الشافعي يكتب: رسالة انعدام الضمانات بمناسبة الذكرى السادسة لرحيل أيمن المرزوقي

الشافعي مصطفى

رسالة انعدام الضمانات

الرفيق العزيز أيمن،

أبدا القول أن لي لقاء معك في شارع الحرية؛ اللقاء القوي في عمارة الكرامة وفي الطابق العلوي من الكبرياء؛

في شهر فبراير من كل سنة، وعلى امتداد ستة سنوات، أذكرك وأتذكرك، وتجول ذاكرتي في مساحة فضائنا المشترك، الإنساني منه والاجتماعي والنضالي، غير أن تذكري لك هذه السنة له ميزة خاصة تتمثل في أن الحزب الاشتراكي الموحد الذي جاهدت من أجل أن يكون له دور وإسهام في بناء الديمقراطية ببلادنا عقد مؤتمره الأول بعد رحيلك وكنت قد عشت معنا المؤتمر الثالث، إني أتذكرك الآن وكأنك أمامي تحاورني بطريقتك المعهود فيها استفزاز محبوب لتركيب معالجات للقضايا المطروحة للنقاش وخاصة منها تلك التي تهم قدرة حزبنا إلى جانب القوى المناضلة من أحزاب ونقابات وجمعيات وتعبيرات مجتمعية مختلفة على استعادة المبادرة للمضي نحو إنضاج شروط البديل الديمقراطي ببلادنا.

استحضر مقولتك الجميلة حقا ألا وهي انعدام الضمانات في كل مرة نحاول فيها تقديم إجابة ولو غير مكتملة للمشروع الذي نريد وللأداة السياسية التي تحرك هذا مشروع البديل الديمقراطي الذي يزاحم بنوع من الجدية والمسؤولية في راهنية زمننا السياسي: مشروعين تتجسد فيهما نقيض الدولة الديمقراطية التي نحلم بها، المرتكزة على قيم ومعايير حقوق الانسان كما هي متعارف عليها دوليا، دولة كل الحقوق والحريات للجميع، الدولة النقيض للاستبداد والفساد كما نادى بها شباب حركة 20 فبراير والتي كنت، رفيقي أيمن، في القلب منها: دولة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وفصل حقيقي للسلط.

على قاعدة ما تقدم أبعث من خلال ذكراك السادسة بهذه الرسالة، رسالة أعبر فيها عن هاجس مناضل يحاول قدر الإمكان المساهمة في بلورة أفق لمشروع مستقبلي لمغرب اليوم والغد وبارتباط قوي وجدلي مع محيطه الإقليمي والدولي.

لن يستقيم هذا المشروع في مغرب اليوم إلا على قاعدة الإسهام وبشكل قوي في تجديد الفكر والممارسة السياسية والسلوك التدبيري فما هو هذا المشروع؟ وما هي مقوماته؟ وما هي المفاهيم والقيم والمعايير التي يمكن الاستناد إليها لجعل هذا المشروع قابلا للحياة في اختلافه وتناقضه مع المشروع الاستبدادي بشقيه السلطوي والديني؟

إن مشروع البديل الديمقراطي كمشروع مستقبلي بامتياز مثل كل شيء هو في حركة دائمة التطور، لا يصنع مرة واحدة، لذلك هو بالضرورة مشروع متحرك وببرنامج متغير ودائم التحين؛ والأفكار التي يستند إليها هي كذلك متغيرة ومتجددة بصورة دائمة، كما صيغة البرنامج، الذي يترجمه، مطالب باستيعاب التحولات السريعة في كل الاتجاهات. وتتغير الشروط والوقائع في زمن قياسي يبقى الثابت فيه نسبي إلى أقصى درجة. هذا ما يجعلني اليوم أكرر معك وكنت على حق انعدام الضمانات ليس فقط من ناحية الأفكار والمعالجات ولكن كذلك من ناحية التعبئة البشرية التي تقدم نفسها كحامل للمشروع.

أقرأ الآن وفي هذا المقام مقولتك انعدام الضمانات بشكل إيجابي لأسباب متعددة:

الأول منها أننا حملنا مشروع التغيير الديمقراطي في ظروف قاسية بقمعها وبإجماع قواها السياسية على أننا جيل عدمي لا يعرف مصلحة الوطن، وتحدينا ما وضع في طريقنا من متاعب: اعتقالات محاكمات واستشهادات..

الثاني: اقتنعنا منذ اللحظة الأولى أن من أسهم في بناء الديمقراطية وإقرار حقوق الإنسان التي نستند إليها اليوم في صياغة المعالجات، انطلقت بقناعات فئات قليلة، ولذلك يحسب للمعارضة في تاريخ البشرية إسهامها القوي في تطوير المجتمعات وتنويرها.

كثيرة هي القضايا التي كانت بالأمس القريب عقوقا، هي اليوم تشكل أركانا أساسية للمجتمع الديمقراطي الذي هو في تطور دائم. أذكر على سبيل التمثيل لا الحصر المساواة بين النساء والرجال.

الثالث: هو أن المشروع الذي حلمنا به لا سبيل لتحقيقه إلا بالسياسة، اكتسبته البشرية كوعي بواسطتها ناضلت من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية فهي الطريق الواقعي والعملي للتغيير، وتزداد الحاجة إلى السياسة ارتباطا بمشروع سياسي يساري ديمقراطي في مرحلتنا الآن وبأفق اشتراكي.

السبب الرابع: أن اشتداد القمع والاستبداد بمعناه الواسع كان دوما أحد أهدافه المركزية إضعاف السياسة. ولهذه الغاية كان يسعى إلى حصرها في مكان واحد وفي اتجاه واحد، ولذلك نشهد على الدوام أن للسلطات الاستبدادية بصيغها المختلفة نزوعا قويا في اتجاهين:

الأول:ينزع إلى إلغاء دور الأحزاب أو تقزيمه حسب الظروف ومجريات الأحداث لينحصر في كونها آليات ضعيفة التأثير،

الثاني: تدجين المؤسسات التي تعبر عن التعدد.

وتأمينا لهذا النزوع وتحقيقا لأهدافه تستعين سلطات الاستبداد بالمؤسسات الدينية المحافظة باعتبارها مؤسسات وسلطة ذات دور مؤثر في المجتمع وبذلك تحقق قمعا مزدوجا ومتعدد الأبعاد.

السبب الرابع : بمناسبة هذه الرسالة التي أذكر بعنوانها انعدام الضمانات، أجدد التأكيد على أن السياسة و أداتها الأساسية الحزب هي شكل دائم للحركة، وفي تقديري وقناعتي هي أكثر مقرونية بالمشروع اليساري الديمقراطي الذي تبنيناه منذ أن كنا في الجامعة التي يراد إعدام دورها في المعرفة والعلم وصقل الوعي البشري؛ وحملناه من مواقع مختلفة بعد الجامعة حتى وصلنا للحظة الاندماج الأول في سنة 2002، الذي تشرفتَ بإعلان الانخراط فيه كلية باسم الديمقراطيين المستقلين ومازال عهدك مستمرا في أفق اندماج مكونات فيدرالية اليسار الديمقراطي والمساهمة في إعادة بناء اليسار المغربي على أسس نقدية سليمة؛ هذا المشروع الذي حملته أجيال مختلفة ولا يزال؛ حمله اليوم جيل جديد من شباب وشابات لهم عنصر قوة جذابة تتمثل في القدرة على الابتكار والتحدي انطلقت مع حركة 20 فبراير وتتجدد كل يوم في النضالات الشعبية في الريف وجرادة وتندرارة وأوطاط الحاج وزاكورة وغيرها من المناطق من أجل مطالب مشروعة تتلخص في الحق في الشغل والصحة والتعليم والماء والسكن والعدالة الاجتماعية والكرامة وغيرها.

ترابطا بما سبق نريد أن تكون لحزبنا رؤية مستقبلية تنطلق من معانقة الواقع ورسم الطريق مع الناس بالتخندق معهم. وأن من الدروس التي أكسبتنا إياها مآلات تجربة اليسار المغربي التقليدي، وفي ذلك انطلاقة جديدة لإنضاج مشروع يساري ديمقراطي بعيدا عن قلعة قديمة اهترأت جدرانها.

إن هذا المشروع هو بحاجة اليوم إلى تعدد قوى اجتماعية تلتقي مصالحها على تحقيقه في مراحل متعددة، والشرط الأساس للنجاح في تحقيق هذا المشروع هو الديمقراطية بمعناها الحقيقي في كل ما يتصل بالدولة وبالمجتمع وبدور المؤسسات فيها. لقد حان الوقت لكي نتحرر من الاستبداد والفساد بتبيئة البديل الديمقراطي المتمثل في دولة الحق والقانون، دولة المؤسسات المحترمة لحقوق الإنسان أفرادا وجماعات. في هذا الإطار يتحقق التكامل بين الدولة ومؤسساتها والمجتمع ومؤسساته وبالتالي تشكل ضمانات الرقابة المتبادلة من المجتمع على الدولة ومن الدولة على المجتمع وهي رقابة تساهم في احترام تطبيق القوانين وتامين الشروط الديمقراطية لممارستها وتساهم هذه الرقابة في وضع حد للفساد والرشوة والزبونية وللتزوير ولهدر المال العام.

على هذا الأساس تصبح للأحزاب كآليات لممارسة السياسة ومن ضمنها حزبنا وحزب الاندماج الفيدرالي دورها الحقيقي في المجتمع، ومن تم تطرح على الحزب الاشتراكي الموحد اليوم تحديات صيانة هويته واستقلال قراره وتدبير مؤسساته وتأطير مناضلاته ومناضليه وطبيعة انخراطه في النضالات الشعبية والجماهيرية التي تساءلنا كل يوم من ضمنها حاجات الفعل السياسي إلى مشروع رؤية تحليلية للمجتمع المغربي تستوعب تحولات بنياته الاجتماعية وتؤسس لممارسة سياسية وحزبية جديدة و متجددة.

أختم هذه الرسالة بالقول، و بمناسبة ذكراك السادسة، و أنت الذي اقتسمت معنا قيم الوفاء والإخلاص والعطاء والتضحية أن الزمان الذي كان يجمعنا حول قضية ومصير شعبنا وحقه في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ما زال يدفعنا لمجهود أكبر في زمن تسارعت فيه وتيرة التدني ” السياسي” اقول إننا أبناء ناس في العز تربينا، لبسنا الحرير ورميناه وعرفنا الزين ورميناه؛ يا جمال هز جمالك علينا وللبقية حديث أقوى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.