” الريف تراث حي”.. مرآة الهولنديين والفلامانيين الريفيين لاستكشاف بلد أجدادهم

ليس بالضرورة، كل ما يكتب وينشر جدير بالقراءة عند الريفي ، خصوصا اذا استحضرنا، التعاطي القلق والمرتبك، للريفيين حول ما كتب أو مازال يكتب عنهم أو عن بلادهم، فثمة حذر شديد بخصوص ما ينشر بشكل عام سواء من طرف الأجانب أو من أهل البيت، لذلك نرى في السنوات الأخيرة وبشكل ملحوظ ظهور فئة شابة من الباحثين والكتاب والناشطين ببلاد الريف وحتى بالشتات الأوروبي خصوصا بهولندا يقدمون وينشرون ويترجمون أعمالا قيمة وفي مجالات وتخصصات وقضايا مختلفة، منها لا الحصرالأدبية والسياسية والفكرية والتراث بشكل عام …

وضمن هذا الاطار يمكن ادراج النسخة الهولندية لكتاب ” الريف : تراث حي ” للباحث الميداني” الريفي أشرف بلعلي الذي صدر عن مؤسسة بادس بهولندا، مطلع الأسبوع الماضي، وتم تقديمه أمس البارحة بمسرح Zuidplein بمدينة روطردام وسط حضور متميز لمختلف الشرائح الثقافية والاجتماعية الهولندية، حضور ذكر الجميع بالأنشطة الجادة والمتميزة لريفيي هولندا في السنوات الماضية، ورسالة في نفس الوقت الى من يهمهم الأمر على أن لا شيىئ يعلو على جودة الأعمال وألانشطة الجادة، لذلك فالشكر ممدود هنا لمؤسسة بادس التي يشرف عليها ريفيون هولنديون في توفير الامكانيات المادية والمعنوية من أجل اخراج هذا العمل للوجود والأمل معقود نحو المستقبل من أجل نشر المزيد من الأعمال التي تغني المكتبة الريفية وتعرف في آن بالقضايا التاريخية والثقاقية والسياسية لبلاد الريف وسط الأجيال الريفية الشابة بالدياسبورا، المهددة بالتوحش السلفي الوهابي من جهة والنفوذ الفولكلوري الرسمي المبتذل للرباط من جهة أخرى.

الكتاب شكلا، تم أخراجه في طبعة انيقة، وكان يستلزم ذلك أصلا خصوصا اذا استحضرنا أهمية الصور الملونة للأماكن وكذا صور بعض الشخصيات الريفية التي يزخر الكتاب بها وبجودة عالية، اذ غالبا ما نسجل كمهتمين بالكتاب الريفي في السنوات الاخيرة رداءة الجودة للكتاب الريفي نظرا لشح الامكانيات المادية من جهة وغياب المؤسسات الثقافية المستقلة الراعية للكتاب من جهة اخرى، الأمر الذي فرض على العديد من الباحثين والكتاب الريفيين نشر اعمالهم من مجهوداتهم الذاتية.

riiiif

“الريف : تراث حي ” يحتوي على 255 صفحة وموزع على عشرة فصول زاخرة بمعطيات قيمة حول التراث المادي ببلاد عبد الكريم، بدءا بالتراث الثقافي التاريخي والأركيولوجي ، وضمن هاته الفصول حاول الباحث التوقف على بعض المكونات المهمة لهذا التراث نذكر منها لا الحصر الوجود العبراني بالريف، قصة صخرة أزرو نذسريث على تخوم سد محمد بن عبد الكريم الخطابي وسهل النكور وكذا قلعة طوريس وقصبة سنادة، مرورا بالتراث الديني، محاكم عبد الكريم بالريف ،التراث الكولونيالي الاسباني والأسواق الشعبية بالريف الأوسط ، وضمن هاته الفصول توقف الباحث على العديد من الأماكن الدينية التاريخية كمسجد أدوز الذي بناه المرينيين، مسجد مسطاسة العريق، مقام العلامة أبو يعقوب الباديسي، كنيسة سان خوسي بمدينة الحسيمة والعدييد من الأسواق الشعبية بالريف ألوسط نذكر منها لا الحصر سوق سبت امزورن، سوق الأربعاء بأربعاء تاوريرت، سوق الثلاثاء باجارماوس وسوق الأحد بالرواضي، ووصولا الى المعمار التقليدي الريفي، السكن القروي بالمنتزه الوطني للحسيمة، ضمن هاته الفصول توقف الباحث الريفي أشرف بلعلي على الخصوصيات المعمارية للمنزل الريفي وبالتعريف ببعض المساكن السياحية القروية المتواجدة بالمنتزه الوكني للحسيمة كمسكن Colina del Viento ، مسكن جنانات وثاداث نارايس عري وأخيرا تضمن الكتاب تعريفا بالعديد من الاماكن السياحية الطبيعية كخليج النكور، خليج وشاطىء يليش، وشواطىء اخرى، وضمن مجمل هاته الفصول العشرة يحتوي الكتاب على ما مجموعه أكثر من 275 صورة حديثة وقديمة لمواقع وشخصيات تاريخية ريفية أضافة الى ستة خرائط ورسومات ومخطوطات نادرة.

ويمكن اعتبار كتاب “الريف : تراث حي ” كأول دليل ثقافي للتراث المادي ببلاد الريف وكصرخة ادانة للجميع وبون استثناء أحد ، فلعل اول سؤال مستفز سيراود القارىء وهو ينهي قراءة الكتاب هو: ماهو مصير هذا التراث المادي الريفي؟ الذي اصبح في مهب النسيان والاندثار والتدمير، وما مغزى الصمت المريب لقطاع واسع من المثقفين والناشطين الريفيين بخصوص هذا الموروث السيادي للريفيين مقابل هذا يسائل الكتاب وعبر محتوياته ضمنيا مغزى ” الخطاب التنموي ” المغلف بالاسمنت المسلح الذي أتى على الأخضر واليابس خصوصا بعد ماسات زلزال 2004،خطاب ظل يسوق على قطاع واسع بالريف في السنوات الأخيرة من خلال نخبة الزلزال.

وبالنسبة للترجمة الهولندية فان للكتاب أهمية خاصة، وأهميته  بالدرجة الأولى في الفئات المستدهفة بعينها، اي الفئات الشابة من الجيل الثاني، الثالث ومستقبلا الرابع من الريفيين بهولندا وبلجيكا، تلك الفئة التي غالبا ما يتم ربطها باشكاليات وقضايا اجتماعية مختلفة، لذلك فغياب المرجعية الثقافية النوعية وانتشار الجماعات المتطرفة وانتشار الابتذال الثقافي الهجين، حيث ان التعريف بهذا الموروث الثقافي الغني لبلاد آبائهم وأجدادهم سيحفزهم على الاهتمام والمشاركة أكثر في النشاط والعمل الثقافي والقومي الريفي راهنا وآجلا، لأن بلاد عبد الكريم – بلدهم – محتاج اليهم أكثر من أي وقت مضى، لذلك فالكتاب يؤرخ – الشهادة – والصرخة على كل ما لحق من دمار وتخريب بالتراث المادي ببلاد الريف من طرف الرباط على امتداد العقود السحيقة الماضية وفي وجه كل من يقف متفرجا وموزعا دوره ونشاطه المناسباتي في التقاط الصور وعلى أنقاض ما تبقى من هذا التراث الذي نفقده كل ساعة وكل يوم.

وفي الأخير لا بد من التنويه بهذا العمل المتميز للباحث الميداني الريفي اشرف بلعلي، الذي دق من خلاله ناقوس الموت وليس الخطر، موت هذا التراث السيادي لبلاد الريف ، الأمر الذي يتحتم علينا كريفيين الوقوف يدا واحدة في وجه ثقافة وسياسة النسيان الممنهجة، فمنذ ما سمي ب ” هيئة الانصاف والمصالحة ” فلا متحفا أنجز ولا بناية رممت، ولا ما تم سرقته من أرشيف وكنوز المنطقة أعيدت، لذلك فالواجب الريفي يستوجب الاعتماد على الذات قبل فوات الأوان.

فريد آيث لحسن

فاعل ريفي، عضو مؤسسسة محمد نميس ن عبد الكريم الخطابي بهولندا

================================================================

معطيات عامة عن الكتاب:

العنوان : الريف تراث حي

المؤلف : اشرف بلعلي

ترجمة  : امحمد العبدوني و راني القدوري

الترقيم الدولي : ISBN 978-90-820468-1-6

منشورات      : مؤسسة بادس 2016  www.bades.nl

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.