السياسية بين البؤس والممانعة

من معارضة صاحب الجلالة، التي لا تتوانى في قذف الحكومة بأبشع الأوصاف مقابل إغراق النظام بالمديح السياسي، إلى أغلبية حكومة جلالته، التي تحتل واجهة نظام ديموقراطي زائف، تظهر الحاجة الملحة لفعل سياسي ديموقراطي وتقدمي منبثق من صلب الحركة الاجتماعية، ويمتلك رؤية سياسية عقلانية ويحوز خطاب نافذ في المجتمع ويراكم المصداقية النضالية والنزاهة الأخلاقية في مقاومة عوائق الديموقراطية.

على مستوى عالية النظام السياسي، تبدو تيارات صاحب الجلالة، بحكومتها ومعارضتها، متحالفة موضوعيا من أجل حماية الجوهر الاستبدادي للسلطة رغم التباينات العرضية في الخطاب أو الاختلافات الشكلية في الخلفيات الفكرية. فحكومة الواجهة، التي يقودها حزب يميني، تجتهد لتقوية كل مظاهر المحافظة الدينية (والأصح الفقهية)، في المقابل تجتهد معارضة صاحب الجلالة لتجيير واجهة نظام غير ديموقراطي بطلاء حداثوي .

هكذا يكسب النظام، بانتهاج أسلوب حركة المشي بقدمين، الحفاظ على توازنه السياسي؛ من خلال توجيه الرأي العام إلى صراعات سياسية وهمية في الإعلام بين حكومة لا تحكم ومعارضة لا تناهض الأساس الاستبدادي للنظام. وبالنتيجة، كلما احتد الصراع بين الجناحين كلما ضمن النظام حياة أطول لجوهره غير الديموقراطي.

أما في السافلة، فيتمزق الخطاب السياسي بين أصولية دينية متغلغلة في المجتمع بفضل تحالفاتها مع النظام،  وبين خطاب ديموقراطي عاجز عن اختراق الفئات التي يستهدفها بخطابه ومشاريعه السياسية والفكرية. يلعب الأول- الأصولية الدينية- دور مؤسسات ترويض وتنويم قطاعات واسعة من شباب المجتمع، كما اعترفت بذلك نادية ياسين عند حديثها، بشكل غير مقصود، عن دور جماعة العدل والإحسان في “تبريد الطرح” في الحراك الاجتماعي والسياسي الذي قادته حركة 20 فبراير.

بين الموقفين، اتجاه الاستسلام واتجاه المعاداة على طول الخط، تتميز الأطروحة السياسية التي تعتبر الجواب التاريخي لمطلب الديموقراطية هو بلورة تعاقد سياسي يزاوج بين المشروعية الشعبية، وهي الأصل، وبين المعطيات التاريخية: أقصد، هنا، مطلب الملكية البرلمانية. لذلك فإن تحقيق الديموقراطية مشروط بوجود تيار سياسي آخر، قادر على فضح مسرحيات حكومة صاحب الجلالة ومعارضته، وقادر، أيضا، على استرجاع  التأييد الاجتماعي والسياسي للحركة الديموقراطية بكل روافدها النقابية والمدنية والحقوقية والثقافية والشبيبية…الخ.

إن ما يقلق النظام، كبنية سلطوية، هو  مثل هكذا خط سياسي ممانع مبني على وضوح المطلب السياسي؛ لأنه مطلب واقعي وعقلاني، ويفتح إمكانيات حشد تحالف ديموقراطي عريض، بل إنه يتوفر على نماذج سياسية معاشة في مجتمعات مختلفة نجحت في التوفيق بين استحقاق الديموقراطية ومعطيات التاريخ. فالدولة،كغلاف سياسي للتحالف المهيمن على الثروة والسلطة، مطمئنة نسبيا من الاتجاهات الحزبية والسياسية المندمجة في النسق القائم، كما أنها غير متوجسة من المواقف السياسية “المثالية”، لكنها تعاني، بناء على معطيات واقعية، من المواقف السياسية التي لها شروط وإمكانات التحقيق في شرطنا السياسي. يمكن أن نثير، مثلا، التفاف قطاعات شعبية ومدنية على مطلب الملكية البرلمانية في البدايات التأسيسية لحركة 20 فبراير سنة 2011.

إن الموقف السياسي العقلاني، المتحرر من أصولية النماذج “الاشتراكية” المحققة والمتمرد على خط الاستسلام، يراهن، بشكل أساسي، على الوعي الحاصل لدى الشعب المغربي، وخاصة شبيبته ونخبه الديموقراطية، من أجل إنجاز التحول الهادئ نحو الديموقراطية والحداثة المغربية. لذلك، فإن “التناقض الرئيسي” لهذا التيار، على المستوى السياسي، هو معاداة أصولية الدولة (الأصولية المخزنية) كجوهر للبنية السلطوية السائدة وأصولية جزء من المجتمع (الأصولية الدينية)؛ باعتبارهما عائقين ضد حق الشعب المغربي في الديموقراطية وحقوق الإنسان بمضمونها الكوني.

وإذا كان الشرط التنظيمي لحملة هذا الموقف السياسي محبط، فإن الوقائع السياسية للتجارب السياسية المماثلة تغذي أمال المناضلين في ضرورة بلورة الإجابات التنظيمية التي تستجيب لإمكانيات تأطير الفئات والقطاعات التي لها مصلحة في الديموقراطية، وهي: النخب المثقفة التي تتطلع إلى مناخ الحرية، وحاجة الفقراء والطبقة الوسطى إلى العدالة الاجتماعية،  ورغبة الشبيبة المغربية في انتزاع حقوقها الاجتماعية، وإصرار الحركة الأمازيغية الديموقراطية على حقوقها الثقافية: نستحضر، في هذا السياق، الحيوية السياسية للائتلاف الجبهة الشعبية بتونس، وتجربة سيريزا كجبهة يسارية باليونان، والتجربة النضالية لبوديموس بإسبانيا….الخ.

ويجب أن نعترف أن السلطة تدرك تكلفة هذه الجبهة الاجتماعية والسياسية في تفكيك بنيتها السلطوية، لذلك تعمل بكل الوسائل على رعاية الصراعات بين هذه المكونات واستقطاب “الأعيان الجدد”، في أعمال خيانية، على تضخيم التناقضات الثانوية بين روافدها، وإشاعة “ثقافة” الاستسلام، والتوسط في الإطاحة بالمناضلين في أعمال النخاسة السياسية.

وفي المحصلة، فإن الممانعة، كثقافة وسلوك، ليست رسما تجاريا لفائدة محترفي الشعارات غير المتناسبة مع السلوك السياسي النظيف؛ كما قد يزعم تجار التاريخ بدليل استسلام قدماء “المناضلين” من أجل الظفر بنعيم “العهد الجديد”. كما أن منابع الممانعة تمتد من المقاومة البطولية للشعب المغربي للاستعمار، إلى النضال السياسي للحركة الاجتماعية والهيآت التقدمية من أجل الديموقراطية.

والممانعة، أيضا، ليست هي الرفض المطلق لكل ما هو قائم. فالكثير من الحركات الأصولية الدينية ترفض الحاضر والمستقبل وتسعى لإعادة إحياء نموذجها الماضوي “الذهبي” في تنزيل شريعة الحاكمية لله. وبالتالي، فالممانعة هي بلورة الموقف السياسي الذكي- العقلاني بناء على قراءة معطيات الواقع الملموس وشروطه التاريخية.

إن الحاجة الملحة، اليوم، تيار سياسي قادر على تحمل مسؤوليته التاريخية في قيادة  الدولة والمجتمع إلى الديموقراطية، وهو تيار العقلانية والتنوير، المتحرر من كل الأصوليات، وقادر على إنتاج الإجابات السياسية الواقعية بما يخدم حاجة الشعب المغربي إلى الديموقراطية الحقيقية. لكن هذا التيار يجب أن يكون مستقلا عن الدولة ويمتلك قراره السيادي، ويحرص على النزاهة الأخلاقية والفكرية، ويعتبر السياسة كفضاء للتطوع وإبداع الحلول للمجتمع والدولة المواطنة والديموقراطية.

عدا ذلك، فليس هناك غير البؤس حتى وإن تغلف بخطاب منمق بـ”الممانعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.