السلطة في المغرب وترشيح مُعاد الحاقد لجائزة ساخاروف

بقلم أحمد ابن الصديق

الترجمة من الفرنسية : سعيد السالمي

لا تفصلنا إلا أيام قليلة عن الثلاثاء 7 أكتوبر 2014. السلطات المغربية لا تحب هذا اليوم، بل إنها تكن له البغضاء، كما تكره كل مرآة تعكس صورتها السيئة التي فشلت أطنان مستحضرات التجميل في تجميلها. إنها تود أن تنام ليلة الاثنين 6 أكتوبر وتستيقظ صباحا لتكتشف أنه صباح الأربعاء 8 أكتوبر، وأن يوم الثلاثاء اختفى بقدرة قادر.

في هذا اليوم، الثلاثاء 7 أكتوبر، سيختار البرلمان الأوروبي المرشحين النهائيين الثلاثة لجائزة ساخاروف 2014 لحرية الفكر، ثم سيتم الإعلان عن الفائز النهائي يوم الخميس 16 أكتوبر، وكأي نظام لا تربطه أية مودة مع الحرية، وخاصة حرية الفكر، فإن هواجسه طبيعية.

سيتم اختيار الفائزين الثلاثة من بين المرشحين السبعة (بشكل فردي أو ضمن لائحة) الذين اجتازوا المرحلة الأولى يوم 23 سبتمبر، ومنهم على وجه الخصوص مغني الراب المغربي معاذ بلغوات المعروف بلقب الحاقد، والذي سجن ثلاث مرات لأنه تجرأ على ممارسة موهبته والتعبير بالفن عن تطلعات أبناء جيله إلى حياة كريمة. لقد غادر السجن منذ بضعة أيام في انتظار محاكمة استئنافية يوم 13 أكتوبر المقبل. المرشحون الآخرون الذين تم اختيارهم من طرف المجموعات البرلمانية الأوروبية لديهم مسارات مختلفة ولكنهم يلتقون في نصرة حقوق الإنسان.

من بينهم على سبيل المثال محمود العسلي، أستاذ القانون بجامعة الموصل الذي قُتل في يوليوز الماضي من طرف داعش بعد دفاعه عن المسيحيين، وقد اقترحته مجموعة النواب المحافظين والإصلاحيين في البرلمان الأوروبي، برفقة لويس رافاييل ساكو، بطريرك “الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية.” من جهتها، اختارت مجموعة اليسار الأوروبي الموحد واليسار الأخضر ترشيح مغني الراب معاذ بلغوات، برفقة المغني التونسي علاء اليعقوبي (الملقب ولد 15) وعلاء عبد الفتاح والمدون والناشط السياسي المصري. حُكم على علاء اليعقوبي في يونيو 2013 بالسجن عامين بتهمة إهانة الشرطة في أغنية، وكان قبلها مدانا بشهرين من السجن، وقد أدين منذ بضعة أسابيع بأربعة أشهر أخرى.

أما نواب التحالف التقدمي للاشتراكيين والديمقراطيين، بالاتفاق مع تحالف الليبراليين والديمقراطيين، فقد رشحوا طبيب النساء الكونغولي دينيس موكويدج، الذي عالج ضحايا الاغتصاب.

وجائزة ساخاروف التي تقدر قيمتها بخمسين ألف يورو، يمنحها البرلمان الأوروبي منذ عام 1988 لتكريم الشخصيات المدافعة عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

من المرجح أن يكون اختيار نواب اليسار الأوروبي الموحد واليسار الأخضر الأوروبي لشباب الراب المغربي والتونسي، بالإضافة إلى الناشط المصري، معبرا عن إدراكهم أنه منذ اندلاع الربيع العربي، لم تكن مواقف الاتحاد الأوروبي منسجمة مع قيم الديمقراطية والحرية، لأن الاتحاد لم يساند الحركات الاحتجاجية الشبابية التي طالبت بالعدالة والكرامة. أما الحكومات الأوروبية، والتي تتصرف بمنطق المصالح ويكبلها هاجس الخوف الأعمى من الإسلام السياسي، فقد دعمت الثورات المضادة والإصلاحات السطحية. في حالة المغرب، على سبيل المثال، لم يعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه إزاء قضية الصحافي المستقل عليّ أنوزلا مدير النسخة العربية لموقع “لكم”، المتهم بالإشادة بالإرهاب، والذي استكرت اعتقاله منظمات غير حكومية عالمية مثل مراسلون بلا حدود، ومنظمة العفو الدولية ومنظمة هيومان رايتس ووتش. بل إن سفير الاتحاد الأوروبي بالرباط، وقبيل اعتقال أنوزلا، اختار الصيغة الفرنسية لموقع “لكم” دون غيره من وسائل الإعلام ليخاطب الرأي العام المغربي بمقال كتبه بنفسه عن مساهمة الاتحاد في محاربة الأمية في المغرب.

إن اختيار معاذ الحاقد هو في حد ذاته استفزاز لسلطات الرباط. أما إذا نجح معاذ في اجتياز مرحلة 7 أكتوبر وأصبح من ضمن المرشحين الثلاثة، فالاستفزاز سيتحول إلى إهانة، لأنه تكريم لشاب يتحدى المخزن. أما إذا ظفر بجائزة ساخاروف فالإهانة ستتحول إلى صفعة مدوية، كتلك التي دوَّت عنما فازت خديجة رياضي بجائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لسنة 2013، وهي الرئيسة السابقة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والأمينة العامة الحالية للجمعية الفتية “الحرية الآن – لجنة حماية حرية الصحافة والتعبير بالمغرب”. ليست خديجة رياضي الأولى التي يكرمها العالم وتقمعها السلطة في المغرب، فقد سبقها من كرَّمتهم منظمات دولية محترمة ولكنهم نالوا في المغرب نصيبهم إما من الركل والرفس أو من الأذى والتضييق، أو من السجن جزاء وفاقا على جرأتهم. من هؤلاء الصحافي علي لمرابط والصحافي أبو بكر الجامعي، ولعل الأول في لائحة العهد الجديد هو القبطان مصطفى أديب الذي حصل سنة 2000 على جائزة النزاهة من منظمة الشفافية الدولية ترانسبارنسي وهو آنذاك في السجن لأنه فضح الفساد في المؤسسة العسكرية ورفض أن يتحول إلى شيطان أخرس.

وبينما تسعى جمعية “الحرية الآن” لانتزاع الاعتراف القانوني من أروقة المحاكم، تعيش الجمعية المغربية لحقوق الإنسان منذ شهور على إيقاع المضايقات والحظر التعسفي لأنشطتها، وآخرها ندوة حول “الإعلام الديمقراطية” كانت مقررة ليوم السبت 27 سبتمبر. في اليوم السابق، نشر عبد الله أفتات، رئيس الاتحاد المغربي للصحافة الالكترونية، رسالة استقالة احتجاجا على تصرفات السلطة. فبعد أن أشار إلى أن السلطات المغربية تشن “هجوما عنيفا على مختلف التعبيرات الإعلامية وخاصة على مستوى الصحافة الإلكترونية عبر مجموعة من الآليات التي توزعت بين المحاكمات والمضايقات والاعتقالات والمنع، فقط لأنها اختارت خطا تحريريا معينا”، عبر أفتات عن استيائه من مشروع مدونة الصحافة الذي تعتزم تمريره وزارة الاتصال، معتبرا إياه ” بمثابة الضربة القاضية التي ستوجه للإعلام الإلكتروني الذي بطبعه إلى الحرية ميال” وختم مخاطبا الملك بصفته “رئيس الدولة لكي يتحمل مسؤولياته ويوقف هذا العبث.”

في هذا المناخ المكهرب، عقد القاضي محمد عنبر، وهو رئيس غرفة في محكمة النقض ونائب رئيس نادي قضاة المغرب، ندوة صحفية يوم 24 سبتمبر لأجل التنديد بالمضايقات التي يتعرض لها من وزير العدل. وقد وجه الرجل بصراحة غير مألوفة أصبع الاتهام إلى مديرية مراقبة التراب الوطني، أي جهاز المخابرات DST الشهير، الذي يسعى المسؤول الأول عنه، عبد اللطيف الحموشي، حسب القاضي، إلى الاستمرار في التمتع بالإفلات من العقاب، بالتواطؤ مع مسؤولين آخرين. وقد سبق لهذا القاضي أن تجرأ على انتقاد قرار الحكومة بتعليق اتفاقيات التعاون القضائي مع فرنسا بعد أن استدعى القضاء الفرنسي السيد الحموشي للاستماع إليه في قضية تعذيب مفترض، تعرض له حسب زعمهم مغاربة يحملون الجنسية الفرنسية. منذ ذلك الحين والعلاقات الفرنسية -المغربية تتأرجح بين البرودة والتوتر. أما الوسام الذي منحه الملك محمد السادس يوم 31 يوليوز 2011 للسيد الحموشي فقد اعتبره شباب حركة 20 فبراير إهانة لهم لأن الرجل على رأس جهاز يجسِّد القمع والتعسف. وعلى كل حال فإن الخرجة الإعلامية الجريئة لهذا لقاضي الذي يحرص على حريته في التعبير، تماما كما يفعل معاذ الحاقد في ميدانه، تشكل في حد ذاتها سابقة من نوعها في المغرب.

منذ بضعة أيام، قرأ رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران بخشوع خطاب الملك إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث أعطى هذا الأخير دروسا للبشرية جمعاء حول التنمية المستدامة، وعبر عن استيائه من التصنيفات والمؤشرات الدولية، والتي تتهاطل على المغرب تباعا فتفضح إخفاق سياسته منذ تولى الحكم منذ خمسة عشر عاما، لأن حصيلتها بالأرقام هزيلة سواء في التنمية البشرية، أو حرية التعبير، أو مكافحة الفساد أو جودة التعليم.

لحسن الحظ لا يزال في هذا العالم بعض ذوي المروءة الذين يذكروننا أن معالجة مرض الحمَّـى لا تكون بكسر مقياس الحرارة (الترمومتر).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.