حزب الاستقلال من حكومة بن كيران، ولجوءه للاحتجاج في الشارع وهي سابقة من نوعها لديه على الأقل، فبينما كان بوسعه مناكفة الحكومة وخلق متاعب جمة عبر ذراعه النقابي ارتأى أن يتظاهر بواجهته الحزبية. ولنوضح أكثر، فقد كان خروج حزب الاستقلال للشارع في إطار سحب البساط من تحت أرجل حركة 20 فبراير بالدرجة الأولى ومعها كل الحركات المناهضة للغلاء والزيادات، كما كان بغاية تخفيض السقف السياسي والمطلبي للحركة الاحتجاجية فضلا عن تمييعها.

أين الملك من كل هذا؟

بعد الأسابيع العصيبة التي عاشها القصر إثر العفو عن دانيال، يبدو أن القرار كان أن يعود الملك للتدخل بشكل واضح تحت غطاء الحفاظ على الاستقرار والسهر على تنزيل الدستور والوحدة الوطنية، حيث سيتم تسويق وجود الوزراء العراة حزبيا كنوع من الضمانة على حسن سير الأمور، كما سيتم الدفع بحزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للعب الدور الأساسي في تحويل الأنظار نحو البرلمان والحكومة، باعتبارهما الوحيدين القادرين على لعب دور المعارضة البرلمانية، بحكم تجربتهما الطويلة بهذا الصدد، وبحكم توفرهما على الأطر المؤهلة لذلك، بعد فشل أحزاب الأعيان والإدارة والقصر التي كان أداؤها باهتا طول الفترة الماضية.

على هذا الأساس يجب أن نفهم تركيز الملك في خطابه لدى افتتاح السنة التشريعية على “إخراج النظام الخاص بالمعارضة البرلمانية، لتمكينها من النهوض بمهامها، في مراقبة العمل الحكومي، والقيام بالنقد البناء، وتقديم الاقتراحات والبدائل الواقعية”، ما يعني إعطاء دور مهم للمعارضة التي سيلعب دورها حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي في المرحلة المقبلة، بغاية تخفيف الضغط عن القصر وتحويل الأنظار عن المطالب العالقة.

وكعادة النظام المغربي كلما واجه أزمة مع الشارع، نفهم تركيزه على قضية الصحراء بادعاء أن “الوضع صعب، والأمور لم تحسم بعد، ومناورات خصوم وحدتنا الترابية لن تتوقف، مما قد يضع قضيتنا أمام تطورات حاسمة”. فمن الجلي أن قضية الصحراء خلال هذه السنة لم تعرف تطورات خطيرة وحقيقية، حيث أن الوضع الذي خلفه التدخل الدموي في آسا مثلا، لم يتطور ليصل ما وصلت إليه أحداث اكديم ايزيك، لكن استدعاء قضية الصحراء في هذا الوقت هو بحث – كالعادة – عن الإجماع الوطني، وهو ما سيكون على النخبة ( أغلبية ومعارضة ) التركيز عليه في المرحلة المقبلة من أجل تمرير ما تبقى من القرارات التي ستزيد من سحق المغاربة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.