الريف بين الحصار المخزني وصمت المنتظم الدولي وتردي وضع معتقلي الحراك

جمال المحدالي

أيام معدودة تفصلنا عن موعد مسيرة باريس ليوم 26 أكتوبر 2018 التي دعى إليها معتقلو حراك الريف من سجني راس الماء/ فاس وطنجة2، تخليدا للذكرى الثالثة لاستشهاد محسن فكري وانطلاق حراك الريف، تحت شعار: “الريف بين الحصار المخزني وصمت المنتظم الدولي”. ومنذ الإعلان عن هذه المسيرة احتد النقاش والسجال حولها، وفيما انخرط الصادقون في الإعداد والتعبئة لإنجاحها، انكبت جوقة اللايفيين التخوينية للتشويش على المسيرة والتشكيك في من دعى إليها وفي شعارها. قد يكون السجال المهترئ أخلاقيا ومعرفيا ونضاليا من عيوب الذوات الريفية بالداخل والخارج، لكن ذلك ليس عيبا لصيقا بها لوحدها، فتحارب الشعوب في صراعها مع أعداء الحرية تعلمنا أن الصراع أحيانا بين فصائلها يطغى على الصراع مع الخصم الأساس، وهذه إحدى آفات الفصائل التي يقدم الحراك وصفة للشفاء منها. وانفجار الصراع بين الريفيين على مواقع التواصل الإجتماعي هو ما يوحي باستفحال الظاهرة ريفيا، لدرجة تكاد تبدو كما لو أنها من صميم الوجود الريفي. إن هذه الظاهرة، بأعراضها المرضية، تحمل دلالة إيجابية، تتمثل في فعل تعرية وفضح العيب الثاوي فينا، وتضعنا أمام الأسئلة التالية: كيف تكون مناضلا وانت لا تعمل إلا على التشهير والتحطيم والتدمير؟ كيف تخدم الريف بهوس التخوين والنزوع لحرق كل من تختلف معه رمزيا؟ كيف تتحرر بالجهل، جهل الذات وجهل الآخر، وبتجاهل ذلك الجهل المركب؟ وهل بالكذب والتشهير والمس بالأعراض يكون تدبير الإختلاف وتوحيد الريفيين والريفيات؟ لذا، فإن الضجيج اللايفي المبتذل ميزته تكمن في الكشف عن الخبث والحقد الأعمى الساكن في بعض الظواهر الصوتية، وبانكشافه يضع أمراضها أمام الملأ، ليكون بالمتناول رصدها وفهمها وتفكيكها، ومن ثم تجاوزها. إن المخونين والمشوشين يدينون أنفسهم بأنفسهم بافتراءاتهم وبخطابهم الساقط الشاهد على اصطفافهم عمليا بجانب المخزن في استهداف المعتقلين والسعي لتحطيمهم ولاستدامة حصار الريف. لكن هذه الخطابات الحقودة النابشة في الأعراض والحرمات لن تقوى على النيل من الحراك ومن معتقليه، لأنها لا تستطيع أن تخفي حقيقة أنه في كل مكان، هنا وهناك، ومن مختلف الأطياف، أحرار وحرائر، يوصلون الليل بالنهار، يشتغلون في صمت وفِي نكران تام للذات، من أجل حرية معتقلي الحراك وتحقيق مطالبهم، ومن أجل رفع الحصار عن الريف. وإلى مثل هؤلاء الصامدون والصامدات، هؤلاء المناضلون والمناضلات يجدر الإنتباه والإصغاء، وبهم يتوجب الإقتداء، لأنهم يشرفون القضية التي يتفانون في الدفاع عنها بنبل وصدق وذكاء. إن حراك الريف نجح في إرجاع الإنسان الريفي إلى واقعه والنضال من أجل قضية اسمها قضية الريف، وهو ما لم يحدث منذ انتفاضة الكرامة بقيادة محمد بن سلام أمزيان. فمنذ القمع الشرس الذي جوبهت به تلك الإنتفاضة تحول الريف إلى عقدة بالمعنى السياسي والنفسي، وسيضطر الريفيون للنضال في جبة الدفاع عن الإشتراكية والخلافة الإسلامية ومن أجل تحرير فلسطين وأفغانستان ورفع الحظر عن الإتحاد الوطني لطلبة المغرب، سيناضلون من أجل أي شيء، وسيكونوا كعادتهم في طليعة من أدوا فاتورة تلك النضالات. لكن مع انطلاق حراك الريف سيحدث تغير جذري في بوصلة نضال الريفيين والريفيات، سيتحول الريف إلى قضية هي أم القضايا. فإذا ما كان الريفيون سابقا يتوزعون في نضالهم وفق انتماءاتهم وأيديولوجياتهم، فإنهم منذ الحراك اصبحوا يتمركزون حول الريف ويناضلون من أجله، وإن كان ذلك النضال لم يرقى بعد إلى ما هو منتظر منه تنظيميا وعمليا وتنظيريا. فأن يجد الريفيون أنفسهم ذات حراك يلتفون حول إدانة طحن الشهيد محسن فكري ويتفاعلون مع نشطاء الحراك ومطالبهم، يعني أن شيئا ما قد تغير وأن قضية الريف تعود للواجهة في مطلع للقرن الواحد والعشربن كما كانت غداة مطلع القرن العشرين. أما الذين يتباكون عن الضحايا ويسيل لعابهم لنهش الحراك ونشطائه بمبرر النقد وكشف الأخطاء، فالأحرى بهم أن يستشعروا هدا التغير وأن يستحضروا تضحيات الريفيين في الدفاع عن مختلف القضايا وإن على حساب قضيتهم، وفِي نظري هذه التضحيات وتضحيات نشطاء الحراك يجدر ان تكون مصدر افتخار لا احتقار، علما أنه لا أحد يعشق الذهاب إلى السجن ولا الإستشهاد ولا… وإنما، إن أي مبتدئ في النصال بصدق يدرك، في ظل دولة تتمخزن بإصرار بدل أن تنتقل بالسرعة القصوى نحو دولة الحق والقانون والمواطنة، بأن الويلات تنتظره وتتربص به. ومن السخافة أن يتم تحويل الضحية إلى المسؤولة عن معاناتها ومعاناة أهلها، فيما تتم تبرئة المعتدي والظالم بمبرر موازين القوى وتهور شباب الحراك أو عدم قبولهم بأي شيء، ولومهم على مواصلة النضال وعلى تمسكهم بمطالبهم ومبادئهم. في حين إن هذه الأصوات التي تدعي الجرأة على النقد وتعتبر أن قمة الشجاعة هي التطاول على معتقلين يؤدون ضريبة غالية وقاسية عن نضالهم، إن هذه الأصوات لا نسمعها تتحدث بنفس الحدة والشجاعة عن أخطاء المخزن ولا عن اخطائها هي في تفاعلها على ما حدث ويحدث. إن النقد ليس شماعة تعلق على الحلقة الأضعف لتمجيد الذات، وإنما هو ممارسة فكرية جريئة ومسؤولة تبدأ فيه الذات بنقد نفسها ممارسة وفكرا. ثم تعكف على ما ينبسط حولها ويتجعّد من إختلالات وأعطاب ومعيقات، على أن يكون النقد من أجل المضي قدما بإيقاع أفضل وبرؤية أكثر عقلانية واستشرافا للمستقبل، وليس من أجل ترسيخ أوهام الذات المتعالية والتشفي بالضحية ولومها على عدم إذعانها لتوجيهاتها وتعاليمها التي ظلت حبيسة عالمها المغلق والمغلَّف بالنرجسية المفرطة. إن الدعوة إلى مسيرة باريس وما أثارته من تفاعل على أرض الواقع وفِي العالم الإفتراضي، بغض النظر عن النجاح الباهر المرتقب لها، يؤكد فشل كل محاولات عزل معتقلي حراك الريف، كما يؤكد تهافت من يضغط على المعتقلين السياسيين لتقديم التنازلات المجانية خوفا عن عزلهم ونفور المتعاطفين معهم منهم. فرغم الحصار المفروض على المعتقلين السياسيين وعلى الريف ورغم الحملات الإعلامية المسعورة لتحطيم المعتقلين السياسيين وتشويه قضيتهم وتنفير الناس عنهم، فإن مكانة المعتقلين السياسيين تزداد اكتساحاً لقلوب الناس الرافضين للظلم والمناصرين للحق، والتفاف الريفيين والريفيات بالداخل وبالدياسبورا يزداد حول المعتقلين وحول قضيتهم. ذلك لأنهم ومنذ بروزهم في ميدان الحراك وإلى الآن، وبالرغم مما تعرضوا له، من اختطاف وتعذيب وظلم وانتقام واحكام انتقامية وتشتيت وتجويع، ظلوا على العهد، لم يضعفوا ولم ييأسوا ولم يساوموا، واجهوا مصيرهم بشجاعة، تحملوا الإختطاف والتعذيب والمحاكمات الصورية والأحكام الباطلة وظروف السجن القاسية بصبر وإرادة لا تلين. فهل نلوم معتقلي حراك الريف على صمودهم؟ والثابت أنه منذ بداية الحراك وإلى الأن وظفت الجهات التي أزعجها الحراك وأربك حساباتها كل شيء لعزل النشطاء عن قاعدتهم الشعبية وللحد من امتداد روح حراكهم في العمق المغربي، كما بذلت المستحيل لصد ريفيي وريفيات الشتات عن احتضان الحراك. وذلك ما شكل أحد ركائز الحملة الإعلامية لشيطنة الحراك ومضمون البلاغ المشؤوم لقادة أحزاب التحالف الحكومي، ذلك ما سيتم نسخه واستنساخه في مسوخ محاضر الضابطة القضائية ومرافعات النيابة العامة ودفاع الطرف المدني… ومع ذلك، فإن هدف كل تلك المخططات لم يتحقق: عزل المعتقلين السياسيين وإجهاض روح الحراك، وإنما تعززت شعبيتهم ريفيا ومغربيا وعالميا. في الوقت الذي كنت فيه منكبا على كتابة هذا المقال إطلعت على بيانين، الأول صدر عن معتقلي حراك الريف الستة المرحّلين من سحن عكاشة إلى سحن رأس الماء بفاس، والثاني من المعتقلين السياسيين ربيع اﻷبلق و جمال بوحدو المضربين عن الطعام بسجن طنجة 2، إرتأيت أن أختم هذا المقال بفقرة من كل بيان. الفقرة الأولى: ” كان من الأفضل لو بذلت كل تلك الجهود التي تحثنا على وقف إضرابنا على الطعام مع الجهات المعنية باﻷمر اولا، والتي هي من أوصلتنا لاتخاذ هذه الخطوة الأخيرة للضغظ عليها، حتى تقدم حلولا تنهي بها كل ما بدأته وتسببت به لنا من المعاناة. إننا مستعدون للتضحیة من أجل الوطن وحق الجميع في العيش بكرامة”. الفقرة الثانية: ” ونعلن للراي العام الوطني و الدولي ان حياتنا داخل السجن باتت مستهدفة من طرف اجهزة الدولة التي نقضت كل المواثيق والعهود الدولية المتعلقة بالحقوق و كرامة الانسان و كذا الحقوق السياسية و الاقتصادية و الثقافية و عليه فإننا نحمل المسؤولية للدولة المغربية في اي ضرر او مكروه محتمل ان يطالنا او اي انتقام قد يلحق بعائلاتنا، كما نتوجه الى كل المنظمات و الهيآت الحقوقية الوطنية و الدولية في تحمل مسؤولياتها كاملة إزاء الوضع الذي نعيشه داخل السجن”. فمن أجل انقاذ حياة ربيع الأبلق، جمال بوحدو، سمير اغيذ، محمد حاكي، نبيل أحمجيق، وسيم البوستاتي، زكرياء اظهشور وكل معتقلي حراك الريف، ومن أجل رفع الحصار عن الريف، على ريفيي وريفيات الشتات المشاركة بقوة وكثافة في مسيرة باريس والتحرك بعجالة، على مختلف المستويات، لطرح قضية معتقلي حراك الريف على المحافل الدولية المعنية بحقوق الإنسان. ومن أجل نفس الهدف على الائتلاف الديمقراطي من أجل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفك الحصار على الريف، المشكل مؤخرا، الإنفتاح على كل الهيئات السياسية والمدنية والفعاليات الداعمة لمعتقلي حراك الريف ولمطالبهم مع الإسراع في أجرأة وتفعيل البرنامج النصالي المعلن عنه.

جمال المحدالي

الشيلي: ولسوف تزهر اللحظة! سوف تزهر اللحظة

راي سريع حول ما حدث في باريس: