الريف والمصالحة المجالية

حميد كعواس

تلقفت خبرا يتحدث عن دعوة إلياس العماري لمصالحة وطنية دعا من خلالها المغاربة إلى: ” الإنصات لبعضهم البعض من أجل تدبير الصراعات المجالية والإثنية والثقافية التي تهدد الوطن “… وهي دعوة تعيد إلى أذهاننا موقفه السلبي وصمته المريب وكل ممثلي الريف من الأحزاب السياسية الأخرى، إزاء تمرير “مشروع الجهوية المتقدمة” الذي قسم الريف بين ثلاث جهات في تجاهل تام للأصوات التي بحت مستنكرة هذا التقسيم الباطل. ثم كيف يستقيم الحديث عن تدبير الصراعات المجالية في ظل تقسيم ترابي يطغى عليه الهاجس الأمني والمركزية السياسية والاقتصادية ؟ إذ نقرأ مباشرة بعد “دعوة المصالحة” عن التهام الرباط والدار البيضاء لنصف استثمارات 2017. وهذا يكشف بشكل صريح مدى التناقض الصارخ بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي والسوسيو-مجالي.

كما يثير هذا الموضوع إشكالية “المصالحة المجالية” باعتبارها مدخلا أساسيا لتدبير الصراعات المجتمعية، إذ يمثل المجال “الإطار الطبيعي” الذي ينصهر داخله المجتمع بتاريخه وثقافاته المتمايزة التي أنتجته، فهو ” الأساس الجغرافي للتاريخ الكلي للمجتمع” بتعبير الفيلسوف الألماني”هيغل”. لذلك ارتأينا تخصيص هذا المقال للتذكير بضرورة إعادة تنظيم المجال الوطني وفق معايير التجانس المجالي والاجتماعي التاريخي كمدخل أساسي لتحقيق “المصالحة المجالية”. والنظر إلى الوطن “كنظام كلي” مكون من “أنظمة صغرى” تتفاعل مع بعضها البعض.

ويشكل “الريف”، كما سبق أن عبرنا عنه في مقالات سابقة، أحد هذه الأنظمة المجالية والاجتماعية الراسخة في المكان والمستمرة في الزمان، الذي شيد على أسس جغرافية وتاريخية متينة ومتكاملة، إذ يتحدد مجاله الحيوي من خلال ارتباط مفهوم النظام الاجتماعي التاريخي بالنظام المجالي الجغرافي اللذين يشكلان قاعدة صلبة لتحديد “الريف”. ونلح مرة أخرى على أن أي تصور يروم تحديد هذا الإقليم المتميز دون استحضار وضعيته الاجتماعية والمجالية التي كانت سائدة في الفترة التي سبقت الاستعمار، هو ضرب من العبث”، وسيساهم في إذكاء الصراعات المجالية والمجتمعية داخل الوطن.

كما نشدد مرة أخرى على ضرورة استحضار القواعد المتينة التي يتأسس عليها تنظيم المجال، والتي تستجيب لمبدأ “التجانس المجالي التّراتُبي” من أصغر الوحَدات المجالية (الجماعات القروية)، التي تنتظم في “أقاليم ترابية” تراعي تقاربها المجالي والاجتماعي، ومن ثم ضمها في “نظام ترابي” يضمن شروط اشتغالها وتفاعلها وفق مبدأ التجانس والتنوع، ويكون قاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وسبق أن ضربنا مثالا لأقاليم إدارية من الريف الشرقي، التي لا تزال تعاني من ارث التقسيم الكولونيالي (الفرنسي-الاسباني)، مما يحتم ضرورة إعادة تحديدها وفق معايير التجانس المجالي والمجتمعي وذلك بضم جماعات أخرى إليها. وقلنا أنه لا يمكن تصور بقاء جماعات قروية واسعة تمتد على أقاليم جرسيف وتازة (صاكا ومزكيتام، وأولاد بوريمة، وجماعات كزناية)، أن تكون خارج مجالها الحيوي في أقاليم الناظور والدريوش والحسيمة.

وأخيرا نؤكد على أنه لا مجال للحديث عن مصالحة مجالية دون إعادة تنظيم المجال الوطني في إطار ترابي متين ومتماسك، يستجيب للسيرورة التاريخية للمجتمع في انسجام تام مع مجالاته الجغرافية التاريخية. وأن أية محاولة تهدف إلى رد الاعتبار للريف كمجال جغرافي ومنظومة متكاملة، لن يتم إلا وفق مقاربة نظامية تنهل من الدراسات الجغرافية والاجتماعية والأحداث التاريخية التي راكمها المجتمع الريفي في إطاره الجغرافي الذي يجسده “الريف”. ونختم مقالنا بمقولة تأملية تنسب لقائد الثورة البلشفية “فلاديمير لينين” يقول فيها: “لا يمكن أي يولد أي جديد ما لم يحوي عناصر موجودة في الماضي، لا يمكن أن يمحى أي قديم فجأة”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.