الريف من الحراك إلى الحْريگ

في ليلة يوم الخميس 25 ماي 2017، وبأحد فضاءات مدينة الحسيمة، كان لي شرف حضور أطوار حوار صحفي أجراه الصحافي الهولندي المقتدر كولين جريفين مع كوكبة من نشطاء حراك الريف: ناصر الزفزافي، نبيل أحمجيق، محمد الحاكي، حبيب الحنودي. خالد الشيخ ومحمد الريفي. مع التنبيه إلى أن السلطات المغربية قامت، بعد سنة من ذلك، بمنع نفس الصحافي من القيام بمهامه الصحفية بالريف وطردته من الحسيمة يوم الخميس 19 يونيو 2018 بدون مبرر.
ولأن الحوار كان يجريه صحافي هولندي مع نشطاء حراك شعبي ريفي هز العالم، كان ولا بد أن يطرح على محاوريه أسئلة تشغل بال الرأي العام الأوروبي، وبالتالي كان عليه أن يطرح أسئلة حول الهجرة والإرهاب في علاقتهما بالحراك، إلى جانب الأسئلة المتعلقة بأوضاع الريف وأوجاعه قبل الحراك وخلاله.
وعن سؤال الإرهاب وظاهرة انخراط بعض المهاجرين من أصول ريفية في التنظيمات الإرهابية ومشاركتهم في عمليات إنتحارية أكد المحاورون بأن الحراك الشعبي بالريف بسلميته وحضاريته – فالمسيرات والوقفات والتجمعات التي كان يدعو إليها نشطاء الحراك، مثلا، والتي كان يشارك فيها مئات الآلاف من المواطنين والمواطنات لم يسجل فيها أدنى أعمال عنف أو شغب أو تحرش- يؤكد الطابع المسالم والسلمي للإنسان الريفي بقدرما يؤكد نزوعه الطبيعي للدفاع عن كرامته وحقوقه بدون هوادة ؛ وبأن مشكل تورط بعض المهاجرين الريفيين في عمليات إرهابية هو مشكل تعود أسبابه إلى سياسات الدول التي يعيش فيها المهاجرون كما تعود إلى الدولة التي هجّرتهم. فذلك المهاجر الذي تم اقتلاعه من أرضه والقذف به إلى أوروبا لم يهتم أحد به وبأبنائه، لم يُعلّم لهم أحد لغتهم الأمازيغية ولم يُدرِّس لهم أحد تاريخهم الحقيقي وثقافتهم الغنية ليتعرفوا على هويتهم ويتمكنوا من إعادة تشكيلها بطريقة خلاقة عبر الإنفتاح على عالمهم الجديد.
بعد ذلك بادر الصحافي بسؤال ناصر الزفزافي بشكل مباغت: وأنت تتعرض لما تتعرض له من تهديد ومضايقات ألا تفكر في الهجرة إلى أوروبا؟
كان جواب ناصر تلقائيا وصادقا، لقد تعبنا من الهجرة، نحن نريد أن نعيش ونموت فوق أرضنا كما هو حال كل شعوب العالم. وأنا شخصيا لم أفكر يوما في الهجرة ولا أفكر فيها الآن.
وخلال تشعبات إجابات النشطاء على أسئلة الصحافي حول الهجرة والحراك، تمت الإشارة إلى أنه بسبب حراك الريف إنخفض، مؤخرا، منسوب الهجرة بالريف إلى أدنى درجاته، فقد أذكى الحراك الأمل في صفوف الشباب بإمكانية ضمان أدنى مقومات الإستقرار ببلدهم، في حالة ما إذا تفاعلت الدولة إيجابيا مع الإحتجاجات السلمية الحاشدة التي يعرفها الريف وعملت على تحقيق الملف المطلبي الذي رفعه الحراك.
وفعلا توقف نزوع الشباب للهجرة منذ الشهور الأولى من زمن الحراك. وكيف كان سيفكر المرء في تلك الأثناء في الهجرة من الريف ويخلِّف وراءه تلك الجموع الهائلة والرائعة التي كانت تمتلئ بها شوارع وساحات حواضر الريف، وهي تمضي في موكب عرائسي، في مسيرات الشموع والورود والأكفان، في خرجات الشنطنة والطنطنة وهلم أشكال نضالية راقية من أجل مطالب حقوقية واقتصادية واجتماعية وتاريخية وثقافية وبيئية؟ من كان يجرأ على أن يهاجر من الريف الذي كان محط أنظار العالم؟ بل يمكن القول بأن الريف خلال تلك المرحلة كان قد بدأ يعرف هجرة معكوسة: الهجرة إليه وليس منه.
وليست الهجرة وحدها من توقفت إبان تلك الفترة البارقة من تاريخ الريف، وإنما توقفت أيضا ظاهرة الإنتحار وتلاشت الخصومات ومظاهر العنف المجتمعي لتسود روح التضامن والتضحية والحس الجماعي بين الناس.
بعد الحوار سيخرج الصحافي الهولندي بانطباع آسر أسرَّ لنا به ونحن نغادر المكان، مفاده أن لحراك الريف قادة أتقياء وأذكياء ونبهاء.
وسوف ينصرف كل واحد إلى حال سبيله، فيما لا أحد كان يدرك ما كان يخبّئه له الغد. لا أحد كان يعتقد أن ذلك اللقاء وذلك الحوار كانا لقاءهم وحوارهم الأخيرين.
لا أحد كان يعتقد أنه ساعات بعد ذلك الحوار ستبدأ حملة إعتقالات حمقاء بالريف لن تستثني أحدا منهم. ولا أحد كان يتخيل أن أحكاما خيالية وكارثية ستصدر في حقهم: ناصر الزفزافي ونبيل أحمجيق محكومان بعشرين سنة سجنا نافذا، محمد الحاكي بخمسة عشرة سجنا نافذا، حبيب الحنودي بخمس سنوات سجنا نافذا، خالد الشيخ صدر في حقه حكم بسبعة أشهر سجنا نافذا، فيما سيهاجر محمد الريفي إلى المنفى.
ففي يوم الغد، وتحديدا غداة خطبة صلاة الجمعة ستنزل الدولة بكامل أجهزتها وآلياتها الأمنية لشن أشرس وأضخم حملة إعتقالات في صفوف أبناء وبنات الريف، وهي حملة لا تزال مستمرة لأكثر من سنة ونصف: هناك معتقلون حوكموا ثم خرجوا ثم أعتقلوا مرة أخرى، هناك معتقلون لا زالوا يحاكمون، وهناك من هاجر إلى أوروبا منذ بداية حملة الإعتقالات، وهناك من خرجوا من السجن ثم هاجروا بما في ذلك المُعفى عنهم، ومن لم يهاجر بعد تجده يخطط للهجرة.
وأن يخرج بعض معتقلي حراك الريف من السجن ليقرروا فِي غضون أيام معدودة الهجرة عبر قوارب الموت، يعني أولا فشل مؤسسة السجن في إدماج وإعادة إدماج المعتقلين، ويعني ثانيا أن قساوة تجربة الإعتقال والأحكام الباطلة قتلت فيهم وازع البقاء داخل وطن هو في حد ذاته سجن، ويعني ثالثا أن السجن أَماتَ فيهم الخوف ولكأنهم واثقون من أن الموت غرقا في أعماق البحر وتحول أجسادهم الفتية إلى وجبات للحيتان، هو أرحم لهم من العيش في وطن ينزع عنهم حتى حق الإنتماء إليه باتهامهم بالإنفصال وزعزعة الإستقرار والتآمر على الدولة والمس بأمنها، لا لشيء إلا لأنهم خرجوا في مسيرات حاشدة وسلمية من أجل مطالب عادلة ومشروعة.
وبنفس السرعة التي انخفضت بها موجة الهجرة خلال الحراك، ولربما بسرعة أكبر، ارتفعت تلك الموجة منذ بداية حملة الإعتقالات وبوتيرة مخيفة. لدرجة لم يعد يمكن اعتبارها هجرة سرية بما أنه يتم الإعلان عنها ونقلها للعالم عبر تقنية اللايف وعبر وسائل التواصل الإجتماعي. فعلى خلاف ما كان يحدث سابقا أصبح المهاجرون يكشفون عن هويتهم وهم يشقون عباب البحر، ويعلنون أنهم ليسوا مجرد مهاجرين سريين يلهثون وراء لقمة العيش بل إنهم نازحون يهجرون أهلهم وأرضهم بسبب القمع والإعتقالات والأزمة الإقتصادية الخانقة.
إننا إزاء موجة جديدة من موجات الهجرة تتميز بكون المهاجر فيها يهاجر وهو يحمل معه قضية: قضية الريف بحراكه ومطالبه ومعتقليه وبتاريخه ومآسيه وطموحاته.
ويعرف أنه يهاجر إلى بلدان له فيها إخوة وأخوات أعادوا اكتشاف ذواتهم وهويتهم وقضيتهم منذ انطلاق الحراك بالريف، على إثر طحن الشهيد محسن فكري، وامتداده إلى الشتات. ما يجعل هذه الموجة الجديدة من الهجرة حريگا مسكونا بالحراك. خاصة وأن كل ما في الوطن يغري بالهجرة. ولأن الحراك الشعبي بالريف، وما عداه من الحراكات الإحتجاجية بالمغرب، هو بالأساس حراك الشباب فإن قرار الشباب الهروب من الوطن عبر قوارب الموت يبين إفلاس كل مخططات الدولة للإجابة عن تطلعات الشباب بما أن تلك المخططات تدفع الشباب للهجرة أكثر ولا تثنيهم عنها.
فكما قد يكون الصحافي الهولندي قد استشعر مدى بلادة مسؤولي الدولة الذين قرروا مواجهة شبابا ذكيا مسؤولا بالقوة والعنف وبالإعتقال والمحاكمات الصورية، بدل فتح قنوات الحوار معهم والإستجابة لمطالبهم البسيطه. فإن المسؤولين أنفسهم يكرسون ذات الغباء حين يستهدفون مروجي الفيديوهات الموثقة للهجرة بدل الإنكباب وبسرعة على معالجة الأسباب الحقيقية لها. وليس هناك من حلول ملائمة وفعلية لظاهرة الهجرة غير إطلاق سراح كافة معتقلي حراك الريف وباقي الحراكات الإحتجاجية بالمغرب. والإستجابة لمطالب حراك الريف ولمطالب الشعب المغربي في الحرية والكرامة والعدالة، مع التركيز على الإستجابة لتطلعات الشباب الملحة على مستويات: التربية والتعليم التشغيل والخدمات الإجتماعية وإحترام حقوق الإنسان ومحاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وما دون ذلك لن ينتج عنه إلا المزيد من الكوارث التي من شأنها أن تهدد ليس سلامة الدولة فقط وإنما تهدد وجودها بالمرة لا قدر الله. إن الدولة المغربية لا يهددها ناصر الزفزافي أو الحراك الذي ارتبط به اسمه والذي بسبب ذلك تم ترشيحه من طرف البرلمان الأوروبي لنيل جائزة ساخاروف لحرية الفكر. إن ما يهدد الدولة هي بلادتها وفسادها وعجزها عن مسايرة تطور الوعي الشعبي والإستجابة لمطالبه الملحة والتي لا يمكن الإلتفاف عليها.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.