الزحف السلفي على القانون الجنائي المغربي

يشكل السكوت عن تحديد ماهية بعض المصطلحات الواردة في مشروع القانون الجنائي إحدى أكبر المعضلات التي تواجه الفهم السليم  لتوجهات المشرع المغربي, فمصطلح “ازدراء الأديان”  على سبيل المثال يجعلنا نطرح التساؤلات التالية: ما معنى ازدراء الأديان؟ ألا يقصد المشرع في الحقيقة  ازدراء “دين” واحد وهو الإسلام ومذهبا واحد هو السنة الأشعرية رغم أنه يتحدث عن الأديان بصيغة الجمع؟ هل يعتبر نقد الديانة المسيحية مثلا ورؤيتها لماهية الله وابنه والروح القدس ازدراءا للديانة المسيحية؟ وهل يمكن اعتبار نقد التوجه المذهبي الشيعي ووجهات نظره في الصحابة وغيرهم ازدراءا للديانة الإسلامية؟ وهل يستطيع الشيعة رقع دعوى قضائية ضد بعض السنيين الذين يتهمونهم بالكفر والضلال وسب الصحابة وكافة الأوصاف ذات الحمولة النقدية؟ وهل يعتبر حجر السلطات والجماعات الإسلامية السنية على البهائيين المغاربة واستهزائهم الواضح بمعتقداتهم  ازدراءا لهذه الديانة؟ وهل سيتمكنون من رفع دعوى قضائية لإنصافهم من هذا الشطط والحجر والديكتاتورية الدينية المذهبية؟

ويمكن أن يكون الفصل 219 من مشروع القانون الجنائي الجديد تشريعا يؤصل لممارسة الإستبداد الديني الذي سيمكن بعض التوجهات السلفية المحافظة المتمكنة داخل دواليب الدولة من بسط سيطرتها على المجال الديني العقدي للمواطنات والمواطنين المغاربة. ويتنافى هذا السلوك كلية مع متطلبات البناء الديموقراطي السليم، حيث تتعامل الدولة مع كافة المكونات العقدية والدينية والمذهبية على قدم المساواة من دون أن يكون لإحداها من الإمكانيات العمومية والتشريعية ما يجعلها مصدرا للحجر والشطط والهيمنة.

وسيؤدي توظيف مصطلحات من قبيل: “السب” و “القذف” و “الإستهزاء” و “الإساءة إلى الله أو الأنبياء والرسل” إلى جعل النقاش والتناظر في المجال الديني أمرا محظورا يؤدي بمن تجرأ على القيام به أو تنظيمه إلى السجن والإكراه على دفع غرامات مالية. وهذا أمر لا يتماشى أبدا مع مفهوم الدولة  الديموقراطية ومؤسساتها التي ينبغي أن ترعى حرية الفكر والإعتقاد والتنظيم وتشرع لتنظيمهما وفق لوازم العيش المشترك وتبادل الأفكار والتناظر والسجال الإيجابي بين المكونات الفكرية والعقدية والمذهبية والسياسية المكونة للنسق الإجتماعي.

 وفي الفرع الخاص ب” الجرائم المتعلقة بالعبادات”  أقر المشرع في المادة 220 تجريم استعمال العنف أو التهديد لإكراه شخص أو أكثر على مباشرة عبادة ما أو على حضورها أو منعهم من ذلك. فهل ينسحب هذا التجريم على كافة المكونات العقدية والدينية والمذهبية الوطنية، أو التي سترى النور في المستقبل ؟ أم أن المشرع يقصد فقط تعرض السنة المالكية والمذهب الأشعري لذلك؟ وإذا ذهبنا إلى تعميم هذا الإجراء على كافة المكونات الدينية الكائنة والممكنة فهل يمكن اعتبار ذلك إشارة إيجابية مبشرة بحماية الأديان والمذاهب التي يتعرض أصحابها لشتى أصناف المنع والحجر والتضييق والشطط سواء من طرف السلطات أو من طرف المتشددين من المحافظين والسنيين السلفيين؟

وتزيد المادة 1-220 من مخاوف الديموقراطيين المنادين بتحييد الدولة ومؤسساتها، وتعمق من الحيرة والضبابية وعدم الوضوح الذي تحدثه المادة 220 رغم عموميتها وشموليتها. فالحرص على عدم التخلي عن قانون “زعزعة عقيدة مسلم” التي تعرضت للكثير من النقد والتمحيص، مؤشر سلبي ينبئ باستمرار  الزحف السني السلفي المحافظ على مظاهر المدنية الديموقراطية. كما أن التركيز على الإبقاء على مصطلح “الزعزعة” في مواد القانون الجنائي ضرب من الإستهتار بقدرة العقل المغربي على التمييز والتفكير والتناظر والحرية والإختيار. وجعله عقلا “مسلما” مغلقا غير قادر على الإنفتاح والتفكير إلا في إطار الإغراء والغواية والحاجة والضعف، وهذا غير صحيح على الإطلاق. كما أن ضبابية مصطلح “مسلم” الموظفة غالبا ودائما تزيد من مظاهر الإحتقان الدلالي والرمزي في ظل السكوت عن الخوض في ماهية المسلم خاصة. وكذلك السكوت عن المكونات العقدية والدينية والمذهبية الأخرى وموقعها ضمن الخريطة الدينية الوطنية.

لا ينبغي للدولة المدنية الديموقراطية أن ترعى الإستبداد الديني والمذهبي وتشرع للحجر على عقول المواطنات والمواطنين باسم ازدراء الأديان وزعزعة عقيدة المسلم. فهذه السلوكيات السلبية تعمق مظاهر الإحتقان المجتمعي والتنظيمي، وستمكن المحافظين السنيين السلفيين من بسط سيطرتهم على المجال الروحي والعقدي للبلاد. ويتنافى ذلك مع متطلبات المواطنة الحقة ومستلزمات الديموقراطية المنشودة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.