الشباب العربي و إشكالية التشغيل بعد التخرج**

لمعالجة هذا الموضوع نسبيا, يجب استحضار المستويات الثلاثة ألا وهي:الدولي,الجماعة والفردي أيضا يجب استحضار تداخل مجالات عدة في هذه الاشكالية مثل: الصحة,التربية والتعليم,الاقتصاد,السياسات العمومية والثقافة الخ…تعلمنا في التعليم الأساسي بأن “العقل السليم في الجسم السليم”,انطلاقا من هذه المقولة يمكن لنا استخلاص مجالين أساسيين لكل دولة ألا و هما الصحة والتعليم اللذان يعدان الركيزتين لكل دولة في العالم,بدونهما ستصبح أي دولة متخلفة لا جدال في ذلك…وعلى سبيل المثال مقارنة بالدول النامية,اذا أخذنا المجال التعليمي خاصة في ميدان البحث العلمي , وحسب معهد احصاءات اليونسكو لسنة 2004 ,فإننا سنجد ميزانية الدول التي تنفق على البحث العلمي كالتالي:

المرتبة الأولى نجد الكيان الاسرائيلي (4.7°/° من الناتج القومي الاجمالي ) وتأتي اليابان في المرتبة الثانية ( 2.9°/° من الناتج القومي الاجمالي) وفي المرتبة الثالثة أمريكا الشمالية (2.7 °/° من الناتج القومي الاجمالي) ثم المرتبة الرابعة دول الاتحاد الاوروبي ( 1.9°/° من الناتج القومي الاجمالي) والمرتبة الخامسة نجد جنوب شرق آسيا الصناعية كماليزيا واندونيسيا وغيرها( 1.7°/° من الناتج القومي الاجمالي). في حين تأتي الدول العربية مجتمعة في المراتب الأخيرة ( 0.3°/° من الناتج القومي الاجمالي) بعد مجموعة من الدول النامية كالهند ودول أمريكا الجنوبية.

ماذا نستنتج من هذه المعطيات ؟ الجواب هو أن الدول التي ينكب اهتمامها حول جودة التعليم خاصة البحث العلمي,لها استراتيجية نحو التقدم والازدهار الفعلي في جميع المجالات لشعوبها ثم السيطرة على الأسواق العالمية رغم ضعف مواردها الطبيعية عكس الدول العربية,لها كل الامكانيات الطبيعية,البشرية و المالية لاحتلال المرتبة الأولى في البحث العلمي و بالتالي السيطرة على اقتصاد السوق و توفير اليد العاملة ذي الكفاية العالية عالميا و توفير فرص الشغل لجميع فئة الشباب إلا أن أصحاب القرار السياسي قرروا أو أرغموا, في ظل النظام العالمي الجديد, تعطيل التعليم خاصة البحث العلمي لأسباب برغماتية حتى يكونوا في أيدي الغرب و الخضوع لاملاءاتهم التي تخدم مصالحهم و مصالح شعوبهم..

بهذا تناس وتجاهل أصحاب القرار السياسي بأن قوة الحكام في قوة شعوبهم  عبر جميع المجالات خاصة التعليم والصحة.هذا من جهة,أما من جهة ثانية فان النفقات المالية في البحث العلمي تأتي من القطاع الخاص في الدول المتقدمة. ففي اليابان مثلا ينفق القطاع الخاص بأطرها حوالي 80°/° من مجمل النفقات في البحث العلمي و الباقي يتكفل به القطاع العام,عكس الدول العربية مجتمعة يأتي 97°/° من الباحثين المنتمين للقطاع العام والباقي 3°/° من القطاع الخاص,مما يدل على تدني البحث العلمي, زيادة على الميزانية الهزيلة المخصصة له ,بالتالي الى ضعف الانتاج الذي يؤدي بدوره الى ضعف التشغيل.

حسب احصائيات معهد اليونسكو لسنة 2010 فان نسبة الشباب في العالم العربي هو 20°/° أي حوالي 50 مليون شاب الذي هو الرصيد الاستراتيجي والثروة الحقيقية لكل بلد من بلدان العربية لتي تتوخى منه الكثير في المستقبل و تحدياته بل هو أصلا مستقبل بلدانهم…لهذا يمكن أن نجزم بان مشاكل الشباب تنبع من خلل في سياسات التنمية,الاعلام,الصحة,التربية,التعليم بما فيه التكوين المستمر,التنشئة الاجتماعية و والسياسية…يمكن القول بأن الدول العربية لها المسؤولية الكبرى في هذه الآفة ألا و هي اشكالية التشغيل خاصة لدى الشباب بعد التخرج.

كما تعلمون ان البطالة لها آثار كبيرة على الصحة النفسية و الجسدية بما فيها افتقاد لتقدير الذات و احساس بالفشل و الملل بعد طول انتظار ثم انخفاض و تدني ملكات العقلية و الجسمية التي تؤدي الى اعاقة عملية النمو النفسي ناتجة أيضا عن القلق و الكآبة اللذان يؤديان الى عدم الثقة بالنفس ثم عدم الأمن الذاتي الذي بدوره يتأثر به الأمن القومي…هؤلاء الشباب,في ظل أوضاعهم النفسية والاجتماعية , قد يكونون عرضة لتعاطي المخدرات بمختلف أنواعها,أو يكون هاجسهم الهجرة السرية ما داموا فقدوا ذواتهم في وطنهم الذي لم يدرك بعد بأنهم المستقبل الذي سيعول عليه في جميع الحالات…فإذا تجاهلنا هذه الأسباب وأسباب أخرى فإننا قد نساهم جميعا في اعداد جيشا من العاطلين غالبيتهم ذوي الاعاقة النفسية أو العقلية أو هما معا في الوقت نفسه بما فيهم الذين يتعاطون المخدرات…والسؤال الذي يفرض نفسه,أي أمن نقصده وأي مستقبل ننتظره ؟ اذا كان مجمل برامج النخب السياسية في جميع بلدان  العربية تؤكد على أن الشباب هم المستقبل و الأمن….هؤلاء الشباب في مثل هذه الظروف المذلة و القاهرة سيكونون لقمة سائغة في يد المتطرفين ضد أوطانهم بل حتى ضد أنفسهم ان لم تتكاتف جهود الجميع لحل هذه الظاهرة…

رغم كل هذا,فان المسؤولية مشتركة بين جميع المتدخلين بما فيهم الأفراد,خاصة الشباب بعد التخرج…فالشاب الذي ينفي عن نفسه المسؤولية ويلقيها على عاتق غيره دون تحمل مسؤولياته ودون محاولة تغيير معتقداته السلبية التي تولد أفكاره السلبية حول التشغيل,فانه يضع نفسه في موقع الاعاقة أي يضع قيود وهمية في عقله و يؤمن بها على أنها حقيقة إلا أنها في الأصل ليست كذلك , فعقلنا يعمل حسب قانون التوقع,اذا توقعت الفشل فانك حتما ستفشل فإذا كان توقعك النجاح فسيكون كذلك.

بما أن القرار السياسي و الاجراءات المصاحبة له قد يأخذ وقتا أطول أو بالأحرى لا نعول عليه حاليا في ضل السياسة العالمية التي تتحكم في تطور الشعوب,يجب انقاذ ما يمكن انقاذه بالعمل على المستوى الفردي و ذلك تماشيا مع الآية الكريمة ” ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم “ ثم بعد ذلك بعدة قرون تأكد علميا ,عبر العالم النفسي و الفيلسوف وليام جيمس ” ان الاكتشاف الأعظم الذي وصلت اليه البشرية هو أن في مقدور الانسان تغيير حياته بتغيير مواقفه الذهنية ” أي واقعنا من صنع أفكارنا.اذن على المستوى الفردي,يجب على كل شاب له شهادة التخرج أن يثق بنفسه و بقدراته ويضع أهدافه المستقبلية حسب الأولويات انطلاقا من الموقع الذي هو فيه(نقط ضعفه,نقط قوته,الفرص و التهديدات الخارجية) حتى يطور أي نقص في قدراته ثم يكون جاهزا في الموقع الجديد الذي يؤهله لتحقيق أهدافه التي سطرها حسب امكانياته التكوينية أو كفايته في ميدان ما…يجب على الشاب أن يتحلى بالتفكير الايجابي خاصة في المجال الذي اختاره بنفسه وبثقة و معنويات عالية.اذا لم يكن لديه التكوين المطلوب,يجب عليه الاستمرار في التكوين التكميلي حتى يتأكد بأنه في الموقع الذي يجب أن يكون فيه و ينطلق لتحقيق الهدف الأول مع ايمانه بتحقيقه و تخيله , في كل وقت وباستمرار , بأنه حققه بالفعل ثم يعيش هذا الانجاز المتخيل بكل جوارحه…بهذه الطريقة يكون الشاب قد حفز ذاته عبر العقل الباطن لتحقيق الأهداف المسطرة تباعا,ثم وضع خطة عمل أو برنامج عمل مع مراعاة موقعه السالف الذكر,بعد ذلك يجب عليه أن ينفذ برنامجه العملي لأن خطة العمل بدون تنفيذ كأحلام اليقظة اذ بمجرد استيقاظه من الأحلام يذهب كل شيء في سراب.فبعد التنفيذ ,على الشاب أن يراقب النتائج المحصلة عليها حتى يصحح مسار الخطة للوصول الى الهدف المنشود,وهكذا مع الاحساس بالمسؤولية الكاملة والإصرار والاستمرار في تنفيذ الخطة ومع التكوين المستمر , اذا تطلب الأمر , حتى في جميع مراحل الخطة , طبعا بالتفكير الايجابي و التفاؤل بالنجاح مع مصاحبة و استفادة من الناجحين في ايجاد الشغل.وفي هذا المستوى بالضبط يكون الشاب في استعداد تام لولوج سوق الشغل وهو مؤمن لمواصلة مشواره كباقي الشباب الذين تمكنوا من التشغيل…

*مهندس الدولة و باحث في التنمية الذاتية

** المداخلة التي شاركت فيها في الندوة التي نظمت بمندوبية الثقافة بطنجة يوم الجمعة 19/06/2015 تحت عنوان:

 الشباب العربي و اشكالية التشغيل بعد التخرج

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.