قلالش سيدي بوغالب وقلالش الملك

محمد المساوي
في ظل هذا الوضع السياسي المرسوم على المقاس، يُراد لنا أن نصفق لوضع قائم، مؤداه أن الحقل السياسي المغربي يتجاذبه مشروعان اثنان، أو للدقة نقول؛ يتجاذبه حزبان هما البام والبيجيدي، حتى أصبحت المعادلة: إما أن تكون مصطفاً إلى جانب البيجيدي، وإما (ما إما بلغة الياس العماري) أن تكون بجانب البام، هكذا يرسم النسق السياسي المغلق الصورة في هذا البلد.
لابد من الانتباه أن كل هذا يجري في ظل تعددية حزبية مفرطة إلى حدّ الميوعة، وغياب كلّي لأي تعددية سياسية حقيقية، اذ أن النظام لا يسمح بأي تعدّدية سياسية، بل يريد تعدّدية حزبية تؤثث المشهد وتضفي عليه بهارات الديموقراطية المزعومة، أما في الواقع فليس ثمة إلا موقف سياسي واحد، يتبارى الخصوم الحزبيون بصدده حول من ينجح في تنزيله أحسن تنزيل، وليس من الغريب أن يصرح كل زعماء الحكومات المتعاقبة على البلد بمجرد وصولهم الى هذا المنصب بأنهم جاؤوا ليطبقوا برنامج الملك، فهل هذه تعددية سياسية؟ وأي تعددية سياسية في ظل البرنامج الواحد، والحاكم الواحد؟
أما حول طريقة عمل كل واحد من الحزبين الذين يؤثثان المشهد، يعتمد حزب العدالة والتنمية في التعبئة والحشد على الانتشار الافقي، بفضل الالاف من أعضائه المجندين، الذين تدرّج أغلبهم في مدرسة “التوحيد والاصلاح”، فينتشرون في جمعيات الاحياء ويربطون علاقات ودّ مع الساكنة، وقد يصل بهم الأمر أحيانا الى تقديم مساعدات عينية للأسر الفقيرة، أو مساعدات للأسر المعوزة في مناسبات اجتماعية (العقيقة، الختانة، عيد الاضحى، رمضان…)، بهذه الطريق استطاع البيجيدي أن يشكل لنفسه خزانا انتخابيا قويا، جعله يشعر بنفسه طرفا قوياً في هذه المعادلة الحزبية.
بينما يعتمد حزب البام على الاستقطاب العمودي، فعوض أن ينزل أعضاؤه إلى القاع، ويعملوا على الاحتكاك المباشر بالمواطنين، اختار الحزب استراتيجية أخرى؛ يذهب مباشرة إلى استقطاب “فتوات” الأحياء، وزعماء الحركات الاحتجاجية والصحافيين ومناضلي الخامسة والنصف مساءً و… فمثلا عوض أن يشتغل الحزب في الحي كذا من أجل كسب ثقة الناخبين، فإنه يلجأ إلى طريقة أخرى، إذ يبحث عن بارون الانتخابات في هذا الحي ويتم استقطابه بالترغيب أو الترهيب، بالأموال والمناصب أو باخراج ملفات له قد تدينه، هكذا يعمل البام على وضع يده انتخابيا على هذا الحي أو تلك المدينة أو الدائرة الانتخابية.
واضح أن هناك طريقتين للعمل مختلفتين، بيد أن الأوضح هو أن هاتين الطريقتين تصبّان معاً في نفس الرحى التي تطحن مستقبل هذا الوطن، وتزوّجه للمجهول، فكلتا الطريقتين في خدمة صاحب الجلالة، من أجل تأدية هذه الخدمة يسلك البام طريق الاستقطاب العمودي، عكس البيجيدي الذي يلجأ الى عملية الاستقطاب الافقي، وهذا الاختلاف هو ما مكّنه من بسط سيطرته على المدن الكبرى في انتخابات 4 شتنبر، لأن المدن الكبرى لم تعد مهيأة بشكل كبير للتحكم القبلي من طرف السلطة المحلية، كما أن قوة بارونات الانتخابات التقليدين غير موثوق بها بسبب انسيابية وحركية اعادة توزيع ساكنة المدن بسبب الهجرة القروية المتزايدة وكذا بسبب تنامي الوعي السياسي لدى المواطنين بفضل الحراك الشعبي.
يعتمد البام خيار الاستقطاب العمودي لأنه مسنود بقوة فؤاد عالي الهمة المتحكّم في المجال الأمني والسياسي، ولأنه أيضا محكوم بالرغبة في الوصول سريعا الى تصدّر المشهد الحزبي بالمغرب، بينما يسلك البيجيدي طريق الاستقطاب الأفقي لأنه يعرف أن قوته تكمن في قاعدته الانتخابية، ويعرف جيدا أنها هي حصنه الحصين، في مواجهة وضعية الحزب المنبوذ من طرف القصر الملكي، حتى إن حاول جاهدا أن يحيّد الملك من هذا النبذ ويلصقه بفؤاد علي الهمة فقط.
إن تحييد البيجيدي للملك، والعمل على تغذية وهم “الملك زوين لي دايرن به لي خايبين” يبرّره البعض بكونه تكتيكاً ضرورياً لتوسيع هامش الديموقراطية (كذا)؟؟ او ما سماه السرفاتي ذات تسعينيات ب”عزل المافيا المخزنية”، غير أن هذه القصة ما زالت تتكرّر على مسامعنا منذ ما ينيف عن ثلاثة عقود، مع ذلك لا هامش توسّع ولا ديموقراطية رأيناها، ولا مافيا مخزنية عُزلت، لقد أضحى “توسيع هامش الديموقراطية” طوطم الممارسة السياسية البئيسة في هذا البلد، إليه تُعزى كل التراجعات والالتفاف على المطالب الشعبية. كما أن مسلسل انحناءات بنكيران أمام خدام صديق الملك لا حدود لها، وهو ما يفضح عدم وجود أي رغبة حقيقية فعلية لتوسيع هامش الديموقراطية، بقدر ما يكشف عن سعي بنكيران لتعويض محيط الملك بنفسه وبطاقم من اخوانه، فمعركة بنكيران مركزة في نقطة وحيدة: تقليص نفوذ فؤاد عالي الهمة لكن دون اغضاب الملك، وتقديم نفسه على استعداد تام لتعويض ابعاده أحسن تعويض (تذكروا قول بنكيران : انا معاك اسيدنا واخا تديني للحبس).
قبل أيام كتب الصحافي توفيق بوعشرين افتتاحية يتحدث فيه عن “قلالش سيدي بوغالب”، وذكر بقصة الحسن الثاني مع السفير المغربي في بريطانيا التي حكاها على لسان بنكيران، ليخلص اخيراً أن المغرب ليس في حاجة الى “قلالش سيدي بوغالب”، أي ليس في حاجة إلى أمثال الهمة والماجيدي والعماري، وهو ما قاله بنكيران في الحملة الانتخابية لانتخابات 25 نونبر 2011، بصريح العبارة؛ “يا جلالة الملك في مغرب اليوم ليس هناك مكان لا للهمة ولا للماجيدي ولا للعماري”.
قصة “قلالش سيدي بوغالب” اثارت اعجاب البيجيدي فانبرى محمد يتيم ليكتب افتاحية الموقع الالكتروني للحزب في نفس الموضوع، لينتهي الى خلاصة يقول فيها: “المغاربة يريدون سيدي بوغالب دون قلالش”، أي بلغة مباشرة؛ المغاربة يريدون الملك دون الهمة والماجيدي.
لكن السؤال المطرون هل البيجيدي يريد فعلا الملك بدون “قلالش”، أم أنه يريد الملك ب”قلالش” جدد بطبعة مزيدة ومنقحة ولحية مشذّبة؟
في الحقيقة، لو كانت “كذبة” توسيع هامش الديموقراطية صحيحة وصادقة، لما رأينا خدام الهمة يعربدون كما يشاؤون في الحكومة وخارجها، بينما بنكيران ينحني ويكتفي ب”اخراج عينيه” في الفقراء والبسطاء، لو كان البيجيدي يريد الملك دون قلالش لما سمح للوزير أخنوش الذي لم يصوت عليه احد ان ينتزع الصندوق المعلوم عنوة، لما سمح للوزير بوسعيد أن يأتمر بأوامر الهمة والياس العماري، وهو داخل الحكومة، اذ كيف ينحني بنكيران أمام هؤلاء وهو يقول عنهم أنهم مجرد “قلالش”؟
إن بنكيران ينحني لهؤلاء و لا يريد أن يعود إلى الدستور ليضع حدا لتطاولهم حتى لا يُغضب الملك،  كما أنه لا يريد أن يحتكم الى قاعدته الانتخابية لتحجيم توغلهم، بل يتوسل الملك ويتمنى أن يتدخل لانصافه وتخليصه من تجاوزات “قلالش صاحب الجلالة”.
صحيح، ثمة صراع حزبي عنيف بين البيجيدي والبام، لكنه صراع “بهلواني” يروم تسكين الآلام عبر توفير الفرجة من أجل التنفيس، أما في العمق فهو صراع من أجل اطالة أمد الاستبداد، ليبقى الملك هو الحَكم وإليه يعود كلّ شيء.
قديما قيل للعطار ماذا تبيع؟ قال لهم: كل شيء أمامكم مفضوح…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.