الشاعر طه عدنان يكتب: “زوزو” الذي باع السمك وتأفّف من نتانَتِه

%d8%b7%d9%87-%d8%b9%d8%af%d9%86%d8%a7%d9%86

طه عدنان

كم تبدو صور الهالوين المنتشرة هنا هذا اليوم، مثل نكتة سمجة في مغربٍ يبثُّ أفلام الرعب مباشرةً ودونما توضيب. ليست قصصَ أشباحٍ لا يصدّقُها أحد، بل حكاياتٌ مُرَّةٌ لشعب مطحون (الطّحن هنا ليس محضَ استعارةٍ). مشاهدُ رعبٍ في بثٍّ حيٍّ دونما تحذيرٍ للصغار وضعاف القلوب.

غدًا عطلةٌ رسميةٌ هنا: عطلة عيد الموتى. عيد جميع القدّيسين. يزورون المقابر احتفاءً بحياة الأسلاف. ربما علينا أن نحتفل – نحن الموتى المؤجّلين أيضًا – بوجودنا الصاخب في غرفة الانتظار الفسيحة المسمّاةِ حياةً قبل أن نتفرّغ لأبدية الموت.

لهؤلاء الأحياء القدامى صبرٌ عظيمٌ على الصمت، وقدرةٌ رهيبةٌ على الصفح والغفران. أعتقد أن الموتى لا يحقدون على أحد. ليس لأنّهم سرعان ما ينسون الإساءات، أو لأنّ لديهم ذاكرة سمكة… لكن، لأنّ الموتَ مقبرةُ الأحقاد.

نحن أيضا لدينا ولعٌ كبير بالموتى. فنحن لا نذكرهم إلّا بخير. وندعو الله أن يتجاوز عن سيّئاتهم.

أمّا بيننا كأحياء في هذه الدنيا الفانية، فلا أحد ينسى إساءة أحد.

يشاع أن الأرواح تستيقظ الليلة في المقابر. ولأنّ لا أحد يصدّق ذلك، فهم يبالغون في التنكّر إمعانًا في افتعال التصديق. فيما نحن هناك نمارس الحياة بأرواح وضمائر ميّتة، دونما حاجة إلى أقنعة تنكّرية. كأنّنا نردّد مع الشاعر: لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا / ولكن لا حياة لمن تنادي.

ومع ذلك فهي تدور… مثل طاحونة طلاسم. ولا تتوقّف إلّا بعدما تلفظُنا مثل نهاية تراجيدية.

هذا ما حدث مع فقيد الحسيمة.

الاسم: محسن فكري.

المهنة: بائع سمك.

التهمة: أبو سيف.

رغم الإحساس العام والعارم بالألم، يستوقفني عدم اكتراث المغاربة بالقانون… وهو أساسًا نتاج عدم ثقتهم فيه. فالقانون بالنسبة إلينا سيفٌ، ذو حدٍّ واحدٍ، مسلّطٌ على رقابنا تحديدًا. وحتى عندما نُطبِّع معه يصير حارسًا أمينًا يصلح فقط لحماية “حقوقنا” حتى وإن لم تكن مشروعة. ولا بأس في أن نطأه بأقدامنا ونحن نؤازِرُ هذا في محنة، أو نتضامن مع ذاكَ في نقمة. ولا ضير في أن ندوسه جميعًا في سبيل مصلحة خاصة… أو ضمن جعجعة عامة.

كما أنّ لديّ حذرًا فطريًّا من الإجماع. الإجماع فرصةٌ سانحةٌ لكي يختلط الحابل بالنابل، ويصطفَّ القتيل والقاتل والمناضل والمنافق والانتهازي والمصطاد في الماء العكر والمارّ من هناك بمحض الصدفة.

الإجماع يلغي العقل لصالح العاطفة، ويعطّل ملكة النقد.

الخطبُ جللٌ طبعًا… لكنّ المأساة أكثر تعقيدًا.

ربما كان الحقّ في الحياة أوّل الحقوق وأعظمها.

لذلك يثور الشعب على الظلم والحڭرة والطغيان والشّطط في استعمال السلطة، وذلك في غياب السياسيين المنشغلين برهانات تشكيل الحكومة و”يانصيب” مقاعدها. فلن تجد داخل الحمأة منهم – وبشكل مبدئيّ – إلّا من رحم ربّك، أو طوّحَتْ به ماكينة الانتخابات بعيدًا عن كعكة “اليانصيب”.

(ويسألونك بعدها عن العزوف!؟)

لكن مشكلتنا الأكبر، أننا سرعان ما نَخْبو، وبنفس السرعة التي نَحْتَدِم بها. نَفَسُنا قصير. فبعد أن يهدأ صراخنا الجماعي، سيخرجون علينا بقصص وألاعيب أخرى – مثل حواةٍ مَهَرة – تشغل بالنا من جديد. لكي يُطوى الملفّ نهائيًّا، أو يلفّه النسيان. هكذا ننسى موضوع الفساد الذي عمّ البرّ والبحر. لكي لا يسأل أحدٌ بَعْدَها عن “زوزو” الذي يخرّب راحة سمك أبو سيف البيولوجية في أعالي البحار.

“زوزو” الذي باع السمك وتأفّف من نتانَتِه.

“زوزو” الذي يعطي التعليمات من وراء ستار كما يجدر بزعيم عصابة مجرّب.

“زوزو” الذي لا سبيل إليه.

يقال إنّ الأسماك تَنْتِنُ من رأسها، فمَا بالُكُمْ بالحيتان الكبيرة؟!

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.