المخزن.. وهيا بنا نحارب الإرهاب!

إن الحديث عن تفكيك خلية إرهابية هنا أو هناك دون استراتيجية واضحة لتجفيف ينابيع الإرهاب الفكري والمادي، لهو أمر غير مجد ٍ ولا يعدو أن يكون تسويقا إعلاميا، ومحاولة لإقناع الاخرين، الغربيين بالأساس، بالانسجام مع ما سُمي ب” استراتيجية حرب دولية مفترضة على الإرهاب” ، وتسويق المخزن داخليا على أنه يذوذ لحماية الشعب من “الدواعش” ولا ينبغي عرقلة فعله “الوطني” بأية ضجة احتجاجية على الغلاء أو على القوانين المجحفة التي يتم تمريرها في صمت آخرها القانون الجديد للتقاعد، ناهيك عن التضييق المكثف على إطارات مناضلة وحقوقية ونقابية لها تاريخها.

لتصبح “الحرب ” على الإرهاب فرصة ذهبية لممارسة إرهاب رسمي من نوع آخر يفرغ الشارع تماما من لغة الرفض أو الاحتجاج، ليستأسد المخزن على هذا الشعب الذي يستشعر غيابا مأساويا لبدائل مقنعة، لكثرة ما تم إحباطه، كما يخاف على أمنه إذ شُحنت ذاكرته البصرية بمشاهد الذبح والسحل في سوريا والعراق وليبيا .. لدرجة أصبح معها يعتقد أنه إن احتج على فاتورة كهرباء غالية أو قانون تقاعد مجحف فإنما يقوم “بثورة داعشية” فأصبح يدير ظهره للهراوة بمعناها الرمزي والمادي مستسلما لقدره ومرددا (إيوة حنا بعدا عندنا الأمن).

صحيح أن الأمن مسألة رئيسية ويُفقد غيابه القيمة لأي شئ آخر، لكن الشعب يحتاج أيضا أمنا غذائيا وصحيا وفكريا وهو البوابة الرئيسية لملء الثغرات التي يتم امتطاؤها لشراء الذمم وتجنيد المرتزقة وبيع أوهام الحور العين للشباب وصناعة الإرهاب ..

مناهضة الإرهاب يبدأ بالإعلام الذي يُدخل فقهاء و”دعاة دواعش” لكل البيوت، ويبدأ في المؤسسات التعليمية حيث يستغل البعض مقررات مهترئة للدخول في نقاشات تعبوية على” الدعشنة” لتصبح الثانويات والإعداديات والجامعات (التي تم الزحف فيها على شعبة الفلسفة كما على التوجهات المتنورة) روافد زاخرة من روافد الفكر التكفيري الذي يتم شحن العاطل والسباك والبائع المتجول والخياط ومختلف الحرفيين بمقتضياته الجهادية ..

إن استراتيجية محاربة الإرهاب لا تجدي بمجرد وضع إرهابي في السجن، طالما الأرضية خصبة لإنتاج إرهابي آخر، طالما لم يتم تجفيف المؤسسات الدينية وكذا باقي مؤسسات إنتاج الثقافة في المجتمع، من مظاهر “الدعشنة”، إذ كيف لا ينتج المسجد إرهابيين وبها شيوخ من أمثال النهاري يكفرون الجميع تقريبا نهارا جهارا، دون مساءلة قانونية، بل وكانت تتصاعد دعوات شيوخ مغاربة، مرضي عنهم من طرف السلطة (الفيزازي مثلا)، بالنصر المبين لدواعش سوريا في تعبير واضح عن هوية إرهابية مناصرة للإرهاب..

مجتمعنا مؤهل للإرهاب لأن ثقافتنا مشحونة جدا بمظاهر الإرهاب الناعم الذي طبَّع معه المجتمع بشكل كبير، حين يرى الناس رجلا يضرب زوجته ويقولون بأن هذا شأنه لأنها زوجته فهم يحملون بداخلهم استعدادا ليكونوا إرهابيين، أو شابا يعتدي على امرأة تلبس بطريقة لا تعجبه فترى الرضا على وجوه المارة، فنحن مجتمع إرهابي، وحين تنهال قوات الأمن على معطلين محتجين ويمر الناس مر الكرام أمام البرلمان لقضاء أشغالهم، فهذا إرهاب رسمي يؤهل المجتمع لإنتاج الإرهابيين، وهذا المعطل سيكون غالبا ممن إذا عرض عليه مبلغ محترم لا يمكن إلا أن يذهب حتى للهند للقتال فما بالك إن طلب منه القيام بذلك هنا..

حين يتم إلقاء القبض على مواطن مغربي يدفع ضرائبه ويحمل بطاقته الوطنية لمجرد كونه شيعيا أو مسيحيا (أي مختلفا) فهذا إرهاب وتكريس لمناخ عام يرفض الاختلاف مع الآخر ويستدعي إلغاؤه ومحو وجوده من المجتمع، ووضعُه في السجن (في شريعة المخزن) أو ذبحه على خلفية اختلافه (في شريعة داعش) يلتقيان في الهدف : الترهيب والإلغاء ..

إن معظم الشباب الذين تم تجنيدهم في سوريا، تم ذلك بعد ترددهم على المساجد لفترات، وعبروا المطارات إلى تركيا بالالاف، فهل يعقل أن المخزن لم يتساءل إلى أين يحج هؤلاء بهذا العدد المهول؟ أم أن الأمر كان حلا لا أخلاقيا وعابرا للتخلص منهم ونثرهم في بلدان الاخرين؟ أو كان يقتضيه انخراط في مشروع دولي لا ناقة للشعب المغربي فيه ولا جمل؟

إن محاربة الإرهاب تبدأ بالقطع مع المجاملة المدفوعة الثمن لدول تمارس الإرهاب الدولي، بما فيها دول خليجية ولد وتربى الإرهاب في كنفها، ويبدأ بتحجيم دور تلاميذها من الشيوخ المغاربة، إضافة لعدم السماح لشيوخ ،سبق و أن حرضوا على الإرهاب في سوريا، بدخول المغرب وإلقاء “الخطب” في الجامعات المغربية، وشحن آلاف الطلبة بفكر تكفيري، بل والتجوال في البراري المغربية “لإدخال” نساء مغربيات إلى دين محمد ابن عبد الوهاب فدين محمد ابن عبد الله يعرفه المغاربة منذ زمن بعيد، والكل يتذكر الشيخ العريفي متحاورا مع امرأة بدوية وهو يصول ويجول ليس كسائح بل ك”فاتح” للمغرب..

محاربة الإرهاب بإطلاق صفارات سيارات الشرطة فقط، لاصطياد إرهابيين يشبه مشهدا مسليا ومريحا من فيلم نهايته مأساوية.. لأن هؤلاء أنتجتهم سياسة لا يمكن إلا أن تروي تربة تنبت الإرهاب لأنها فاشلة في اختيارالحلفاء الدوليين، وتابعة في اقتصادها وانتهازية في تدبيرها للمؤسسات الدينية ( التي يزج بها في السياسة حين تقتضي الأمور ذلك) وفاشلة في تدبير المؤسسات الدراسية والعلمية بفتحها على عواهنها لأعداء العقل والتفكير والاختلاف…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.