الزلزال طبيعي والتهميش سياسي

“الزلزال طبيعي والتهميش سياسي”، كان هذا أحد أهم الشعارات التي رُفعت خلال الاحتجاجات الشعبية التي أعقبت زلزال الحسيمة سنة 2004، حينها استشاط المواطنون غضباً للطريقة التي تعاملت بها الدولة مع الكارثة، والبطء الذي ميّز تدخلها الاني لمحاصرة تمدد اعداد الضحايا والمصابين، وازداد احتقان المواطنين أكثر بعد الكشف عن برنامج اعادة الاعمار الذي كان هزيلا جداً، اقرب إلى الضحك على الذقون منه إلى اعادة اعمار منطقة انهكها التهميش ونكّل بها الزلزال.

كان هذا في بداية الألفية، وكان العهد الجديد في بداية مساره، وشاءت الأقدار أن يضرب المنطقة زلزال اخر يوم 25 يناير 2016، لكن لحسن الحظ لم يخلف خسائر مادية كبيرة، بيد أن الحالة النفسية للمواطنين هي جد مضطربة، كيف لا وتجربة زلزال 2004 لم تبرح ذاكرتهم، فمن لم يعش جحيم زلزال 2004 يصعب عليه أن يتمثل حجم المأساة والهلع والحالة النفسية الصعبة لمن عاشوها.

في هكذا ظروف يفترض من الدولة أن تستنفر كل مجهوداتها من أجل تطويق الامر، والوقوف بجانب الساكنة لمدهم بالارشادات والنصائح، ولاطلاعهم عن حقيقة الاخبار التي تتقاذفها الاشاعات هنا وهناك. لكن للاسف، لا شيء من هذا حدث، حتى التغطية الاعلامية الرسمية كانت فضيحة بكل المقاييس، ففي الوقت الذي قطعت بعض القنوات الاسبانية برامجها لمتابعة ما يحدث في مليلية المحتلة، والتواصل مع الساكنة، كانت القنوات التلفزية المغربية تواصل بث برامج الطبخ والمسلسلات التركية البائتة.

على المستوى الحكومي لم يظهر أي بلاغ رسمي ولا تصريح وزاري ولا شيء، كأن ما حدث كان مجرّد مزحة لا تستحق الالتفات، في المقابل قامت الحكومة الاسبانية بمجهودات حثيثة ومتواصلة من أجل بث روح الطمأنينة في ساكنة مليلية، فهرع سكرتير وزارة الداخلية الاسبانية الى زيارة المدينة رفقة رئيس الوقاية المدنية، للوقوف على الاجراءات المتخذة، بينما سارع رئيس الحكومة المنتهية ولايته الى ارسال رسالة التضامن مع ساكنة المدينة، وتم نصب خيام عسكرية مجهزة بكل الضروريات في احدى ساحات المدينة لتأوي الذين لا يريدون الرجوع الى منازلهم في لحظات الهلع هذه خاصة مع توالي الهزات الارتدادية.

تصوروا مواطنا مغربياً يعيش على الحدود المتاخمة لمدينة مليلية المحتلة، إذ من الطبيعي أن يتتبع  كيف تعاطت الحكومة ووسائل الاعلام الاسبانية مع الحدث، وبالمقابل سيكون على علم بالصمت الاعلامي والحكومي المغربي المريب، ألا يخلق هذا احساساً بالدونية والحكرة؟ كيف تريدون أن تقنعوا هذا المواطن أنه في بلد يحترم مواطنيه والمفارقة الفجة بين أولئك ونحن ماثلة بكل بشاعتها أمامه؟

إن المواطن في مثل هذه الحالات العصيبة يكون في أمس الحاجة إلى من يلتفت إليه، إلى من يطمئن عليه، إلى من يمدّه بالاخبار الحقيقية بعيدا عن الاشاعات التي تتناسل في مثل هذه الحالات، فمع توالي الهزات الارتدادية تتوالى الاشاعات التي تتحدث عن زلزال أعنف ومدمر قادم، وهو ما يستدعي تدخل الدولة من أجل ضمان سلامة المواطنين، ومدهم بالنصائح والاحتياطات اللازمة، وليس غريبا أن أغلب حالات الاصابة التي حدثت مع زلزال اليوم كانت هي لأشخاص حاولوا انقاذ أنفسهم بالقفز من النوافذ.

إن الشعور الذي انتاب ساكنة منطقة الريف وهم يقارنون بين تعامل الدولتين المغربية و الاسبانية مع الحدث هو شعور باليتم. هل يعلم مسؤولو الدولة والحكومة المغربية أن المئات من ساكنة المنطقة سيبتون في العراء هذه الليلة تخوفاً من حدوث هزات ارتدادية عنيفة؟ اذا كانت الحكومة الاسبانية قد وفرت خياماً مجهزة بمليلية لاستقبال المواطنين الذين لا يريدون المبيت في منازلهم، فالأكيد أن الدولة المغربية تجهز قواتها لمحاصرة أي احتجاج قد يُنظّم على هذه اللامبالاة القاتلة. تلك هي طبيعة الدولة هناك، وهذه طبيعة الدولة هنا، ومع ذلك تراهم أحيانا يتساءلون بخبث أو غباء عن سبب العزوف السياسي والاحتقان الاجتماعي.

 

 

 

تعليق 1
  1. abdou يقول

    انسيتم ان محمد السادس اقام في الحسيمة مع مواطنيها في اوقات الزلزال لايام عديدة دون خوف او هلع تي يطمان المواطنون كفانا من النعرات والكذب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.